المحاكمة - يوسف جاد الحق

مسرحية -من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثالث

(المشهد ذاته عند نهاية المشهد الأول أي عند بداية حديث خالد أمام المحكمة. خالد كمن يعود من حلم. أو كمن يصحو من كابوس مرعب.. يتصبب عرقاً، ويبدو متعباً وحزيناً.. لكنه يستدرك موقفه فيتابع نقل الصورة لما حدث عقب المجزرة.).‏

خالد : (متابعاً في إعياء. يطغى الأسى والتأثر على كلماته) زخات الرصاص كالمطر.. تساقطت الأجساد في اللحظة التي كنت أقفز من فوق الجدار المتهدم جزء منه.. أعدو.. أعدو بين الأشجار. يلاحقني الرصاص مارقاً كالسهم يضرب الأغصان وأوراق الشجر كالعاصفة. صرخات الرعب والألم. صيحات الإسرائيليين تلاحقني أيضاً. طفقت أعدو حتى بلغت القرية. الشوارع خالية. والشمس اختفت. كيف بلغت دارنا؟ لا أعرف. تلقتني أمي صارخة: ماذا دهاك؟ أين شقيقك؟... نعم شقيقي أكرم الذي رأيناه في اليوم التالي بين أكوام الجثث.. كذبيحة تغمرها الدماء.. ماتوا جميعاً، من كانوا إلى جواري أحياء قبل قليل..أتساءل منذ ذلك اليوم (يرفع صوته كأنما يصرخ) لماذا؟ لماذا؟ لماذا يجب أن يحدث لنا ذلك؟؟‏

(القاعة والمنصة في صمت مطبق لبعض الوقت)‏

النائب العام : (في لهجة رصينة مراعاة للجو العام السائد، ولكن بلهجة تحريضية ناظراً إلى الجمهور).‏

لا أخفي عليكم، أيتها السيدات والسادة، أنني أتحلّى بضبط النفس طيلة الوقت الذي قضاه هذا الإرهابي الماثل أمامكم، محاولاً استدرار عطفكم بقصة معظمها ملفّق. الغاية التي يرمي إليها من وراء ذلك هي صرف الأنظار عن جريمته كواقعة، وعن بواعثها أيضاً.. فضلاً عن استدراره لعواطفكم.‏

محامي الدفاع : (مقاطعاً) هل يقصد سيادة النائب العام أن مأساة كفر قاسم من نسج خيال موكلي..!‏

ولكن أليست وقائع مذبحة كفر قاسم مثبتة الآن تاريخياً، ولا سبيل إلى إنكارها..؟ لذلك أرجو الإلتزام بالموضوعية، على الأقل، في هذه المحكمة، إحقاقاً للمصداقية.! وإن كنتُ أدرك مسبقاً أنه مطلب بعيد المنال..!‏

النائب العام : كفر قاسم.. كفر قاسم.. دير ياسين.. تلك كانت ظروف حرب.. وقع تجاوز يومئذ أدّى إلى وقوع خسائر يؤسف لها.. لكن ذلك لم يكن مقصوداً أن يحدث كما حدث تماماً..!‏

الأوامر العسكرية هي الأوامر.. والعسكر لايهمهم إن كان ما يفعلونه صحيحاً.. ينطبق أو لا ينطبق على حالة ما.. مسؤوليتهم فقط تنفيذ الأوامر. وقد كان مرور هؤلاء أمام تلك المفرزة في وقت منع التجول.. فماذا كان ينتظر منهم أن يفعلوا!؟‏

محامي الدفاع : (مستنكراً) أبهذا القدر من الاستهانة ُينظر إلى أرواح البشر.. إلى مصائرهم..؟‏

هل المسألة هي فقط الاستماع إلى تبرير منطقي أو أخرق لأي جريمة تقترفونها وحسب.؟‏

هل يجب أن يقبل التبرير الصادر عنكم على علاّته، فقط لأنه صادر عنكم..؟ أنتم الذين مازلتم تتحدثون، بعد ثلاثة عقود أو أربعة عما تسمونه بالهلوكوست، وتبالغون في تضخيم أفعال النازية، وكأن أرواح البشر أصناف.. ومقاسات كالأحذية والجوارب.. منها الغالي ومنها الرخيص. بشر تقوم الدنيا وتقعد إذا أصابهم مكروه، وبشر يجب أن يُنسَوْا تماماً حين يذبحون وكأن شيئاً لم يحدث؟‏

النائب العام : على أية حال، هذه المحكمة لم تعقد من أجل محاكمة التاريخ.. لكفر قاسم أو غيرها..!‏

نحن هنا من أجل اتخاذ الإجراء القانوني العادل بحق إرهابيين قتلوا أو تسببوا في مقتل أبرياء إسرائيليين كما سبق أن بيَّنت، كانوا في مهمة رياضية.. وهي حضارية أيضاً بل إنسانية تلك المهمة، فجاء هؤلاء المتخلفون.. غير المتحضرين، فأودوا بحياتهم الغالية..!‏

محامي الدفاع : (ضاحكاً في سخرية) الغالية.. هنا بيت القصيد.. هي من الصنف الغالي الثمن.. تلك الأرواح، كما قلت للتوّ..حياتهم الغالية.. أجل.. الغالية..!‏

القاضي : (طالباً إليهما الكف عن حوارهما المباشر) بالفعل. هذا الذي تتحدثون فيه خارج عن اختصاص هذه المحكمة. (ثم موجهاً كلامه لخالد) بعد أن أسمعتنا هذه هي الحكاية أيها السيد، عرفنا الآن سبب انتمائك لهذه الجماعات. دعنا ننتقل الآن إلى نقطة ثانية. ماذا كان دورك في العملية تحديداً؟‏

خالد : دوري في هذه العمليةهو دوري ذاته في أي وقت.. وأي مكان آخر.. مهاجمة العدو في أي مكان أستطيع.‏

القاضي : ولكن هؤلاء لم يكونوا (العدو) الذي تتحدث عنه.. أعني العدو المفترض.‏

خالد : هم عسكريون الآن أيضاً.. لا تتصوروا ياحضرات السادة أنهم يضيعون فرصة كهذه دون أن يقوموا بأعمال خفية لصالح حكومتهم.. بل إن مهمتهم الخفية هي الأصل، والرياضية هي الغطاء، إن كل يهودي في العالم له دوران... واحد في الخفاء لصالح الصهيونية واليهودية العالمية، والآخر مايظهر به على صعيد الحياة اليومية، وهؤلاء ليست بريئة أيديهم من دمائنا، لا بالأمس ولا في الوقت الحاضر.‏

القاضي : على الرغم من التعميم في إجابتك، لكن لابأس يمكننا أن نستنتج بأنك تعترف أخيراً.. وفي هذا الكفاية.‏

خالد : إذا كان هذا في عرفكم هو الاعتراف، فليكن.. أكثر من القرد الله ما سخط..!‏

القاضي : (مستغرباً) مالنا وللقرود الآن.. هل سنتحدث عن القرود؟‏

(ضحك في القاعة.. غمغمات وهمس بين الحضور)‏

خالد : هذا واحد من أمثالنا الشعبية، يقوله المرء عندما يبلغ مرحلة لا يعود فيها أو بعدها أو عندها يخشى شيئاً لهول مايمرُّ به. عندما تبلغ معاناته مداها..‏

القاضي : باختصار تريد أن تقول أنك لست خائفاً.. أهذا ماتريد قوله؟‏

خالد : خائف من ماذا؟ وأخاف على ماذا؟‏

القاضي : من نتيجة المحاكمة.. وعلى روحك..!‏

خالد : (بلهجة ساخرة) كيف أخاف، أيها السادة، وأنتم تتحلَّوْن بمثل هذه الروح الديمقراطية؟ ألا يجب أن تثبتوا للعالم، كما لأنفسكم أنكم ديمقراطيون؟ ومتحضرون.. ووو...‏

حتى مأساتنا ينبغي أن تستغل لخدمة مدعاتكم وماشاكلها... كيف نخاف إذن؟؟‏

القاضي : لا نريد العودة إلى ماسبق أن أضعنا فيه غير قليل من الوقت.‏

خالد : مايطمئننا، على أية حال، هو أننا بتنا على يقين من أن حضارتكم هذه باتت على أعتاب انهيارها، لأنها في الأصل لم تكن قائمة على قيم صحيحة، أو مبادئ إنسانية عادلة على الرغم من قدراتكم الخارقة على الزعم بغير ذلك. بل القدرة على غسل أدمغة البشر بوسائلكم الجهنمية لحملهم على الاعتقاد بما ترغبون. لكن هؤلاء لن يظلوا أغبياء كل الوقت. لسوف يكتشفون الحقيقة.. ولقد بدأ هذا فعلاً...‏

القاضي : ( في لهجة حانقة) كما ترون، ياسادة، إنني أحاول أن أتحلى بضبط النفس أنا أيضاً، ولن تحملني إجاباته الفجة (مشيراً إلى خالد وهو يتوجه بالكلام للجمهور ولعضوي المحكمة وللنائب العام) على الخروج عن حدود القوانين المرعية ومبادئ العدالة..!‏

خالد : (بتهكم) تماماً كعدالة القوانين الإسرائيلية..!‏

النائب العام : (مباهياً ومتجاهلاً السخرية في لهجة خالد) كيف لا وهي تنهل من المعين ذاته.‏

خالد : (بسخرية أشدّ) بدليل أن (أبطال) مجزرة كفر قاسم من ضباط جيش الدفاع حوكموا أيضاً يوم اقترفوا جريمتهم.. وحكم على كل منهم بغرامة مقدارها (ثم يلفظ الكلمات مقطعة وببطء شديد) أغورا واحدة.. مع وقف التنفيذ..!!!‏

(ضجة في القاعة، وتبادل نظرات وكلمات وهمس على المنصة، ثم وقوف النائب العام.. ثم جلوسه.. مرتين أو ثلاثاً.. وهو يمسح عرقه عن وجهه وجبينه بمنديل أصفر اللون..).‏

خالد :(مضيفاً وهو يلتفت إلى الجمهور وبصوت مرتفع).‏

ترى كم ملياراً من الماركات تدفع الحكومة الألمانية تعويضاً عن أرواح من قضوا نحبهم منهم برغم العدد الهائل من الادعاءات الكاذبة..؟‏

النائب العام : (ساخطاً.. يضرب المنضدة بيده) أسجِّل احتجاجي الصارخ من هذا المكان..!‏

خالد : (يضحك بمرارة) ألم أقل من قبل أن أرواح البشر ماركات أيضاً.. منها المرسيدس ومنها الفيات ومنها الفولكس فاجن..!!‏

القاضي : (دون أن يفصح وجهه أو كلماته عن حقيقة مشاعره هذه المرة)‏

ما الذي تريده من هذا على أية حال..؟‏

خالد : (في تؤدة كمن يلقي خطاباً..وبنبرات هادئة) لا أريد أكثر من أن أطلع العالم من فوق هذا المنبر على حقيقة ماجرى،' وما زال يجري لنا على أيدي هذه الطغمة التي فاقت نازيتكم، أيها السادة، في إجرامها.. بل آمل ألا أظلم النازية ذاتها إذ أقارنها بها..!‏

النائب العام : (في حرج واضح وبغية التخلص من المأزق) ولكن ألا ترون أيها السادة أن هذا موضوع آخر..!‏

القاضي : (يتبادل الرأي مع عضوي اليمين واليسار ثم كمن يستجيب لرغبة أوحى بها النائب العام.. فيبدأ في لملمة أوراقه وكمن يحدث نفسه بصوت عال ودون أن ينظر باتجاه خالد).‏

لقد أضعتَ الكثير من وقت هذه المحكمة ياهذا.. وسنؤجل الجلسة إلى يوم../../.. لأن هذا الذي تتحدث عنه موضوع آخر..!‏

النائب العام : (هاتفاً) نعم.. نعم.. هذا موضوع آخر...!‏

الفدائيون الأربعة : (يهتفون معاً بلهجة مختلفة تنضح بالسخرية والإدانة)..نعم، أيها السادة.. نعم هذا موضوع آخر..!‏

الجمهور : (يهب واقفاً في الصالة استعداداً للخروج).‏

هذا موضوع آخر..!‏

هذا موضوع آخر..!‏

(يقف الأعضاء لينصرفوا. إلى الداخل فيما الجمهور يمضي مغادراً القاعة.. مردداً الهتاف ذاته ويختفي الفدائيون فيما أصواتهم تتلاشى مرددة الهتاف ذاته أيضاً...).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244