المحاكمة - يوسف جاد الحق

مسرحية -من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الخامس

(ذات المشهد الأول من الفصل الأول، أي قاعة المحكمة وهيئتها وقفص الاتهام بداخله الفدائيون).‏

ناصر : (كأنما يعود من غيبة طويلة، يتوجه ببصره حيناً إلى المنصة وحيناً إلى الجمهور. ثم يتابع) ثم جاؤونا بشيء اسمه الهدنة. توقفت الحرب. ظن الجميع أننا عائدون. حتى أن أمي أخذت تتفقد مفاتيح الدار التي أقفلتها بها عند رحيلنا. ولكن هذه الأحلام ضاعت فجأة باستئناف الحرب واستيلائهم على أكثر مما خصص لهم في مشروع التقسيم الظالم.. ثم اخترعوا لنا شيئاً أسموه (وكالة إغاثة اللاجئين)... هذا أصبح اسمنا.. فذقنا من الذل الكثير.. توزيع المؤن.. سطل الحليب.. السكن في خيام أو أكواخ تصلح لسكنى الحيوان.. وتوالت المآسي. من حروب واعتداءات لا تنقطع ليس علينا وحدنا، حتى في مخيمات لجوئنا، بل أيضاً على الدول العربية المجاورة.. ومجازر واحدة تلو الأخرى.. غير دير ياسين وكفر قاسم.. قبية نحالين وخان يونس وغزة.. الموت الجماعي، والعقوبات جماعية.. ثم احتلالهم في حزيران عام 1967 لماتبقى من أرض فلسطين.. وفوقها أجزاء من أراضي الدول العربية المجاورة يحدث كل هذا، ياسادة والعالم يقف مكتوف الأيدي متفرجاً.. بعضه يقف عاجزاً عن فعل شيء..وبعضه مباركاً..‏

القاضي : (يطرق على المنضدة) أقول الحق، لقد نفد صبرنا تماماً أيها السيد. لقد أنصتنا إليك طويلاً يا.. ياناصر.. ولكننا غيرمضطرين لسماع المزيد.. كما أننا لا نستطيع السماح لك بإدخالنا في متاهات لا أول لها ولا آخر.. ثم إن هذا كله مما أتحفتنا بسماعه لا يعنينا في شيء. هو موضوع آخر...‏

ناصر : (في حزن وألم) قضيتنا دائماً موضوع آخر لا جدوى من الخوض فيه. كيف نلام إذن حين نعمل على إثبات وجودنا بطرق أخرى.. حين نناضل من أجل الحصول على حقوقنا التي أهدرت واستعادة أرضنا التي اغتصبت على مرأى ومسمع من الدنيا بأسرها؟‏

النائب العام : (محتداً) مرة أخرى يذهب بنا هذا الجاني بعيداً عن صلب القضية المطروحة أمام هذه المحكمة بل هو يتحدث في أمور ليست من اختصاصها..‏

القاضي : (يهز رأسه موافقاً) نعم.. نعم..هذه أمور ليست من اختصاص هذه المحكمة.‏

ناصر : (في أسف) هذا مايحدث دائماً. يجب أن يُعتَّمَ على مأساتنا تماماً وعلى الدوام، فما من أحد يريد أن يستمع إلينا، أو يبصر مايحل بنا نحن مجردون، بمباركة أو قولوا بمؤامرة دولية من كافة وسائل الدفاع عن النفس، سواء بالكلمة أو بالسلاح، أجل نحن أرض مفتوحة مباحة. تملك أيدي أعدائنا الحرية المطلقة لتفعل بنا ماتشاء بغير حساب. ويزعمون بعد ذلك أن هناك حقوقاً للإنسان..وإنهم حماتها.. ابتداء من تلك الهيئة التي أهدرت دماءنا وانتهاء بمدّعي امتلاك الحضارة المعاصرة..‏

(يدخل ضابط.. يتوجه إلى القاضي بخطوات سريعة. ينحني ليهمس في أذنه. فيما هو يقدّم إليه ورقة. يقرأها القاضي. ثم يصيح في وجه الضابط بصوت مسموع دون أن يدري لشدة انفعاله ودهشته).‏

القاضي : لكن هذا غير ممكن؟ هذا غير معقول..! هل تعني أن هذه المحاكمة يجب أن تتوقف؟‏

(الضابط لا يرد. يمضي محدقاً في وجه القاضي. الصمت يسود القاعة. العيون محملقة في انتظار ماسيقوله القاضي).‏

القاضي : (بعد التدوال مع عضوي المحكمة وفي صوت مرتجف، تأثراً) أيها السادة يؤسفني أن أقول بأنني مضطر لإبلاغكم بأن جلستنا سترفع على الفور. أعني ستغلق لأن القضية باتت منتهية، فلقد قامت مجموعة إرهابية أخرى باختطاف طائرة واحتجاز رهائن، وهي تطلب إطلاق سراح هؤلاء المتهمين الماثلين أمام محكمتنا مقابل سلامة الرهائن، ولا يسع هذه المحكمة أمام هذا الواقع المؤسف سوى الاستجابة لطلب السلطات العليا في حكومتنا. وسوف يغادرنا هؤلاء إلى أي مكان يشاؤون وتحدده المجموعة الإرهابية آنفة الذكر؟؟!‏

النائب العام : (مندهشاً وثائراً أكثر من أي وقت مضى) ولكن كيف حدث ذلك؟؟.‏

ناصر : (في ابتهاج شديد وكذلك زميلاه إلى النائب العام) كيف حدث ذلك..؟ ذلك موضوع آخر..!‏

القاضي : (يهب واقفاً ومعه من على المنصة) نعم.. ذلك موضوع آخر..!‏

الجمهور : (الأصوات من كل مكان في القاعة) ذلك موضوع آخر..! ذلك موضوع آخر..!‏

(الجميع يغادرون القاعة).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244