البنت
أنا
الفتاة الفضائية علياء كما يحلو لوالدي أن يدعوني
و(فاليتا) كما تحب أمي أن تناديني. ولي عينان حلوتان
واحدة عسلية والأخرى زرقاء. وهذا مصدر اعتزاز لي.
واستغراب من الجميع، والدي ووالدتي يحبان بعضهما
لكنهما طيبان كثيراً إلى الحد الذي لا يعرف فيه
أحدهما كيف يعبّر للآخر عن محبته ويرجع الفضل في
ذلك لوالدي في المرتبة الأولى وللمداخلات السياسية
الحادة التي يحاول أن يدفع بها أمام كل حوار، فهو
يعتقد أن سبب إعجاب طلاب الجامعة به وبأسنانه التي
أكلها الصدأ، هو ذهنه اليقظ الذي يستطيع أن يبتكر
لكل ظاهرة تبريراً سياسياً، وعلى ذلك صار من الواجب
عليه أن يعمم أسلوبه الجامعي في كل مكان، ولأن
والدتي لم تكن برتبة عميد في الجامعة لذلك كانت
تسيء فهمه وتحاول أن تستعين بالقوة الجبارة
لبلادها في محاولة لتذكيره ببلاده وأهله وعدد
الخيبات والهزائم التي أصابتهم مقابل الانتصارات
التي حققتها بلادها، وكان يبتلع الإهانات الموجهة
إليه مثل قذائف الكاتيوشا، ومن شدة الابتلاع
والامتعاض صدأت أسنانه وقلبه وما عاد الحب يعرف
إليهما سبيلا.
كان
والدي طيباً إلى الحد الذي يحب فيه أن يحاط بالبهجة
والفرح في كل مكان، ولأن الآخرين كانوا غير قادرين
على صنع الفرح لأنفسهم حتى يتمكنوا من صنعة لغيرهم
فقد حاول والدي أن يصنعه بنفسه ولنفسه، غير أنه عجز
أيضاً بسبب عدم امتلاكه ملكة الخيال، لذلك حاول أن
يفتعل المرح افتعالاً، فسعى وبتخطيط مسبق لأن يضحك
بعد كل كلام يقوله وأحياناً قبله، وكان يتقصد أن
ينتبه لملامح الآخرين ليرى تأثير كلامه. وتأثير
ضحكاته فيهم، ولكنه غالباً ما كان يضحك وحيداً.
وحيداً دون أية ضرورة، وكنت أفهم مشاعره وأحب
طبيعته وروحه ودخان وحدته الذي ينفثه من فم حائر
وعينين غائمتين، لذلك تقصدت أن أدخله إلى محنتي
لأسمع رأيه.
أما
أمي، فالناظر إليها للمرة الأولى والثانية، يظنها
من نساء الـ (كي- جي- بي)، لكن الذي يعاصرها ويعيش
نبضها ووجدانها يحسها أقرب إلى أن تكون من معتقلات
الـ (كي جي بي). وليس منهم، غير أنها مع أبي ودون أن
أفهم لماذا، تتعمد أن تكون على غير طبيعتها، خشنة
وحاسمة كأنما تعامل تلميذاً ضبطه الأستاذ متلبساً
بعدم كتابة وظائفه، وقد قام أحد أصدقاء والدي
بتحليل هذه الظاهرة بطريقة مرحة عندما أكد أن
التعامل مع الزوج بهذه الطريقة دليل على الحب
الشديد.
بعد
عودتي من الدراسة في موسكو شعرت أن مستقبلي هنا قرب
أهلي وليس هناك. لذلك قررت إعادة الثانوية للتسجيل
في الجامعة، وقد قدمت أوراقي إلى ثانوية المحبة
الخاصة وانتظمت في صفوف الدوام اليومي وتعرفت على
صديقتين في الصف ليستا من الطالبات الراسبات، هما:
لمياء، ومروهْ.
كان
للمدرسة باصات خاصة لنقل الطالبات إلى البيوت، غير
أنني رغبت أن أذهب وأنصرف من المدرسة بطرائقي
الخاصة.
تقع
المدرسة في زاوية ينتهي طرفها الشرقي بمحطة انطلاق
الباصات، وطرفها الغربي بالحديقة العامة وسط حلب.
في حي العزيزيه.
في
وقت الانصراف، يتجمع عدد من الشباب وطلاب المدارس
المجاورة قرب باب المدرسة، بعضهم من أقرباء
الطالبات وبعضهم الآخر من الشبان الذين حضروا بهدف
بذل محاولات للانفراد بفتاة والحديث إليها عن
الأحوال والأحلام، وكانت الفتيات في الغالب يسئن
تقدير هذه المحاولات وينظرن بغضب إلى أصحابها.
الفتاة
في بلادنا تحتاج لمطاردة طويلة والكثير من
المقدمات حتى تقع في الشرك، وهي تحتاج إلى ذلك
لأنها عندما تقع، يطالبها الجميع بالثمن الباهظ
الذي ما عادت تستطيع أن تدفعه، أنا من طرفي لا أحمل
خوفاً يمنعني من القيام بما أريد لكنني أحمل كبرياء
شديدة الوطأة تمنعني من الانصياع، أسمع الكلام
وأنظر إلى صاحبه وأرد عليه بمثله إذا تجاوز الحد.
وكان من شدة كبريائي أنني تقمصت عادات وطرائق في
المشي تدعو للسخرية، فقد كنت عندما أخرج من البيت
أو المدرسة أضع كتبي على صدري وأحياناً تحت أبطي
وأمشي مشية منضبطة، مشدودة الصدر والرأس، إلى درجة
دفعت أحد الشبان المرحين الذين لحقوا بي في إحدى
المرات لأن يسخر من مشيتي ويصيح خلفي واحد اثنين،
واحد اثنين، إلى اليمين در، إلى اليسار در، إلى
الأمام سر، كأنما يخاطب جنرالا. وعندما التفتت إليه
لا لأشتمه وإنما لأتبين ملامحه هرول راكضاً، فحزنت
وكدت أن أناديه ليرجع ولا يخاف، لكن صوتي لم يبادر
إلي، فانفجرت ضاحكة حتى اغرورقت عيناي، فانتبهت
وتوقفت وأعدت النظر في مشيتي وأعضائي وحالة
الانتصاب التي كنت أفتعلها في صدري وحركة ساقي،
والتي تدفعني لتعب لا ضرورة له. وبعد استرخاء متعمد
وتدريب طويل تخلّصت من مشيتي المشدودة ودخلت مرحلة
الليمونة والعفوية في المشية والنظرات، في وقت
كانت فيه المدينة تدخل مرحلة الشدِّ والطلقات.
بعد
ملاحظات الشاب، تغيرت علاقتي بالأشياء وبدأت أحس
بأنني غيري. وأنني كنت أعيش مرحلة مفتعلة لم ينتبه
إليها أحد، لا أمي ولا أبي. ولم تساعدني ثقافتهما
الشديدة الوطأة على معرفتها وتجاوزها، حتى جاءت
كلمات الشاب الغريب وإيعازاته لتقدم لي وصفاً
جارحاً وحقيقياً، أدركت بعدها بعمق أنني فتاة
جميلة ولي نهدان وعينان ملونتان وساقان، وشعر أشقر
شفاف، على الجسد والمفارق، ولي أصابع وأحلام، ولقد
حافظت بعد التحوّل الذي أصابني على عادة وحيدة تمت
بصلة للمرحلة السابقة (مرحلة الجنرال) هذه العادة
هي ربط شعري الكثيف وعدم تركه منسدلا على ظهري
وكتفيّ، وقد كان ذلك مقدمة لحدوث ما حدث.
في
أول الحي الذي نسكنه وعند موقف الباصات، لمحته. شاب
تملأ الحيرة ملامحه وعينيه، لم يكن شديد الوسامة
ولكنه يمتلك روحاً شديدة التأثير، حركات وجهه
وعينيه فيهما إيحاء كبير، ولكنه يكاد يفتقر إلى
شيء.. ربما إلى الجرأة التي لم أكن أفتقر إليها،
ويبدو أنه انتبه مرّة عن قرب إلى اختلاف لون عينيّ،
فتابع الانتباه والاهتمام.
كثيرة
هي المرات التي شاهدته يقف في انتظار الحافلة في
مواعيد ذهابي وإيابي، وقد ضبطته في مرات عديدة في
حالة انتباه إلي، وعندما كنت أنتبه إليه يتشاغل عني
ويلتفت إلى الجهات الأخرى المعادية.
قلت
في نفسي مرات كثيرة إذا لم يبادرني بالكلام
سأبادره، غير أنه وفي المرات التي تقصدت فيها
الحديث إليه كان يترك المكان ويمضي، كأنما يحس
بمبادراتي ويخافها ولا يرغب أن أصرّح بها. وقد طال
الأمر حتى شعرت بالسخط والانشغال وبدأت أرمقه
بنظرات غاضبة زادت في مخاوفه وأقلقته وبدأ بسببها
يفقد بعضاً من وزنه. وبسبب ذلك كنت أمعن في ربط شعري
بقوة لينسدل بإنضباط على ظهري.
لو أن
أمه مثل أمي لما تردد كما تردد، ولكانت نظراته أكثر
قوة وثقة، وليست أكثر عمقاً وخوفاً، ولربما كان
أيضاً مثلهم، مثل شبان موسكو غير جدير بالحب كما هو
الآن، فالجرأة تحقق الرغبات لكنها لا تصنع الحب.
في
إحدى المرات وكنت في طريق العودة إلى البيت عند
الظهيرة، كان الحر شديدا وكان عدد الناس في الباص
قليلاً، ومن عادتي أنني لا أقعد على الكراسي في
الممر حتى ولو كان أحدها فارغاً. أحب أن أقف في
الفسحة عند الباب الخلفي للباص حتى أتمكن من
الانتباه إلى حركة الناس في الحافلة أو حركتهم في
الطريق وحتى أتمكن من النزول بسرعة عندما يتوقف
الباص.
في
هذه المرة كالعادة وقفت في آخر الباص، وعندما انطلق
الباص ووصل إلى الموقف الذي يلي محطة الانطلاق،
انفتح الباب الخلفي وصعد منه الشاب ومعه أحد
أصدقائه، كنت مستديرة بظهري إليهما وكانت جرزة
شعري الأشقر الطويل في مواجهتهما. كانا صامتين ثم
سمعت صوت أحدهما وقد تقصد أن أسمع الكلام.
-شعرها
جميل.
لم
يرد عليه الشاب.. وربما نظر في وجهه بغضب
-ما
رأيك أن أشدها من شعرها، كأنما ربطت شعرها بهذه
الطريقة.. ليشدها أحد منه. الجملة وصلت إليّ كاملة
فشعرت بالتأهب والإثارة وتمنيت أن يفعلها أحدهما
ويشدني من شعري. وقد استقام جسدي في انتظار الخطوة
التالية ورهفت أذناي ونهداي.
-ما
رأيك أن أشدها من شعرها، أعاد صاحب الاقتراح الكلام
ثانية.
-إياك؟
-لن
تتألم كثيراً، وربما لن تمانع.
-لا
تفعل.
إنها
تسمع ولو كانت تمانع لغيّرت مكانها.
وكأن
شيئاً خاصاً وغريباً أن تسمع من يقرأ أفكارك ويحاول
معك شيئاً أنت تريده وتنتظر منه أن يفعله، وقد
تسمرّت في المكان منتظرة النتائج ولأثبت للشاب
المتردد كيف تتكوّن المبادرات وكيف يتم صنعها.
بعد
دقيقة من الصمت والترقب والانتظار شعرت بكف تقبض
على شعري فانتبهت للخطوة التالية، يبدو أن كفاً
أخرى منعتها من الشد، غير أن الكف الأولى كانت
مصممة، ثم تابعت الكف الأولى مبادرتها وشدت بقوة
فتراجع رأسي إلى الخلف ثم استعاد مواقعه ثم توقفت
للحظة حتى أختزن انفعالات الحالة الطارئة،
ولأستدير إلى الوجهين الخاطئين، ثم لأرفع يدي
وأنهال بصفعة قوية على وجه الشاب الذي لم يغامر
بشعري، ولأستدير بعدها ثانية كما كنت في وضعيتي
السابقة دون الانتباه إلى رؤوس الركاب التي
استدارت جميعاً لتتعرف على الخد المصاب
بالإحمرار.
عندما
توقف الباص وكان ذلك قبل محطتين من الوصول إلى حينا
وانفتح الباب الخلفي، نزل الشاب وتبعه الآخر
مستغرباً، وكانت بيني وبين نفسي وقفة استغرقت
المسافة الفاصلة بين محطة الباص التي نزل فيها
الشابان بشكل مفاجئ، والمحطة التي تلتها، تساءلت
فيها لماذا تقصدت صفع الشاب الذي بدأ يثير اهتمامي
ولم أصفع الشاب الذي شدني من شعري. ربما لأن الشاب
الأول لم يفعل ذلك، لذا أثار غضبي ففعلت ما فعلت،
ربما لأنه سمح لشيء طارئ أن يعتدي علي، وكان
ضرورياً أن يشعر بأنني أخصه وعليه أن يمنع صديقه أن
يفعل، ولكن لماذا أضع المحاذير والأسئلة وقد كنت
أرغب أن يحصل الذي حصل وكنت في حالة انتظار له، لكن
الأدهى والأمر في هذه الحالة هو لماذا ارتفعت كفي
وهوت، وعلى وجه بدأ يثير مخاوفي وانتباهي، هل
عاودتني حالة الجنرال، وهل يمكن لشاب مثله في رتبة
عاشق مذعور أن يحب جنرالاً. مثلي. لذلك داهمتني
الوحدة والأحزان، وشعرت بالارتجاف والبرد، وصرت
مثل شيء قاس وحزين.. وربما مثل جنرال فقد آخر جنوده
وقلاعه، ولم أجد نفسي إلاّ وقد قفزت من باب الباص
الذي انصفق خلفي وتركني وحيدة على المحطة التالية.
كانت ضرورية تلك القفزة في الفراغ التي داهمت نفسي
بها، بعد أن شعرت فجأة أن الوقت قد حان وأنني أصبحت
مدينة للشاب بتوضيح وربما باعتذار، لذلك توقفت
وحيدة على محطة الباص في انتظار عبور الفتى.
دقائق
قليلة وأطل الفتى في الظهيرة اللافحة، كان وحيداً،
وقد فرحت لاقترابه ووحدته ووقفت أنتظر عبوره حتى
يبادرني، ولكنه اكتفى بأن نظر إليّ بغضب شديد وعبر
دون كلام، فلحقت به.
-توقف،
إنني آسفة.
غير
أنه لم يتوقف، فأسرعت خلفه وأمسكته من زنده.
-قلت
لك أنني أسفة.
-أنت
غير محتاجة للأسف، وأنا لم أمدد يدي إلى شعرك
-أعرف
-تعرفين؟..
لماذا إذن؟..
-لا
أعرف، ربما لأنك تركته يفعل.
كنت
أحب أن تبادر أنت وتشدني من شعري بدلاً منه.
-كنت
تريدين أن أفعل أنا.
-من
مدة طويلة وأنا أنتظر منك أن تفعل شيئاً
-أنت
غريبة مثل لون عينيك، وكنت أخاف منك
-والآن؟
-ما
عاد فيك شيء يخيف.
-ماذا
تقصد.
-عندما
يفعل أحد ما فعلت في الحافلة يكون ضعيفاً وتافهاً
ولا يخيف أحداً.
ثم
تركني ومضى مستعجلاً. وبدأت أفكر عندما يفعل أحد ما
فعلت يكون ضعيفاً وتافهاً ولا يخيف أحداً، وأحسست
بالكلام. بصدقه وبالصراحة الجارحة فيه، وأنا أتابع
الطريق إلى البيت.
في
الليل، جلست على السرير وحيدة أفكر، خلعت ثيابي
كلها وتابعت التفكير، تفقدت جسدي، وتذكرت الشاب
وكلامه ثم مشيت إلى المرآة، وبعدها إلى دفتر
المذكرات، وكتبت على صفحة خاصة، هذا الشاب خطر ولا
يستحق الحب، ثم مزقت الصفحة وقررت أن أتابع
الاهتمام به وأنا أقلب كفي التي ما زالت تحتفظ
بذكريات خده.
في
اليوم التالي كان ينتظر على موقف الحافلة، وكنت في
طريقي إلى المدرسة صباحاً، فاغتبطت لمشاهدته،
لكنني فجأة قررت تجاهله ومتابعة الطريق ماشية. وقد
حرصت على إمساك جسدي حتى لا يخرج علي. ويلتفت إليه،
وقد أعيتني هذه المحاولة التي بذلت من أجلها جهداً
واضحاً، وبعد أن شعرت بأنني ابتعدت مسافة كافية
وأفلتت جسدي وظهري من نظراته، أخذت نفساً عميقاً،
وأخرجت منديلاً ورقياً ومسحت اللهات عن قلبي
ومشيتي وتابعت الطريق، ورغم ذلك وعندما انتبهت لم
يكن في عقلي وصدري وعيني سواه، كأنما كنت ذاهبة
إليه وليس إلى المدرسة.
لماذا
شعرت فجأة أنني أحبه، ألأنه اعتبرني ضعيفة وتافهة،
لو أنه اعتذر إلي ودمعت عيناه كما يفعل المحبون مع
حبيباتهم لكنت ازددت تماسكاً وشموخاً، لماذا أحس
بأنني فتاة أخرى غير التي تعودتها، لماذا أكون
غريبة عني، وحاملة لأشكال من الضعف لا حدود لها،
فعندما أصفع أحداً، أصبح متهافتة وضعيفة، وعندما
أحب أصبح ضعيفة، وعندما أذهب إلى موسكو أصبح وحيدة
وضعيفة، وعندما أدخل المدرسة أحس بنفسي وحيدة
وضعيفة.
المكان
الوحيد الذي أحس فيه بالقوة هو البيت ربما لأن
والديّ يحباني، لذلك هما ضعيفان أمامي، وعندما
وصلت إلى هذه النهاية من التحليل والمقارنة، أحست
أن الضعف ليس شيئاً بغيضاً في كل الأحوال، وأنني قد
وقعت في الجانب العظيم منه. في الجانب المؤدي إلى
الحب، وقد اغتبطت لذلك فرفعت الكتب إلى صدري وضغطت،
وقد تندت عيناي من الإحساس بجمال الطريق،
والأشجار.. وحركة الناس والسيارات.
أيام
مرّت وأنا أتجاهل الشاب، وأزداد اهتماماً به وأنا
ذاهبة مشياً إلى المدرسة، لم أحاول استدراجه ليلحق
بي رغم علمي أنه يفعل، وأحس به خلفي. وها أنا أمشي
لأعبر الحديقة الكبيرة الفارغة وحيدة ومضطربة،
كأنما لا يوجد خلفي شاب أعرفه وتنتابه رغبة موجعه
في أن يشدني من ربطة شعري.
في
الأمسيات وعندما أكون وحيدة كانت كفي تستحضر وجه
الشاب كأنما لتعانقه وتعتذر إليه عن الصفعة التي
اقترفتها بحقه ولأن كفي تعرفت إلى وجهه، قبلي، لذلك
كانت حركة أصابعها تزداد نزقاً وعصبية عندما أفكر
به أو أمر قربه، لكأنها تعيش إثماً خاص بها، وتود أن
تقدم اعتذار كافياً إليه لتجعله ينسى.
في
حرب التجاهل وخلال مشوار العودة إلى البيت بعد
الانصراف من المدرسة، كان واقفاً على الرصيف
الثاني مقابل باب المدرسة، انتبهت إليه انتباهاً
خاطفاً وانعطفت لمتابعة الطريق، مررت قرب بائع
الفطائر، كان الدكان خاوياً. والسيارات تعبر بنزق،
والشارع خاو، ولم أكن أعير ذلك انتباهاً، وأنا أقطع
الطريق إلى باب الحديقة العامة، الواسعة والعظيمة،
والتي تشبه مقدمتها وباحتها، حديقة قصر الشتاء،
هذا ماقالته أمي نقلاً على لسان خبير روسي تعرفه.
وقد بدأت بعد هذا الكلام أنتبه لجمال الحديقة وأحس
بها، وقد ازدادت محبتي لها عندما صرت أشعر أن أحداً
يتبعني فيها، الحديقة أيضاً خاوية، لا أدري ما الذي
يحصل في المدينة، يقولون: المعارضة التي تسمي نفسها
أصولية تتحرك وقد قامت بقتل عدد من الناس لاحراج
السلطة. وربما لترك الحديقة بدون بشر، وقد نبهني
والدي إلى ذلك وطلب مني الحذر، لكنني لا أعرف كيف
يمكن للإنسان أن يكون حذراً، كيف يمكنه أن يركض من
باب المدرسة إلى الحافلة دون أن يتلفت، وكيف تنطلق
الحافلة مثل قطة مذعورة دون أن تنتبه للأشجار
والبشر العابرين.
ثم أن
المرور في حديقة فارغة ليس أمراً سيئاً، لكنه يغري
بالمخاوف، هل يخطر ببال الأشجار مثلاً أن تخطف فتاة
وحيدة مثلي وتزرعها في الأرض لتزداد الخضرة في
الحديقة، وهل كانت الأشجار فتيات وحيدات مثلي، تم
اختطافهن بحسن نية وغرسهن. الحديقة الخاوية تغري
بالتفكير والانتباه إلى ضربات الحذاء على الأرض
الإسفلتية الخشنة، وهذا الإصغاء الشديد الذي
أحاوله حتى أحس بالشاب الذي يتبعني ولأعرف هل يزداد
اقتراباً أم ابتعاداً عني.
غادرت
باب الحديقة الثاني، وعبرت شارات المرور باتجاه
رصيف شركة الكهرباء، واجتزت مبنى الشركة إلى
الرصيف الثاني عند جسر سكة الحديد.
لماذا
يتكرر ذكر الأرصفة في الكلام، ربما لأن الرجل وقع
على الرصيف بعيداً.
كنت
أمشي على الرصيف، وعلى بعد عشر خطوات. كان رجل سمين
يمشي بعصبية وعلى وجهه نظارة ثم فجأة وقفت قربه
سيارة نزل منها إثنان واحد أخرج المسدس وأطلق
النار، والثاني كان خلفه يتلفت إلى الجهات، ألا
توجد عشر خطوات أخرى على الأرض تمنع واحدة مثلي من
الإبتعاد عن القتل مسافة كافية تمكنني من تجاهل
الجسد وحركة القتلة والسيارة. ثم انصفقت النوافذ
وفغرت الشوارع أفواهها من الدهشة وفرغت. سوى مني
ومن الجثة التي كانت يد صاحبها تمتد ليس إلى صدره
الذي ثقبته الطلقات ولكن إلى النظارة التي سقطت
عندما وقع بجسده السمين على الأرض، لكن لماذا ترك
دمه وبحث عن نظارته ربما، ربما ليرى الجناة،
فالضحية كما شاهدت في فلم أمريكي مأخوذ عن قصة
يابانية. تظل مشغولة بقاتلها، تريد أن تختزن صورته
ونظراته لسبب واحد حتى تبادله عن بعد الشعور
بالاحترام والتبجيل، والرغبة في المجاورة
والتعايش المشترك. غير أن حماستي في التحليل لم
تعجب والدي فضحك من كلامي بقوة اربكتني وأشعرتني
بأنني الضحية، ودون أن ينتبه والدي إلى قلق عيني،
تابع موضحاً موقفه فقال:
هذه
العلاقة تنفع كثيراً في السياسة ويحرص عليها
الأمريكيون وهم يرغبون بقوة أن يبادلهم ضحاياهم
الاحترام والتعايش، غير أنني انزعجت من والدي
وصرخت في وجهه، ولكن الذي حصل في الفلم يناقض ذلك
تماماً، كان القاتل في الفلم يابانيا وكانت الضحية
انكليزية، وكانا يحبان بعضهما وقد جاءت الأوامر
للياباني فقتل الانكليزي بعد أن بكى من أجله
طويلاً.
-إنهم
يجعلون القتل أمراً جذاباً وضرورياً، ذلك هو الفن
العظيم.
أحسست
بأن والدي ما زال يسخر، ثم أخبرني: لا يوجد بشر لا في
اليابان ولا أمريكا ولا تحت الأرض، يَقْتلون كما
يَقتُلُ هؤلاء، والمحزن في الأمر أن القاتل لا
يحترم ضحيته ولا يكن لها أية مودة وهو مستعد من أجل
ما يحصل من معتقدات أن يكرر القتل ثانية وثالثة
للضحية ذاتها، ثم غامت عيناه، واختنق صوته، الرجل
الذي وقع أمامك صديق لي، وهو دكتور في كلية الطب
واسمه (يوسف اليوسف) ثم صمت طويلاً وقال: لا يوجد شيء
يستحق القتل سوى المعتقدات التي تحض على القتل.
رجفتان
ثلاث رجفات وكما يحصل في السينما تماماً ويد ممدودة
بحثاً عن النظارة وصدر مثقوب، ودم، وفتاة واقفة
ربما على بعد عشر خطوات، وعالم فارغ، وعينان تكادان
تقفزان من محجريهما من الهول والمفاجأة. ثم جاءت
قبضة وقبضت زندي بقوة ودفعتني فاستجابت قدماي
وجسدي وتحركتا رويداً وانحرفتا قليلاً عن الجثة،
وعندما انسدلت كفه إلى كفي بدأنا نركض أسرع من
لهاثنا. وعند منعطف المشفى، تحت الأشجار الكثيفة
الغامقة وقفنا وتبادلنا النظرات، ثم أمسكت بكفه
ووضعتها على نهدي الأيسر، وقلت له انظر إلى قلبي.
-أنت
شديدة الانفعال.
-ليتنا
أخذنا نظارة الرجل.
-هل
تعرفين لون القميص.
-أي
قميص.
-الذي
يرتديه الرجل.
-عندما
حاول أن يسحب يده أمسكت بها بعصبية ووضعتها مرة
ثانية، وقلت:
-سأقع
من شدة الانفعال.
-حاولي
أن.
-ليتني
أقعد على الأرض، ثم أطلقت سراح يده وقعدت.
-ألا
تخافين.
-ما
دام الإنسان يموت هكذا، فمن أي شيء سأخاف.
-وفجأة
أمسك يدي وشدني إلى الأعلى وتابعنا المشي، وكفه
تعبر قرب كفي ولا تمسكها، ربما كان يفكر أيهما الكف
التي صفعته، ترى هل يفعلها وينسى الجثة لينصرف إلى
هذا الأمر.
إنني
وأنا أسير قربه محاولة أن أضبط خطواتي على خطواته،
منتبهة إلى حركة نهديّ، وقد حجب القميص ضوءهما..
أنني وأنا أفعل ذلك توقفت عن التفكير تماماً... فقط
صوت الطلقات كان يحز صدري ويعيدني عنوة إلى الرجل
وحركة أصابعه باتجاه النظارة التي ما كان لها أن
تفعل شيئاً لتنجده به..
لذلك
غامت عيناي بالدنيا.. وبدأت ذقني تهتز بمفردها،
وحتى لا يفضحني النشيج ويظهر ضعفي قربه.. ركضت
سريعاً سريعاً... حتى وصلت البيت والتفت إلى جهته.
وعندما لمحته.خلفي فتحت الباب وأغلقته بقوة...
في
اليوم الذي أمسكت به كف الشاب ووضعتها على نهدي
ليتعرف على إيقاع قلبي... في ذلك اليوم دخل إنسان
سمين عصر الموت الواسع المهيب، دون أن تمكنه
المباغتة والطبيعة من مشاهدة ظلال قاتليه. وفي
الآونة ذاتها دخلت عصر الحب من بابه العجيب المفتوح
على الغرابة والمفاجآت، ربما روح الرجل وقد تسرّب
إليّ من ثقوبه منحني طاقة أن أحب وأركض وأبكي
وأتذكر، وأقعد على الأرض وأرفع نهدايّ إلى السماء
وأنا أتذكر الكف التي تجاوز كفي ولا تلامسها. ربما
لأنني دخلت وحيدة وحيدة، كان ضرورياً أن أحتفي
بوحدتي حتى آخرها... فرؤية الموت دفعتني للمزيد من
الوحدة، والموت والوحدة دفعاني للتخلّص منهما
معاً، ولم يكن هذا ممكناً إلاّ باستنفار الجسد
وملامسة عناصر الحياة والاستجابات فيه.
كثير
من الرجال عبروا ذاكرتي- ممثلون في السينما
والتلفزيون، وسياسيون وأساتذة وزملاء في موسكو،
كثير منهم وفي وضعيات من التلفت والانتباه
والاستثارة، عدا وجهه، وجه فتاي.. غير أنني كنت
محتاجة إلى نفسي وانفعالاتي محتاجة إليهما بقوة.
لذلك تابعت الطريق بدونه حتى تعالت شهقاتي.. ربما
تقصدت أن لا أرغم ذاكرتي على البحث عنه حتى أوفره
للأيام القادمات دون جثث وثقوب ويد ممتدة ورصيف
ليكون معي تاماً مكتملاً وليس مجرد ظل أو خيال،
وربما لأنني أحب فيه أن يكون أكثر من جسد عار وأعضاء
مستجيبة، أحب فيه إضافة إلى جسده، صمته البليد،
وكلامه الجارح، ومخاوف كفه من أن تبادر إلى يدي
فتلمسها، أحب انتباهه إلى عيني وخوفه من تبادل
البرق معهما..
غير
أنني وعندما التفت إليه وانتبهت إلى وجهه عندما كنت
في مواجهة الباب أحسست بأعماقه ومخاوفه تامة
كاملة، كنت أنظر إليه نظرة إعتذار مركّب، فيه صلابة
وفيه إلتماعة حزن ولم يكن ممكناً لي أن أنظر في
الأمور وأحللها بهذا العمق لو لم أفعل ما فعلت
وأتوج نفسي بوحدتي وشهقاتي وبعدها لأضبط إيقاعات
روحي وصدري وأبدأ بعدها التفكير والتأنيث
والتذكير.
هل
الحب مذكر أم مؤنث.
الموت
أيضاً هل هو مذكر أم مؤنث.
والدم...
هل هو مؤنث أم مذكر، ما دام يصيب الجميع.. ويسيل من
الجميع... لماذا خطرت ببالي هذه المقارنات.
فالمرأة
تنزف برهة الحب الأولى.. وبرهة الولادة، والرجال
ماذا يفعلون... أجاب أبي عندما سألته:
-ينزفون
أيضاً، على الأرصفة وفي الأسواق، وفي الأحزاب
والمؤسسات.. ألم تشاهدي الرجل.. وارتطام رأسه
ونظارته البعيدة.. وثقوب صدره.
عندما
فكرت في الرد الذي داهمني به أبي تذكرت أنني عندما
تحدثت إليه عن الرجل، لم أذكر له ارتطام رأسه، فكيف
أعاد بنفسه تصوّر المشهد وتحليله وتركيبه مرّة
ثانية.. يبدو أن رأس الرجل ارتطم على الأرض فعلاً،
وإلا ما كانت نظارته اندفعت بعيدة عنه كل تلك
المسافة، ويبدو أنه أحس بابتعادها عنه فامتد بيده
إلى جهتها دون أن يتمكن من استعادتها.
لقد
انتبهت إلى النظارة، إلى الأثر، ولم أنتبه إلى
الفعل الذي طوّح بها أن رأس الرجل وحده يتذكر ذلك
جيداً.. ورأس أبي أدرك ذلك.. لذلك صرت إذا استعدت
المشهد في ذاكرتي لا أستطيع إلاّ أن أرى الرجل في
ملامح أبي وهيئته. وبدأت أحس بالإرتطام العنيد وقد
أصاب رأس أبي فأشهق من الخوف عليه... وفي مرات وضعت
رأس والدي على صدري وبدأت أتفقده وأتفقد تدرج الشعر
الأبيض وتناسخه في رأسه.. ثم شرحت له الأسباب
والدوافع.. فصار ينصاع لذلك كلما طلبت منه أن أفعل.
-أخاف
عليك، قد يكون رأسك مصاباً دون أن تعرف.
-لو
أنك تعرفين؟.
-ماذا؟
-لا
يوجد فيّ شيء غير مصاب..
لوالدي
صديق في عمر طلابه، تخرّج من الجامعة حديثاً، يكاد
يكون في الثلاثين من عمره، وهو موظف في البنك
العقاري.. ويتابع دراساته العليا في كلية الآداب
ويشرف والدي على (رسالته في النقد الأدبي) وقد استلم
عدداً من مناصب الحد الأدنى في اتحاد الحرفيين، هذا
ما قاله والدي عنه وقد صرّح والدي أنه يحب هذا الشخص
الذي يعتبره تلميذاً وصديقاً بآن واحد، وقد
أثارتني حفاوة والدي بتلميذه وصديقه، فحاولت أن
أنتبه إليه في الفترة ذاتها التي كنت منشغلة فيها
بالشاب وقد انتبهت إلى صديق والدي لأفهم طبيعته لم
يكن وجهه وشعره الجعد يثيران النفور، لكنني وبعد
عدة كلمات ومجاملات ومبالغات صدرت عنه، أحسست
بالامتعاض، وقد صارحت والدي بذلك.
-لماذا
التسرّع في إطلاق الأحكام، والشاب يحترمك، وقد
وعدني بتأمين قرض من المصرف العقاري حتى أعيد تأثيث
غرفة نومك.
-لتذهب
غرفتي إلى الجحيم.. وأقترح أن تنصح صديقك وتلميذك
بأن يضع نظارة على وجهه.
-لماذا.
-لأن
نظراته لا تعجبني.
-وماذا
تفيد النظارات في هذه الحالة.
-لا
أعرف، ربما لا تفيد.
لا
أدري لماذا كنت حادة وقاسية، في الحكم على الشاب...
ربما لأنني كنت أعيش فترة حاسمة وعصيبة.
-ألا
يمكن أن تنتبهي إليه أكثر، إنه يحبك وقد صارحني
بذلك.
يبدو
أن والدي لم ينتبه إلى عينيه أبداً، لذلك أوقعه في
فخ الكلام والمجاملات.
-ما
رأيك، تابع والدي الكلام.
-في أي
شيء.
-في
الانتباه إليه...
-صورة
الرجل الذي ارتطم رأسه على الرصيف تمنعني من
الإنتباه.
-أمر
عجيب أن يصدر عنك هذا الكلام.
-لقد
قرأت كل ما في مكتبتك من كتب بالروسية والعربية
ويحق لي أن أفكر على طريقتي الخاصة.
-ليتك
تعرفينه عن قرب.
-ليتك
تعرفه أنت.
-هل
تعرفين.. خلال الأزمة التي عاشتها المدينة كان يأتي
إلى الجامعة خصيصاً لمرافقتي إلى البيت، كان يقول
لي أخاف عليك منهم... وكان يرافقني ويدخل معي.. ويظل
معي إلى ما بعد الغروب ثم يمضي.. وعندما شرحت لأمك
مواقفه بدأت تحتمل حضوره على مضض رغم أنها في
البداية لم تحتمله على الإطلاق.
-لماذا
لا يكون العكس.
-لم
أفهم.
-ربما
كان يخاف هو أن يذهب وحيداً إلى بيته فحاول أن يقنعك
بأنه يخاف عليك.
-هذا
غير معقول.
بعد
أيام جاء أبي إليّ وقال.. معك حق يخاف على نفسه أكثر
مما يخاف علي، ورغم ذلك ما زلت أحبه.
-أن
تحبه هذا يخصك، أما أن تخطئ في تفسيره فهذا غريب من
رجل مثلك.
-أنت
تبالغين.. ثم أن أكاذيبه ليست مؤذية.. وقد طلب يدك
مني.
-يدي
أنا.
-هل
تعتقدين أنه يمكن أن يطلب يدي أنا أو يد الباب، قال
أبي ممازحاً.
-ربما
قصد أن يطلب يد الباب.. قد يكون البيت قد أعجبه.
-هو
معجب بك أنت...
-معجب
بي.. يا للحظ.
-قلت
له أطلب يدها منها.. وعندما توافق يمكن أن نتحدث في
الأمر.. لكنه أخبرني أنه يخاف منك.
-عندما
يتوقف عن الخوف أخبره بأنني غير موافقة.
رغم
إجادتي الحديث باللغة الروسية، كنت أحس بالرغبة في
مصارحة أبي أكثر من أمي... وكانت أمي تحس بذلك فتزداد
غضباً ومرارة وينعكس ذلك على علاقتها بأبي.
أيام
مرت وأنا ألتقي بالشاب.. تحدثت له فيها عن صديق
والدي.. وطلبه، ليدي وموقفي منه.. وعندما ذكرت له اسم
الشاب انتبه إليّ.. وقال أعرفه عن بعد.. حضرت له بعض
الندوات على مدرج الجامعة، كلامه مثير للانتباه...
كذلك بدايات الكرش المبكر عند حزامه.. يحس من يستمع
إليه بأنه رجل مؤهل لأن يكون ذا شأن...
-والدي
تعرّف إليه في المقهى.. ثم في الجامعة.. ثم حصل
بينهما الحب الكبير بالمناسبة لم تقل لي ما هو
اسمك.
-اسمي
عامر (الصائب)... وأنا طالب في كلية الهندسة في السنة
الأخيرة.
-أنا
فالنتينا بالروسي.. وعلياء بالعربي.. وكنيتنا
(السمني) والدي له اسمان.. عواد اسم الولادة.. وشامل
اسمه الذي اختاره لنفسه وأمي اسمها كاتيا وهي
روسية، وأنا أعيد تقديم الشهادة الثانوية لأدخل في
الجامعة وكان من الواجب أن أكون في السنة الثانية
في كلية الحقوق ولي جرزة شعر وعينان كل واحدة
بلون.
-ولك
صديق اسمه عامر.
-ولكنه
لا يخبرني شيئاً عن نفسه، وأنا وبعد أن وضعت يده على
صدري لا أعرف سوى اسمه.
-هل
تذكرين لون القميص.
-القميص
الذي كنت أرتديه.
-قميص
الرجل الذي
-أنت
واسع الخيال.
-لذلك
سأتحدث عن نفسي وأهلي...
-إنني
أسمع.
والدي
يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم الهندسية، وهو
يُدرّس في الكلية التي أَدُرْسُ فيها، وقد درس
وتابع الاختصاص في ألمانيا الديمقراطية، وعندما
عاد.. تزوج من أمي.. وهي ابنة أسرة هامة في الماضي
ولها أملاك.. والدي لم يكن عضواً في أي تنظيم حزبي..
غير أن والدتي وبعد أن تصاعد المد الديني وتصاعد
الخلاف الزوجي بينها وبين والدي قررت مثلها مثل
طبقتها الاجتماعية الارتداد.. فتحولت من سيدة مجتمع
وصاحبة صالون يجتمع فيه رجالات العلم والسياسة في
المدينة للمناظرة والحوار والتسلية إلى امرأة من
نوع آخر، فارتدت الثياب الرمادية المحتشمة وتوقفت
عن استقبال أحد... وقد أربك هذا الأمر والدي وبخاصة
بعد أن عاصر التحولات الغريبة في البلد.. فكان
ضرورياً أن تنشأ بينهما القطيعة، ولأن البيت الذي
يقطنان، يمتلكانه مناصفة ولأن والدي تابع تحصيله
الدراسي في ألمانيا فقد اختار الحل الألماني
للمشكلة وبنى جداراً قسّم فيه البيت إلى بيتين
ليحول بذلك دون أي اتصال يمكن أن يتحقق مع والدتي..
وبقيت أنا الوحيد الذي أتمتع بسلطات استثنائية لا
يستطيع الجدار أن ينال منها، كنت أستطيع أن أنتقل
عبر البابين بين الشطرين الغربي والشرقي.. وقد
مكنتني حرية الحركة تلك من نقل رغبات ووجهات نظر كل
طرف للطرف الآخر وخاصة أن والدتي قد احتفظت بالمطبخ
كاملاً في القطاع الذي يخصها وعلى ذلك استمرت في
فرض شروطها وتقديم الوجبات من خلال فتحة في الجدار..
وقد اقتنع كل واحد منهما بالطرف الذي يخصه ولم تحصل
أية ارباكات ولا عمليات تسلل سوى تلك التي أقوم بها
بين الطرفين المتنازعين.. لنقل بعض الرغبات ووجهات
النظر...
ورغم
ميول والدتي الغربية فإنها كانت تتسلل في الليل إلى
الجدار وتضربه بقبضتها وتبكي وخدها على حجارته..
مثلها تماماً مثل الألمان الشرقيين... ويخيل إلي
أنها ما زالت تحب والدي رغم كراهيتها الشديدة
لأفكاره ومعتقداته وهي في ليال كثيرة عند آذان
الفجر ترفع كفيها بالضراعة مثل رابعة العدوية
وتبدأ بالدعاء على حلف وارسو والسوفييت دون أن تضع
في اعتبارها أن أُمَكِ واحدة منهن، لذلك فأنا أعتقد
أن حبنا مثل حب روميو وجولييت محفوف بالمخاطر
والمنازعات المحلية والدولية والجدران.
-تقول
حبنا.. إننا لم نزل في مرحلة الصداقة.
-بعد
كل ما كشفت لك من أسرار تقولين صداقة.
-إن
كنت تحب أن تطلق عليها اسماً آخر فلا مانع عندي.
-يا
للمعجزة لقد بدأت تباشير الانفراج الدولي، ثم أمسك
كفي، وذهبنا معاً إلى الحديقة القريبة.. وبحثنا عن
كرسي فارغ.
رواد
الحديقة في غالبيتهم من طلاب الجامعة بأقسامها
المختلفة.. وعلى كل كرسي قعد اثنان، شاب وفتاة..
يرتدون الألبسة الجامعية الموحدة.
-تعرفين
رغم قرب الحديقة من حينا.. لم أكن أنتبه إليها،
كأننا في كرنفال...
-انتبه
إلى الرواد.. هل تعتقد بأن الحب هو الذي أحضرهم إلى
الحديقة.
-لا
يمكنني أن أعرف بسرعة..
-معك
عشر دقائق.
-عشر
دقائق؟
-هل
تعتبر المدة قليلة.
-أبداً..
عشر دقائق تكفي لقيام حرب...
-يا
لخيالك يا أخي.
-الخيال
ضروري.. حتى يتمكن الإنسان من الانتباه إلى النظارة
عندما تسقط بعيداً عن يد الرجل الممدد على الأرض.
-كل
هذه الأسى من أجل سؤال.
-الأسئلة
شيء سهل.. الأجوبة هي المعضلة.
-الزمن
بدأ يتحرك لغير صالحك.. ثم ركزت علياء أنظارها على
الساعة.
-عشر
دقائق دون كلام ودون أن أنتبه إليكِ.
-ودون
أن تنتبه إليّ.
-هل
تقدرين على ذلك.
-هل
تقدر أنت
-هذا
أمر سهل
-أنت
ملعون وضربته على صدره، فوضع يده فوق يدي.. وأعادها
إلى حضني... ونظر إلى الساعة وقال: هل نبدأ.
-نبدأ..
كان وجهي ملتهباً بنار لا أعرف مصدرها وبدأت متابعة
المشهد دون أن أرى شيئاً.
بعد
مدة من الانتظار الطويل.. الطويل.. نظر إلى ساعته
وقال: لقد انتهى الوقت.. وأنا جاهز لإعطاء الجواب.
-لم
تعد عندي رغبة للمتابعة. |