-الوقت ما زال مبكراً على الأحزان.
-لست
حزينة.. لكن الأجوبة توحي بوجود امتحان.. وأنا لا
أرغب في ذلك. ثم مرّت فراشة بيضاء، وتبعتها فراشة
أخرى، وعلى الكرسي المقابل نهضت فتاة محجبة بعصبية
ومضت وبقي صديقها وحيداً، لم يفعل كما فعلت الفراشة
الثانية وهي تتبع الأولى.. ثم مرّ حارس الحديقة..
وذهب إلى صنبور الماء وفتحه... وبدأ الرذاذ يتناثر
من مرشّات خاصة فوق العشب.. وعلى أطراف البحيرة
المدورة وسط الساحة.. ثم انتبهت إلى أصوات العصافير
كانت يدي ما تزال منتظرة في حضني دون حركة.. كأنما
تود.. وكان ينظر إليّ وأنا أتلفت إلى غير جهته، ما
زال الوقت مبكراً على الأحزان، تذكرت كلمته.. وقررت
أنني لست حزينة، غير أن الرجلّ العجوز القاعد
بعيداً.. بعيداً يشبهني، لذلك نهضت.
في
البيت كانت أمي تعد طعام الغداء.. لم يكن للوجبات
التي تحضرها طعم أو رائحة، كثير من الأطعمة الحلبية
التي نأكلها في بيوت المعارف والأصدقاء محذوفة من
برامجنا الغذائية.. الخضار المسلوقة مع اللحوم
المقلية والمايونيز والشوربات المختلفة تشكل معظم
وجباتنا في المساء والصباح، كان بوسع أمي أن تتعلم
صناعة الأطعمة المحلية لكنها لم تكن تريد، فما دامت
تشعر بوجودها منقوصاً في المجتمع كونها ليست منه،
لذلك كانت تريد أن تجعل بيتها روسياً من ألفه إلى
يائه حتى تشعر باكتمال حضورها وشرعيته وربما كان
لها الحق في ذلك غير أنني ووالدي كنا ندفع الثمن
ونأكل الطعام مثل بشر معلقين في الهواء، وقد سعينا
معاً بالاعتماد على الملح والتوابل للالتفاف على
إرادة أمي وتقريب المسافة من خلالهما بين طعامنا
المحلي وطعامها، وكانت تتجه إلينا وتنظر بغضب إلى
صحن والدي وتخطفه من أمامه وتزيل بطرف السكين
الأملاح والتوابل وتعيد قطعة اللحم إليه وهي تقول
بالروسية.
-ذوقكم
ضعيف.
وكنت
أقول لوالدي.. لا تشغل بالك، يبدو أن ماركس ولينين
لم يتحدثا عن التوابل والأملاح ودورهما المؤثر في
صناعة التاريخ.
-وينتبه
والدي.. ودون أن يفهم قصدي يرد علي غاضباً، وما
دخلهما بالملح والتوابل.
هذه
المرة لم أتوقف طويلاً في الصالة، ولم أنتبه إلى
الطعام وطبيعته... مباشرة دخلت إلى غرفتي وأغلقت
الباب.. وألقيت بجسدي على طرف السرير، كنت نزقة
ومتعبة.. كان اللقاء غنياً ومربكاً، فيه تفاصيل
غريبة ولغة خاصة... صحيح أنني نهضت كأنما كنت غاضبة،
لكنني لم أكن كذلك، وقد تبعني ومشى قربي ترى هل
انتبه مثلي إلى الفراشتين وإلى الفتاة المحجبة
الغاضبة.. وإلى العجوز الوحيد.. ربما انتبه أكثر مما
انتبهت، مثلما فعل والدي وانتبه إلى ارتطام رأس
الرجل على بلاط الرصيف.. عندما أستعيد مشهد الفتاة
الغاضبة أتساءل هل كانت تبكي، ربما لمح هو ذلك أكثر
مني.. عندما تنتبه الفتاة إلى فتاة أخرى تبكي، لا
يثيرها ذلك، تشعر نحوها مثلما تشعر نحو فتاة تأكل
أو تقرأ أو تقوم بتنظيف البيت.
يبدو
أن الفتيان يمتلكون مشاعر مختلفة، فيتنبهون أكثر
إلى انفعالات المرأة وتقلبات مشاعرها، لكن لماذا
لم ينتبه إليّ.. لماذا لم يحاول معي.. كان يستطيع أن
يتكلم.. أن يترك يده في حضني.. أن يجيب علي دون أن
أطرح الأسئلة، فبعد عشر دقائق من الصمت والانتباه
لم يقل أحدنا شيئاً، ثم نهضت فجأة.. ومثلما نهضت
فجأة ومضت في رأسي فكرة.. الذي يحب عليه أن يتوقف عن
هذه الأوهام.. لذلك نهضت ثانية وذهبت إلى المائدة
وشاركت بحماسة في تناول الطعام... وقررت رغم قرقعة
الملاعق والصحون.. ورغم صمت والدي ووالدتي.. أن
أنصرف لتحقيق رغباتي، وأن أعطي ما لقيصر لقيصر وآخذ
من قيصر ما هو لي.. التفلسف يقتل الحب.. كنت جائعة..
وكان الطعام في متناول يدي.
رواد
الحديقة وبعد عشر دقائق من التأمل أحست بهم.. لم يكن
يشغلهم الحب.. الجوع هو الذي يشغلهم وعندما أدركت
ذلك توقفت عن الأسئلة.. وتوقف عامر عن الإجابة.. وما
دام الأمر كذلك أي عيب في الجوع.. وما هو الذي يميزه
عن الحب... كل منهما يحمل الآخر إلى ذروته.. كل منهما
يحمل الآخر ليطوّح به.. ثم انتبهت إلى أمي وقلت لها:
كان الطعام لذيذاً..
-دهشت
أمي: لم أسمع منك هذه الكلمة أبداً.
-علياء
معها حق.. طعامك اليوم لذيذ، تابع أبي الكلام
-ماذا
تقصد.. هل كان رديئاً في الأيام السابقة؟
-الذنب
ذنب فاليا لأنها لم تكن تنتبه، أجاب والدي
ممازحاً.
-وأنت
أين كان عقلك، ردت أمي على والدي بعصبية.
-نظرت
في وجهيهما بحزن.. ما داما لا يحسنان الكلام إلى
بعضهما فليصمتا.. فليصمتا تماماً، كلمة واحدة
تكفيهما طوال العمر، أن ينطق الواحد باسم الآخر مرة
واحدة عندما يموت، ليتهما يبنيان جداراً مثل والدي
عامر، عندها سأحس بهما أكثر.. وسأمد لهما لساني من
نافذة الجدار.. حتى أغيظهما. يمكن اقتسام غرفة
المعيشة (الصالون) لتكون ممراً لكل منهما، الحديقة
والمطبخ وغرفة النوم والضيوف لأمي.. المكتبة وغرفتي
لوالدي.. يمكنه أن ينام في المكتبة على الكنبة، وهو
لا يمانع في ذلك، فلقد تعوّد أن ينام عليها عندما
يكون مع أمي في حالة خصام.. ولأنهما في خصومة دائمة،
فقد اعتاد أبي النوم فوق الكنبة، غرفة النوم التي
تخصه يمكن أن نستعملها أنا وهو بالتناوب، ويمكن أن
أنام في غرفة الضيوف في جمهورية أمي المستقلة.. أما
الحمام والتواليت، فلا يمكن أن يكونا في قطاع أمي
لأنها بعد تحرير المطبخ ستحصل عليهما لضرورات
هندسية، يمكن أن يدفع والدي تعويض بدل استخدام..
وسأحاول أن يصلا إلى صيغة تفاهم.. وإذا تشددت أمي
ورفضت قائلة باللغة الروسية (الحمام والتواليت
بالتمام أو الموت الزؤام) فإن ذلك سيدفع والدي إلى
استئجار حاملة طائرات من أحد المعسكرين ليزيح
عليها ضروراته.
مساء
ذلك اليوم وجهت الدعوات إلى اجتماع عاجل في الصالون
نوهت فيها إلى أهمية المسألة وحذّرت من مغبة
الحَرَد والتغيّب، وحددت الساعة التاسعة موعداً
للاجتماع حيث يكون والدي قد عاد من المقهى بعد أن
شبع من الأصدقاء الذين أدمنوا عليه وأدمن عليهم.
وقد
وردتني ردود مشجعة من الطرفين فيها موافقة على حضور
الاجتماع، وحاولت أن أحضّر للاجتماع تحضيراً
كافياً مثلما يحضّر المعنيون لمؤتمر دولي.. فهذا
الاجتماع، ستترتب عليه نتائج هامة، وسترسم حدود
وتزال حدود، وتسلخ مناطق وتضم مناطق وسترتفع جدران
ورايات وربما سينصرف كل طرف لتأليف نشيد وطني يخصه
وسيكون لكل طرف علم يشير إلى بداية استقلاله عن
الطرف الآخر.
بدأت
الاجتماع وفي ذهني أنني أقدم خدمة جلّى للطرفين...
أقوم خلالها بتحرير كل طرف من صاحبه، مستلهمة تجربة
مماثلة اعتقدت أن أصحابها لديهم من الشجاعة ما
دفعهم للقيام بأفعال عظيمة...
بعد
أن طرحت عليهم المشروع وفردت أمامهم المخططات،
الهندسية ووزعت المساحات والممتلكات، وعدت معهما
بالذاكرة إلى خمس سنوات خلت، لم يستطع أي منهما أن
يجعل الآخر يبتسم لمرة واحدة، ونوهت إلى وجود نقطة
ضعف في المشروع من شأنها أن تحكم عليه بالفشل
والخذلان، وأنهما وبعد الاتفاق على المشروع من حيث
المبدأ يحتاجان من أجل الحمام والتواليت لمفاوضات
خاصة يجب أن يتحلى فيها كل طرف بالصبر والجلد
ونظافة المقاصد ونبل الأهداف.
عندما
انتهيت قفز أبي من مكانه وأعلن موافقة غير مشروطة
وأكد أنه مكتف بغرفة المكتبة وأنه غير محتاج
لاستخدام التواليت إلا في العطل الرسمية لأنه
سيدرب نفسه على استخدام تواليت الجامعة صباحاً،
والمقهى مساء، أما الحمام فإن المدينة تعج
بالحمامات العامة وهو من محبذي ارتيادها لأنها
تذكره بالطفولة وأيام الحارات والأصدقاء.
لقد
أذهلت أمي سرعة استجابة والدي وتنازلاته الفادحة،
واكتفائه بشروط الحد الأدنى التي لا يمكن لأحد سواه
أن يقبل بها، وأحست بلؤمه وسوء سريرته وأدركت أنه
كأنما يتنازل عنها هي وليس عن البيت، ثم نظرت في
وجهينا نظرات أفقدتنا بهجة الانتصار وقالت بهدوء
وروية وعيناها ترقصان من الغضب، أمهلوني اسبوعاً
وبعد ذلك سيصلكم قراري، ثم ذهبت إلى غرفتها وأغلقت
الباب.
-لماذا
طلبت أسبوعاً للتفكير؟
-لست
أدري.. أجاب والدي.. من عادتها أنها لا تتسرع في
اتخاذ القرارات،
-هل
تعتقد أنها طلبت هذه المدة لتتمكن من استشارة
السفارة.
-لا
أعتقد.. كان أبي يفهم موقف أمي أكثر مني، لذلك عندما
مازحته بالكلام ظل واجماً.. عند ذلك أدركت أن دعابتي
لم تحقق الأهداف والنوايا الطيبة التي أردتها،
وإنما أذابت طبقات الجليد الكثيفة التي غطت
الحقائق المرّة طويلاً.. وعندما حصل أصيبا معاً
بالفزع. لذلك تذكرت كلام عامر.. أعتى الجدران تلك
التي نرفعها داخلنا وليس حولنا.
-أسبوع
كامل مضى وأمي في غرفة النوم لا تبارحها، وأبي في
المكتبة، يصابان بالفزع عندما يلتقي أحدهما
بالآخر... ويصابان بالفزع عندما يعزل الواحد نفسه عن
الآخر.
لكن
الفزع الذي أصاب أمي أعمق وأشد مرارة، فالأب الكريم
لديه عمله ولقاءاته بالطلاب والطالبات.. وله أصدقاء
المقهى.. أما أمي فليس لها سوى البيت، والعزلة
وخارطة الاتحاد السوفييتي في غرفة النوم هذه
الخارجة التي كانت تتقلص وتضيع.
كان
بناء الجدار مجرد فكرة لكنه ما لبث أن أصبح عالياً
وشامخاً دون حجارة ولا بنائين، وحال الجدار بين أمي
وممارسة أهم هواياتها ألا وهي اضطهاد والدي
والقصاص لنفسها وحياتها منه.
عندما
أخبرت عامر بالنجاح الذي حققته دون قصد في بناء
الجدار ومخاوفي من نتائج ذلك.. أجابني: ليس الذنب
ذنبك.. الجدار كان موجوداً من أيام بعيدة.. يا الله
إنني أتحدث مثل العرافين وحيتان البحر، هكذا صاح
عامر ثم قال:
-إن
رواد الحديقة لم يحضروا بسبب الحب.. وإنما حصْروا
وفي ذهن كل واحد منهم خطة لبناء جدار يليق بصاحبه.
-مثل
هذا الجواب.. يحتاج لعشرة أيام وليس لعشر دقائق.
-تلك
هي المدّة التي يتطلبها بناء الجدار.
ثم
ضحكنا معاً.
لم
أكن أُقدِّر، أن الجدار سيلعب دوراً هاماً في
ذكرياتي... أول قبلة حاولناها أنا وعامر كانت على
سطح بيت عامر قرب جدار، وكان رأسي متروساً إليه
كأنما كنت أحتمي به، كانت القبلة عميقة خفيفة ورغم
ذلك كان الجدار يشاركني هذه القبلة، وقد تقصدت أن
أضغط جانباً من رأسي إليه ليتغلغل سطح الجدار الخشن
إلى المسام البعيدةِ في رأسي وعندما انتهينا أسدلت
رأسي إلى كتفه وأغمضت عيني.
ليست
الجدران كلها متشابهة، جدار للقبلات يخصني، وجدار
للعزلة يخص سواي.
عندما
ذهبت إلى بيت عامر وطرقت الباب خرجت إليّ أمه...
-ماذا
تريدين
-عامر..
موجود
-من
أنت؟
-أنا
فالنتينا، صديقته.
نظرت
إليّ أمه نظرة قوية.. ثم خبطت الباب في وجهي، بعدها
انتقلت إلى الباب الثاني.. وضغطت زر الجرس.. فخرج
إليّ رجل...
-مساء
الخير.
-مساء
الخير.
-عامر
موجود.
-ليته
كان موجوداً
-لماذا.
حتى
لا تعود فتاة جميلة مثلك خائبة، ثم تابع:
-أنت
هي فالنتينا.
-أنا
علياء، وأحياناً فالنتينا.
-قصّر
ابني كثيراً في وصفك...
-شكراً.
-يمكنك
الدخول وانتظاره.
-أنا
مستعجلة..
-سأخبره
بحضورك.
-شكراً
-مع
السلامة.
أيهما
يقف خلف الجدار.. وأيهما يقف أمام الجدار.. الأم أم
الأب. ومن الذي يقف أمام الباب أو خلفه. أنا أم
الزمان.. أم عامر.
الأم
كانت جذابة وهي تخبط الباب، الأسرة كلها كانت ساحرة
وشجاعة.. لم تكن أسرة عاطفية وضعيفة، أسرة بنت
جدارها بنفسها، ولم تحاول أبداً أن تهرب إلى جدران
من صنع أوهامها.
-كثير
من أشجار حديقتنا وغراسها ذبل بسبب الحزن الذي أصاب
أمي والوحشة التي جزءتها، ولم يكن والدي ينتبه
لشيء، لكنني انتبهت إلى أشياء الحديقة وحاولت أن
أمد يد العون للخضرة المستغربة.. وقد دفعني ذلك
للدخول في مرحلة جديدة في حياتي أسميتها مرحلة
الحديقة، فبعد القبلة الأولى والجدار الخشن وكرات
الهباب السوداء الصغيرة وهي تتلاعب على سطح بيت
عامر الواسع بعد هذه القبلة، صرت أجد نفسي أشد خضرة
وطراوة وأكثر حناناً وتفتحاً، حتى خبطة أم عامر
العنيفة للباب بعد استقبالها لي ودهشتها من سؤالي،
لم تجعلني أحس نحوها بالقسوة، لقد تذكرت خلال
الخبطة وبعدها أنني أعيش مرحلة الحديقة وأن الباب
الغاضب قبل أن يكون باباً كان شجرة، حتى عندما خرج
إليّ أبوه أحست رغم صفرته وجفافه أحسست به مباركاً
وأخضر مثل حديقة نسيت خضرتها داخلها، بعد ذلك شعرت
أنه بوسع كل شيء أن يكون جذاباً وضرورياً دون جدار
سوى للقبلات، ثم التمعت في رأسي حركة اليد الممدودة
وجسد الرجل السمين المملوء بالثقوب والدم فارتعدت
من الموت وهوله. لذلك هرعت إلى الحب.. إلى الحب.. وصار
ضرورياً أن التقي بعامر لأصارحه برغباتي.
عندما
التقينا لم نتحدث في شيء، تجولنا في الغروب
والشوارع المتقاطعة... ودون انتباه أمسكت بذراعه
ومشيت.
الكلام
الذي لم أقله فهمه. والكلام الذي لم يقله فهمته
كأنما نقلت أصابعي وذراعه ما لدينا من كلام، ثم
رجعنا معاً إلى سطح بيته الواسع الرحيب.
عندما
يقف الإنسان على السطح.. أي سطح ينتبه إلى السماء،
خلافاً للذي يمشي على الأرض، فإنه ينتبه إلى الأرض،
في السماء كانت النجوم تلتمع وكان القمر قريباً
ومدوراً وشديد البياض.. سطح المنزل الواسع كان مثل
السماء مملوءاً بالليل وبالأغطية البيضاء
المنتشرة على حبال الغسيل في هيئة كرنفال وممرات
وسراديب.
تجولنا
على السطح وفي الممرات التي صنعتها الأغطية
البيضاء على الحبال الممدودة واستندنا على الجدارن
وترسنا رؤوسنا إليها وإزددنا لهاثاً وتعرقاً..
تطاولنا إلى بعضنا حتى تركت حلمتاي بقعتان رطبتان
على صدره.. ثم وبحركة موحدة أمسكنا شرشفاً أبيض
وفرشناه على الأرض وتمددنا عليه. لم أكن منتبهة إلى
يدي ولا إلى يديه.. كانت الألبسة تتراجع والأجساد
تتدافع ربما بتأثير من مغناطيسية المد والجزر التي
يطلقها القمر على البحار والأجساد الظامئة وحبال
الغسيل.. ثم شعرت به قوياً وشاسعاً كأنما لا أستطيع
احتواءه، لذلك أدخلته إليّ لأحتمي به.. ثم لم أستطع
أن أمنع نفسي من الصراخ بسبب ألم مباغت ولذة
عاتيه.
كنت
في حالة انتباه واصغاء شديدين إلى حركة جسده وكان
القمر والنجوم في عيني.. غير أنني لم أنتبه إلا
لدهشة التحوّل التي أعيشها وغرابتها. مع كل حركة
منه كنت أزداد استغراباً وتقلّصاً.. وازداد رغبة في
اختزان الحالة حتى لا تبارحني أبداً، كان مرتبكاً
وعندما ازدادت حركاته انفعالاً وقسوة.. تساءلت عن
السبب.. ولماذا يكون الاستعجال، ثم رأيته ينهض
ويزرر نفسه وألبسته ويتأمل السماء...
عندما
نهضت أسدلت ألبستي وارتديت الجورب والحذاء. ولم
أنسى الشرشف الأبيض الذي مددناه على الأرض، انحنيت
إليه وطويته، ووضعته تحت إبطي وذهبت دون كلام.. بعد
أن شاهدت انصراف عامر العميق للسماء ومتابعته
لحركة الضوء بدهشة كأنما يشاهدها للمرة الأولى..
الرجل يشاهد الأرض عندما يحتوي المرأة.. والمرأة
تشاهد السماء عندما.. عندما تعانق الرجل. والشرشف
يرى الدم.
عندما
سمع صوت نزولي على الدرج استدار إليّ وقال:
-هل
تعرفين يا فلنتينا؟
-أي
شيء؟
-أنت
أعظم رائدة فضاء على الأرض.
-تقصد
على السطح..
-ولماذا
على السطح.
-ربما
لأنني أحمل الشرشف.
-كنت
منذ قليل تحملينني إلى النجوم.
-هل
انتبهت إلى النجوم.
-تبدين
حزينة.. انظري قليلاً.. السماء جميلة هذه الليلة.
-هذه
الليلة لي.. وأحب أن أكملها وحدي...
-ما
دام الشرشف معك.. لن تكوني وحدك..
عندما
دخلت إلى البيت كان الشرشف تحت ابطي وكنت مثل طالبة
محافظة تحمل كتبها.. كان والدي في الصالة ولم يكن
منتبهاً إليّ.. وكانت أمي في غرفة نومها، ذهبت إلى
غرفتي دون كلام، ورغم الإحساس الغامر بالجوع.. لم
أكن قادرة على تذكر الطعام.. ألقيت الشرشف على الأرض
واستلقيت على السرير... وعميقاً عميقاً شعرت بالتعب
وعميقاً عميقاً نمت، بعد ساعات نهضت كأنني في بئر..
نهضت من قلب الليل وأشعلت الضوء وارتميت على الشرشف
الذي أحضرته معي، وفردته وبدأت أتفقده... لامست
البقع الغامضة... ثم نهضت إلى الخزانة وأخرجت المقص
وقصصت الجزء الملوّن.. وطويته ووضعته تحت الفراش..
وعدت إلى السرير.. الدم بداية الحب، ولأن الفتاة هي
التي تنزف فهي لذلك تتذكر أكثر، وتحب أكثر.. ثم صرخت
بعصبية.. لماذا أبحث عن الكلام الذي يجعل مني بطلة..
إذا كانت الفتاة تحب أكثر وتدفع ثمناً أكبر فماذا
يعني ذلك.. هي اختارت ذلك ولم ترغم عليه.. والرجل لم
يلعب دور الجلاد..
ولا
مطلق النار. ولم تكن الفتاة تمد يدها من خلال الدم
لتمسك بالنظارة وتراه... لقد قام عامر بعمل رائع..
رائع يا أمي، رائع يا أبي، ونهضت إلى المرآة وأنا
أصيح والماء الفَرِحُ يملأ عينيّ. ثم استلقيت على
السرير وبدأت أستعيد المشهد ورغم سقف الغرفة تمكنت
من مشاهدة النجوم والتماعة عينيه وحرارة عناقه
ورمانتي كتفيه وهما قرب لهاثي... ثم حملتني الغبطة
إلى المطبخ فذهبت إلى الثلاجة وبدأت بالتهام كل ما
يقع تحت يدي من طعام.
مرات
عديدة تكررت اللقاءات على سطح البيت.. لكن لم تكن
ترافق لقاءاتنا الجديدة سماوات صافية ولا شراشف أو
دهاليز بيض كالتي رافقتنا في المرّة الأولى. وفي
غياب الشراشف ووجود السماء المتجهمة كنا نضطر أن
نفعل ذلك مستعينين بالجدار. لذلك كانت الجدران
المتعارضه تقتحم صمتي واضطرابي. جدار للحب... وجدران
للعزلة والعماء، ولم تكن هذه الوضعية تتيح لأحد منا
مشاهدة السماء لذلك فضلت رغم المحاذير ورغم كثافة
كرات الهباب السوداء على السطح أن أستلقي على الأرض
لأتمكن من مشاهدة النجوم البعيدة والغيوم
المستعجلة.
في
المرات التالية لم أتمكن من أن آخذ أشياء للذكرى
كما فعلت بالشرشف في المرة الأولى، فالجدار لا يمكن
أخذه ولا السطح أيضاً...
وكانت
المناديل الورقية المشعثه تتحرك على السطح مثل
نجوم كئيبة ضالة رطبة تحمل إلى ذرات الهباب مشاريع
أولاد ضيعوا فرصتهم وأضاعوا مداراتهم، وكانت
المحارم الورقية الخالدة تستجيب لحركة الهواء
فتتحرك مندمجة بحبات الهباب الصغيرة فيتحقق
التفاعل وتتغير الألوان من الأبيض الفُلّي إلى
الغامض الرمادي، ورغم ذلك كانت ذرات الهباب ترتسم
على ظهري.. وعلى ظهر القميص.
أنا
أعرف أمي.. وأعرف أنها بدأت تحس بي وبالتحولات التي
تنتابني ولعلها تخمن أنني أعرف صديقاً وربما لا
يزعجها ذلك.. الذي يرعجها اتساخ قمصاني الدائم
وتلوثها بهباب الكربون الأسود واضطرارها بسبب عناد
الهباب أن تقوم بغسل القطعة الملوثة وغليّها عدة
مرات حتى تستعيد رونقها.
بعد
إعلان نتائج الثانوية العامة نجحت بعلامات أهلتني
للانتساب إلى كلية الحقوق بعد أن قرر السيد
الكومبيوتر ذلك، وقد لعب البرد وانشغالي بقراءة
المواد المقررة دوراً في الإقلال من فرص اللقاء
بيني وبين عامر. البرد... نعم البرد... أصبحت اللقاءات
على السطح في أيام البرد غير معقولة. ولم تعد مخلفات
الكربون والهباب الأسود وحدها في الساحة. ثم أن
المتغيرات وعدم توفر المحارم الورقية في الأسواق،
لعبت دوراً كبيراً في تبريد المشاعر، أصبح عامر
ودون أن أعرف لماذا.. قليل الكلام.. يجيب إجابات
مقتضبة على الأسئلة.. ويميل إلى الشرود الطويل.. لا
يسألني عن أحوالي وأسباب انتصاب حلمتي صدري. وأنا
بدوري لم أكن أقدر على كبريائي.. لذلك واجهت البرود
بالبرود والشرود بالشرود.. والصمت الطويل بالصمت
الطويل. وكان من حقي أن أفعل.. فعامر شاب غامض لا
يمكن فهم طبيعته ونوازعه، وهو ينتمي إلى عالمين
منقسمين.. عالم أمه.. وعالم أبيه. ولم يحاول أن يوضح
في صف من هو.. أما إذا كان ينتمي لأمه ومعتقداتها فهو
لا يقر أن تقيم الفتاة أية علاقة قبل الزواج. وعلى
ذلك فهو ينظر إلى من تفعل ذلك على أنها شيء تالف
معطوب، وإذا كان ينتمي لمعتقدات والده فلا بد وأن
يكون أقل تشدداً في الاتهام، ولكنه وبعد أن عاصر
فشل والده فلا بد وأن يكون ضد الزواج أصلاً..
والجدار الذي أقامه والده شاهد على ذلك.
لكنني
وبعد أن خَبِرْت عالم والدي ووالدتي وتعرفت قليلاً
على عامر وعالمه، صار ضرورياً الاكتفاء بمنجزاتي
ودراستي وعدم الانتباه سوى إلى كتاب القانون
الروماني للتأمل فيه وفي طبائع البشر الذين
أنجزوه، وفي رأسي تضج الكثير من الأمثلة، وبخاصة
حلبات المصارعة.. وهياج الناس وإصبع الإمبراطور
التي تمنح الحياة والموت مستجيبة لغرائز الناس
وهياجهم... وفي مرة ثانية مستجيبة لغرائز
الإمبراطور ومزاجه، وممارسة الحب بين الرجل
والمرأة تشبه عملية مصارعة دون جمهور ودون
امبراطورية.. لذلك يخيب إحساس المنتصر بانتصاره..
ويشعر الخاسر أن أحداً لم يلتفت لدمه المهدور.. ذلك
هو الحب.. والأرواح هي التي تدفع الثمن وتغرق بالدم،
أيها الإمبراطور العظيم.
عندما
يقرأ إنسان ما. القانون الروماني والخطابة
الرومانية يصاب بلوثة البلاغة مثلي وينصرف
للمقارنات والأوهام ويصنع من كل شيء نقيضاً لشيء
آخر ويدفع بهما للمعركة حتى يقوم هو ذاته بدور
الإمبراطور رغم أنه في الغالب لا يستأهل دور
الضحية.. بسبب غياب شروط ضرورية هامة.. منها عدم وجود
يد ممدودة ونظارة بعيدة.. وثقوب.
لقد
شدني القانون الروماني.. كأنما هو إنجاز خارق شاركت
الآلهة والبشر في صنعه.. لأن البشر آنذاك كانوا
يشبهون آلهتهم ويرتدون الألبسة ويطلقون لحاهم
ويجتمعون في الأعالي كما يجتمع البشر في السفوح...
تحت قبة المجلس أو (البرلمان) أو تحت العراء. دون
حقوق أو قوانين تستر عوراتهم، لذلك يجدون المبررات
للإنصراف للحب أو للمصارعة.
وها
أنا أشعر بما أمتلكه من طول فارع. وعينين ملونتين
وذكريات عن سطح مملوء بالشراشف البيضاء والهباب
أنه يحق لي الإدعاء بأنني من السلالات العريقة التي
لا يمكن ولا يحق لها أن تنصاع أو تهون.
عندما
تقدمت إلى الامتحان في مادة القانون الروماني خرجت
مزهوة كأنما أنجزت تأليف كتاب وليس مجرد إجابة على
أسئلة.. وعندما أعلنت النتائج فوجئت برسوبي في
المادة نفسها وحملي لها للسنة القادمة.. في تلك
الآونة.. كانت بوادر الحمل تظهر على بطني. وكنت في
حالة تفتقر إلى أي غطاء قانوني.. من أية حقبة من
الحقب التاريخية المعروفة. حتى الرومانية منها.
وكان المجتمع بصفته الهاأو إمبراطور يستعد لأن
ينزل بإبهامه من أجلي.
-عامر
انتبه إلى التحولات التي أصابتني وانتظر مني أن
أصارحه.. لكنني لم أفعل. وعندما أحس بما يداخلني..
صارحني بعد أن شعر بالبروز الضئيل الذي أصاب بطني.
-أنت
حامل..
-نعم.
-كيف
حصل ذلك.
-لا
أعرف.. ربما لأنني قرأت القانون الروماني مرات
عديدة.
-ماذا
تقترحين؟
-لا
شيء، هل تستطيع تغيير القوانين.
-أمر
غريب.
-أبداً...
تنتظر مني أن آتيك لأقول لك تزوجني، حتى لا ينكشف
أمرنا.. وسترد عليّ قائلاً: ظروفي لا تسمح.. وأنا غير
مستعد، وأشياء أخرى لا أعرفها.. ثم أبكي على ركبتيك
وتنتابني الشهقات ربما أكثر مما شهقت وأنا أعد
النجوم، في ليلة الحب الأولى. وبعد ذلك تخبرني أن
الأمر صعب ما دام الجدار موجوداً.
-أبداً..
الأمر يعنيني.
-فماذا
تقترح.
-لا
أعرف.. يجب أن أفكر في الأمر.
-وإذا
كان الزواج هو الحل الوحيد.
-عند
ذلك سأوافق.
-لكنني
غير موافقة، غير موافقة..
-هذا
غير معقول، رد بعصبية.
-معقول
جداً.
-أقنعيني.
-هذا
أمر صعب..
أقصد..
البرد على سطوح بيتكم صار شديداً ولم أعد أحتمل...
-إنني
أتحدث عن الصغير..
-الصغير
لا يحتمل أيضاً... البطن كانت بطني وأستطيع أن
أكشفها متى أريد... والآن أصبحت له.. وما عاد يحتمل
البرد.
-نبحث
عن بيت.
-البرد
موجود في كل البيوت.
-ماذا
تقصدين بالبرد. ما عدت أفهم.
-ألم
تلاحظ الجدار.
-لاحظته..
ثم برقت في أطراف عينيه الحيرة والماء.
عندها
تركته وعدوت.
كثيرة
هي المرات التي حاول عامر فيها أن يلاقيني.. وفي
مرات جاء إلى بيتنا وطرق الباب.. وكنت في حالة
غريبة.. لقد جعلني هذا الشيء الصغير الذي يكبر في
بطني قوية وعنيدة أكثر مما أحتمل. لذلك كانت
تداهمني نوبات من الاعتزاز والقوة، تتلوها نوبات
من التقلصات والوحدة الشديدة. وقد انتبهت والدتي
وانتبه والدي رغم الجدار الهائل الذي يحجب الرؤيا
والمودات.
بعدها
قررت أن أصارحهما بالحقيقة.. وقد سعت والدتي إليّ
لتعرف التفاصيل لكنني رغبت أن أبدأ بوالدي، ودون أن
أقصد أفزعت أمومتها فارتعدت وأجهشت بالعواء
الأمومي العظيم كأنما أحست فجأة أنها لم تعد أماً
وربما غمرها شعور هائل بأنها فقدت ابناً وحيداً
غالياً وليس ابنة طائشة مثلي.
لقد
بدأت أحس بأنني لم أعد جديرة بالحب قبل أن تنتفخ
بطني بالجنين، كنت بحاجة للحب، أما الآن فأنا أصنع
الحب وأمنحه. لقد صرت أماً ولم أعد فتاة وحيدة.
عندما
قعدت قبالة والدي.. سكتنا.. ونحن نتفرس في أشياء لا
تخصنا ولا تعيننا على البدء ثم تابعت النظر إليه..
-لم
يكن معك حق.. كان الأفضل أن تتحدثي إلى أمك قال والدي
معاتباً.
-دراسة
القانون شوشتني فلم أعد أعرف أي حق معي وأي حق ضدي..
هناك شيء واحد أعرفه.. أنني متعبة.
-لاحظت
ذلك.
-إنني
حامل، هل لاحظت ذلك أيضاً.
-حامل..
ماذا تقصدين.
-ارتبطت
مع شاب بعلاقة.. وأنا الآن حامل.
نهض
والدي مستثاراً من مقعده ورفع كفيه إلى السماء
وصاح.. يا رب وكانت مؤلفات ماركس وانجلز ولينين تملأ
رفوف المكتبة.
-الشاب
الذي تورطت معه روسي أم عربي.
-عربي.
-كيف
فعل ذلك ابن الحرام.
-أنا
طلبت منه.
-أنت..
يا للعار. نهض ثانية ثم عاد وقعد، ماذا ستقول عني
العشيرة. والناس والجامعة، وبدأ يضرب كفاً بكف،
ويقول.. الحل الوحيد هو الزواج بأسرع ما يمكن وبأي
شكل.. إذا لم يوافق الشاب نفكر بالتخلص من الجنين.
-لا
الطفل لا. صرخت في وجه أبي.
-ليس
طفلاً، إنه.. إنه، هناك حل آخر.. صديقي.. يمكن أن
يوافق على الزواج منك.. حتى ولو كنت أقصد بعد أن
تورطت.. والولد اللعين يمكن التخلص منه ومداراة
الفضيحة.
-الولد
ليس لعيناً، وانخرطت بالبكاء، كل شيء يمكن اتهامه
وإهانته وإلحاق الأذى به إلا هذا الشيء الذي يخصني
والذي يكبر فيّ.
-لماذا
لا يوافق هذا الابن حرام على الزواج منك لننهي هذه
المشكلة.
-هو
موافق.
-موافق،
فماذا ينتظر إذاً، ليتقدم لخطبتك.
-أنا
غير موافقة على الزواج منه.
-لا
توافقين على الزواج منه، فكيف وافقت على...
-أنت
لم تشاهد يد الرجل الممدودة، ولم تسمع صوت الطلقات،
كان يمكن.. ثم أمسك ذراعي وأخذني بعيداً، وكنت أبكي
وكانت الدموع قد وصلت إلى سرْتي كأنما لتمسح عن
الجنين دهشته.
-ولماذا
لا توافقين؟
-لم
أعد أحب الشاب.
-فلماذا
تورطت معه.
-كنت
أحس نحوه إحساساً مختلفاً. ربما لأنني كنت أحتاج
إلى ولد، لذلك أحببته بشكل مؤقت، وعندما جاء الولد..
والبرد وتكاثف الهباب الأسود وما عادت السماء تلمع
بالنجوم كما كانت قررت أن أحتفظ بالولد.
-أنت
مجنونة.. شيء فاسد، لا عقل له.
-أنتم
تحتاجون للطفل أكثر مني.
-ماذا
تقصدين.
-أنت
وأمي...
وجود
طفل بينكما سيكون مفيداً وسيعيدكما إلى الحب
والمودة، فتهدمان الجدار الملعون ثم إنكما
علمتماني أن الزواج شيء لا يمكن احتماله.. لذلك قررت
انجاب طفل من أجلكما وليس من أجل أي شيء آخر.. ومن
أجلي أيضاً، ليتك تراه وتتعرف إليه.
-إلى
من.
-إلى
الطفل...
-وهل
تعرفينه.
-طبعاً
أعرفه.. أنا أمه.. أراه وهو يتحرك ويرفس على جدار
بطني.. انظر وكشفتُ ثوبي وأمسكت يد والدي ووضعتها
على بطني.. فتلألأت الدموع على أطراف عينيه، ثم قال..
معك حق.. الزواج شيء لا يحتمل.. والأطفال ضروريون غير
أن وجود طفل بدون زواج وبدون أب شيء غير معقول.. نحن
في هذه البلاد.. ولسنا في بلاد الموسكوف.
-أرجوك
لا تذكر لي اسم صديقك مرة ثانية.
-أنا
لم أذكره.
-أحسست
بأنك ستذكر اسمه حتى يخلصك من هذه الورطة.
-صديقي
يحتاج إلى من يوصله إلى البيت ولا يحتاج إلى زوجة..
ثم لماذا..؟.. صاح والدي غاضباً.. لماذا تحاولين
ابعادي عن الموضوع.
عندما
صرخ والدي صرخته تلك في وجهي أحسست به مختلفاً
وشعرت بالظلم الفادح الذي أوقعته بأمي، وبعد قليل
من الانتباه أحسست بالصرخة كأنما لا تتقصد إهانتي
أنا وحدي وإنما تتناول ابني معي، فركضت إلى البيت
وقصفت الباب.
أيها
الوالد العزيز.. يا صاحب الصرخة العشائرية المفزعة،
من أجل هذا الطفل تحملت برودة الجدران والأسطحة
وتحملت سواد الهباب وتجهم السماء، وشعرت بالعالم
كله معي عندما تصالبت إلى عنق عامر وتقاطع خدي
برمانة كتفه الغامضة. وكنت أريد الصغير لأعيد
الحياة إلى عش العناكب الذي تعيشان فيه.. لذلك هرعت
إلى الغرفة، وكشفت عن بطني وبدأت بمناغاة الصغير
وهدهدته والاعتذار منه.
ويا
طفلي.. لا تحزن.. لا تحزن.. خذ كل حاجتك من الأمومة..
فما زلت رغم بطني فتاة طائشة ولها عينان مختلفتان
مع الدنيا.. ولكن هذه الطائشة تحبك كأنما لم تشاهد
في حياتها سواك، ويا طفلي.. لتنزل مني مكتملاً،
ولتلتفت إليّ مَرَةً واحدة وبعدها فلتهرب بعيداً،
فأنا لا أضمن لك طفولة ترضيك، ويا طفلي.. لو أنني
أستطيع.. لمددت لك الإقامة في روحي ونبضي مئتين
وأربعين شهراً حتى تخرج مني شاباً مكتملاً.
ولكنني
ولكنهم
ولكننا
نكاد لا ننتبه لشيء حتى للدم.. ثم أسدلت ثوبي وأغلقت
ساقيّ ونهضت إلى المرآة لأزيل الرطوبة التي غُبشت
عينيّ. |