خرائب الأزمنة - سليمان كامل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس عشر

عيد رأس السنة الشرقية

الطقوس القديمة بقدوم السنة الجديدة وفق التقويم الشرقي، ظلت ماثلة في عين الغار، ومحفورة في صخور التقاليد والعادات، والتمعت قبة الشيخ نجم الريحان بندوف الثلج الأبيض الذي تساقط منذ يومين وأبقى آثاره فوق المنحنيات وبين المقبرة المكللة بسدول ناصعة البياض، وفوق الجسر الكفري. كان شخص غيلان الجعفي، يتأمل أصيل شمس مريضة، ويلاحظ في ذهول، خطوط الثلج التي تطرز الطبيعة بوشاح أسطوري ويسرع الخطا صوب شجيرات البلوط والسنديان في الغابة العتيقة التي تساقطت ثمراتها الكستنائية فوق الأديم الثلجي. التقط بضع دوامات منها، فتح قشرتها مضغ لبها الممزوج بمرارة مستساغة، تداعى في ذاكرته شريط من ماضي مقبور، تذكر أمون الغشيم وهي تمارس الجنس على طريقتها الخاصة، واقتحم حواسه نشيش رائحة لحم في الحارة التحتانية، وشواء ورائحة عرق مثلث حمل إليه مذاق كلكة بني سويلم ويانسونها الثقيل، وتناهت إليه أصداء طبل رجوجي في حارة بني الخصيب، ومواويل وفروقات وتراجيع عتابا وميجانا وإيقاعات رقصات رشيقة في الأفق الشتوي، وأنين شبابات ومزامير، ومراسح دبكة في الجنوب من القرية، غدا يتذكر الأعياد الدينية والأعياد الفصلية، ويقلب روزنامة الزمن، وتوقف عند عيد شتوي كان يحدث طقسه في ذروة الشتاء. وعطَّله قسم من الجرود وغاص في داخله هامساً: (ما أبلدك أيتها الذاكرة، نسيت أجمل عيد. طقسه المتناغم مع روح كانون المتمرد، وقمة الشتاء العاصف، نسيت عيد السنة الشرقية، أقدس الأعياد على قلبي، أيها الفرح الحقيقي في قلب كانون المظلم، والصقيع المثلج، يانداء الرقص، والشواء، والسكر الحلو. والتصافي من الكدر، كم دافعت عنك، لتبقى وتستمر، رغم تعطيل بعضهم لك. كيف غيبتك الليالي من مخيلتي، وكدت لا أميزك. لا تؤاخذني إنها الغربة والنأي، والسجون، وفجاج الجزيرة البعيدة)، أخرجه من دوامة نفسه، وقع خطوات وحركات فوق سيقان شجيرات البلوط التي لم يطمَّها الثلجُ، أصاخ بمسمعيه إلى تلك الخشخشات المتصاعدة من قلب الغابة، فطالعه شخص امرأة تشيل صبياً على ظهرها، وتمسك كيساً بيدها اليسرى، وتلتقط ثمرات البلوط الجوزية، وتجرف الثلج عنها، وتضعها في الكيس ترفع عقيرتها بالغناء بمواويل، وأغنية عليها مسحة القديم:

عالعين شمالك شمالي

 

يا أبو الحطاطه منيَّالِ

علواه يالميت لو تحياي

 

ويعود زماني الأولِ

ارتسمت دوائر من أسى دفين، وتمنيات خضر بالعودة إلى أزمنة غابرة وسمَّر نظراته بالمرأة التي كانت تضع منديلاً منمنماً بخرزات لامعة على رأسها، وتلف خصرها الأهيف بزنار أحمر، يبرز مخلفها المتموج، وقد توقف بنظره عند انحناءاته وتلاقت النظرات وافترَّ ثغرها عن ابتسامة مشرقة، وأنزلت ولدها عن ظهرها، وقالت في استحياء وترحيب:

- ولك هيك دوماً حظي طيب معك، بشوفك في ظل هالغابة من يوم ماشفتني تحت شجرة التين الخضيري، وعم أتمرجح فوق الحشيش الناعم، وجسمي، ياحسرتي، فاير مثل التنور، والله تزوجت بعدين، من عامر الصوان، وهالصبي ابني، واليوم عيد رأس السنة، وبدنا دوامات البلوط، نشويها عالنار، ونسهر مع الجيران والفرحة حتى طلوع الشمس...

اختفت وراء جذوع البلوط الضخمة، تلتقط الثمرات، ويترنح ابنها على ظهرها وتلتمع نمنومات منديلها أمام شعاعات الشمس الغاربة، فوق مسارب الغابة ورؤوس الأشجار العالية. امتدت غبطة كاسحة إلى أعماق غيلان الجعفي، وأحس بميل إلى احتضان العالم، والذوبان فيه، ولم يستقر على تعليل لتلك الغبطة الجارفة فغاص مسائلاً نفسه: (لعلها من طقوس الفرح في هذا العيد الشتوي والمصادفة السعيدة بمجيئه في هذا اليوم، أم لعلها من تمليه أمون الغشيم وهي تفعم الغابة بغنائها المشحون بالحنين واللهفة، أم لعلها الشمس في ذروة غروبها، تنشر بقايا نورها في الأعالي، وتلملمه عن السفوح والوهاد، في إيقاعات متنوعة شديدة اللدونة، تشترك في توالدها وخلقها، الطبيعة المغموسة بالبياض الناصع، والإنساني في أمون وغنائها المتلهف، والزمن في مخاضة الجديد، والشمس في مصرعها الغارب، ورحيلها المدنف عن هذه الأرض الأم الملوعة)..

***

تصالح غيلان الجعفي مع العالم في تلك الآونة، وخفت ذلك التصدع النفسي، وانغسلت كواه الصدئة، أحس بولاده جديدة تنتابه حينما تحلّقَ به والداه وأخته سحاب وخطيبها عنفوان بن بدر الجعفي وانسربت إليه فرحة شبيهة بفرحته القديمة، عندما كان يتعرى في مراهقته ويسبح في دواوير بني سويلم، ويستحم في ضحى ربيعي، وتعبق أزاهير برية في منخريه، ويتنشف بضياء، شمس الأعالي، وتدغدغه مويجات النهر السيلي، كانت أحلام المراهقة وقتئذ نوافير قزحية اللون، تطيِّره إلى جزر الواق الواق، وأخرجته من سبحات أحاسيسه الماضية، يدأمه وطفا تحتضنه في لهفة مجنونة، وهي تكاد لا تصدق مثوله أمامها، وتعتصره في حنو جارف قائلة:

- يابني والله طوّلت هالمرة، سمعنا أنك تزوجت امرأة شامية وهي معلمة مثلك، ونسيتنا، ونسيت عين الغار ومرباك، ومرجة الشيخ نجم الريحان، ولولا حمدو برقروق الآذن في المدرسة اللي بتدرِّس فيها، ماعرفنا عنك إلا الأخبار القليلة...

طفت على سطح ذاكرته، صورة ذلك الآذن، وهو يحاصره في غلاظة. كم مقت تلك الفضولية السمجة التي تتأصل في طبع ابن ضيعته الذي تناقل عنه الرفاق أنه عميل، يكتب تقارير للمخابرات، وينقل إليهم كل تحركات المعلمين في المدرسة وأقوالهم، ومنذ ذلك الحين تحاشاه غيلان الجعفي وحاول أن يبتعد عنه مااستطاع، وعنَّت عليه خاطرة حلوة، فأغرق أصابعه في جدائل أمه، وشدها في رفق، كما كان يفعل في ماضيات أيامه وطفولته الأولى واشتم رائحة أزاهير برية، كانت أمه تقطفها وتشمها، وتدهن شعرها بذوبها المعطر، وتمزجها بخليط الحناء، لتغييب الخصلات الشائبة. شعر بأنه يعود طفلاً تغسله، بالطست النحاسي الذي ورثه والده عن جده الجعفي وأجاب في رحمانية:

-شخوصكم لم تفارقني أبداً، في نزهاتي على ضفاف الخابور، كنت أراك يا أمي، ترفين حولي فراشة ربيعية، وتقدمين مع اللجة الزرقاء، وتأتين مع الشفق الأحمر. وكنت أتلامحك -ياأبي- في هدآت الليل وأغساق الفجر طيفاً شفيفاً عميق التقى، يحملني إلى مغاور النساك، ومعابد الهند النرفانية، وأنت ياسحاب كنت أرمقك، سحابة غربية، تغدقين عليَّ رفارف حلوة من أشذاء غويران الوطا وطعم زهيرات المونس في حضرة الشيخ نجم الريحان....

زغردت الحطوبات وقرم الأشجار اليابسة في الوجاق الريفي، وفار الماء في الإبريق، وانتشرت رائحة نقيع البابونج والبنفسج، في أجواء البيت الطيني، وسرى دفء ناعم، في العروق وتراقص وهج النار فوق ساموك البيت المجدور، وانشالت خيالات طرية لها طعم الطفولة وسحائب الورود المتفتحة التي كان أترابه في غويران الوطا يصنعون منها قلائد وأطواقاً ملونة وأراد عنفوان بن بدر الجعفي خطيب أخته أن يُدِّل بعلمه وثقافته وميوله فساءله في تردد:

- أتنظم الشعربأسلوب الحداثة المعاصرة ؟ يبدو أنك استوعبت مسالك هؤلاء الشعراء المحدثين، ودراستي للحقوق في جامعة دمشق حالت دون نظمي لقصائد من هذا النوع الجديد، الخارج عن أنماط الوزن والقافية.

غلى مرجل الماضي، وانقذف رذاذ أسود من كره لسلالة بدر الجعفي يوم كانوا سماسرة لأغوات العثمانية ومتعالين عن شكاوي المعترين من الجرود، ودعاة مخلصين لحركة التحرير، وسلطة الشيشكلي، وهم الذين كمشوُّه للسلطة لأنه يوزع المناشير ضدها، وحملق في والده معاتباً على هذه الخطبة. أدرك والده ما يدور في ذهن ولده، فأمسك لحيته بيده، ومررها عدة مرات، راجياً أن يكبت جماح ذلك الرذاذ من الممارسات المهينة التي اقترفتها بحقهم أسرة عمه الجعفي والتقط معاني تلك الترجيات التي يومئ إليها والده من طرف خفي، فكبس جرحه بالملح، وأردف قائلاً في أسى:

- لستُ والله بشاعر. ولم أنظم في حياتي بيتاً واحداً، غير أن عتمة السجون والاغتراب في أقاليم الليل والنهار، والإبحار الدبق في الزمان والمكان واعتصارات الهموم، صيّرت مني قيثارة مُرهفة، تعزف عليها أية نأمة من ريح الحياة والإنسان، إيقاعات وصوراً، تلامس ماتسمونه شعراً، وماروعة الشعرإلا في انسجام التجربة الشعورية مع القيم التعبيرية التي يشعها اللفظ والعبارات، ويُموسقها الإيقاع، وتسبح فيها الصور والظلال، ونتصل بنسيج الكون الرحب، ونحس بعمق اللانهاية، في حبة رمل من مشاعرنا، وبعظمة المحيط في ارتعاشة من أحاسيسنا.

- تنحنح الأب إبراهيم الجعفي وقرَّب يديه المعروقتين من الوجاق الريفي الذي تزغرد فيه الحطوبات البليلة، وتأمَّلَ جمرات النار المتوقدة وقال راجياً:

- بالله، دعونا من النقاش الحاد في هذا اليوم السعيد، فالسهرية تنتظرنا عند ابن عمي بدر الجعفي، وستقام وليمة بمناسبة عيد الميلادية، وتنتصب مراسح الدبكة، وتشعل النار الجبلية، وسط المراسح ، وربما يشَرِّفُ المقام سيدنا أحمد الخطيب ليشارك الناس بفرحهم وقد دُعيت الأسر البارزة في هذه الناحية من حدود العثمانية حتى أقصى غويران الوطا لتشارك في هذه الوليمة وذات الشأن والقيمة.

تعالى نشيش الحطب المبلل، وعبقت رائحة الشوح وقرم الريحان في الأنوف، وأخرج عنفوان الجعفي علبة فاخرة تدرج السجائر عندما تلقنُ بالدخان المفروم وورق الشام الرقيق، ولف سيجارتين من دخانه المنقى من حواكيره المشهورة بمذاق دخانها الطيب ذي اللون الشفقي، لأنه كان يسمدها مرتين بزبل الماعز، ويعلق خيوطها بأغصان الصنوبر، وقدَّم أحداها إلى غيلان الجعفي الذي أشعلها بمحراك متقد بطرفه، وراح يمج نفثاتها المتموجة في فضاء البيت، الذي لم يتغير فيه شيء، حتى الساموك السندياني، والمدود المقطوعة من أحراج الشعرا مازالت على حالها، إلا أنَّ حوافيها اسوَّدت، وبان هباب نار قديمة فوق هيكلها الفاحم، والسيباط الطيني لم تتبدل هيئته إلا أنه ازداد ارتفاعاً عما كان عليه، لأن أمه وطفا تطينه كل عام، وتسدُّ الحفر التي تحدث فيه، وتضع بصماتها فوق زوايا الوجاق. عنّت في ذهنه ذكرى أيام قطع المدود وتثبيت الساموك، مع أيوب السارح الذي لم يشاهده منذ زمن بعيد، وأضاف سائلاً:

- أودُّ أن أسألك يا أبي عن إنسان كان لصيقاً بنا كثيراً، ماذا حدث له..

- تعني أيوب السارح...

أومضت عيناه في حنو وقال:

- حقاً إنه الذي أعنيه، ماذا فعلت به الأيام؟

حكَّ الأب مؤخرة رأسه، وسوّى شملته، وأجاب:

- يغيب سنة كاملة في دنيا الله الواسعة، ولا يقرُّ عن المكان الذي يغيب فيه، ولكن تناهى إليَّ سراً من امرأته أنه يتنقل في الصحراء الكبرى، وعبر شعاب المغرب العربي وشواطئه، ويمضي هنا شهوراً، ويغيب من جديد، وقد عَمَّر غرفة واسعة بجانب ضامته المعروفة، وصار له ثلاثة أولاد. والحبل على الجرار، وقد اشترى أرضاً صخرية من أغوات العثمانية، وزرعها بالتفاح والريحان الجوي، وتحسن وضعه المعيشي، وامرأته جميلة بنت سويلم تسكن الغرفة مع أولادها، وبجانب أهلها، ويمدها بالعملة الصعبة، ويصرفها بالليرات ويسألني دوماً عن أخبارك..وهو الآن غائب منذ أكثر من خمسة أشهر، ولن يعود قبل الصيف...

أبرقت في عيني عنفوان الجعفي ملامح الغضب والكره لشخصية أيوب السارح وارتفع صوته في انفعال كأن عقرباً لسعته:

- لا يعجبني تركيب هذه الشخصية، ولا سرحاته الطويلة عبر الأصقاع. لا يستقر في مكان، ولا تضبطه مرابط الزوجية. تصور أنه يغيب عن امرأته سنة كاملة، ولايعاشرها إلا شهوراً قليلة...

تطاير الشرر من عيني غيلان الجعفي، وحاول أن يردَّ في عنف، لكن نظرات أخته الضارعة، وتمسيدات والده على ذقنه بأن يزرعها بها هذه المرة، وملامح أمه المبتهلة أن يلف الحديث، ويطوي بساطه، ورغم ذلك كله، ردَّ عليه في تهذيب:

- معرفتي بأيوب السارح ترجع إلى أيام طفولتي، واستيعاب الآخرين لتلك الشخصية يبدو سطحياً، يكفيه أنه شحن عمره بالتنقلات، وتحدَّى في عري صادق سلطة زمانه وأغنى مساره بالممارسات، وقاتل في كل الجبهات دفاعاً عن الكرامة والقيم العليا، وله طعم منفرد، لا يُنسى أبداً...

رنا عنفوان الجعفي إلى خطيبته سحاب رنوات حانية، وأغوته ملامحها المعبرة التي انعكست عليها توهجات النار، عينان سوداوان فيهما سراج ندي بالتألق، شفتان تشوبهما حمرة لامعة، وجه أسمر حنطي، يمازجه لون خمري فيزيده بهاءً، ركز ناظريه في منقاري نهديها البارزين اللذين لم يعتصر نسغهما الفطري، تشربها كمن يتلمظ إلى شهدة من العسل لم يُتح له لعقها بعد، وهتف:

- ستكون ساحة منزولنا قد امتلأت بالوافدين، وحطوبات سفح الشعرا، وقرمات شجرها، المخبأة لتلك الطقوس، وقد التمعت نيرانها واستطالت أشباح الراقصين في المراسح، وانعجنت رئة الليل برائحة نشيش لحم الخواريف المسمنة، هلموا، هلموا، قبل أن يفوتكم أجمل المشاهد والراقصات....

اختفى وراء حواكير آل الجعفي، لبست وطفا الأم الفستان القديم الذي أهداه إليها الشيخ محمود مبارك ولا تلبسه إلا في المناسبات الخاصة. وتزينت سحاب بالمنديل المخرز ونمنوماته المبرقة، وأحاطت خصرها الأهيف بزنار برتقالي اللون فوق فستان مخملي طويل، أهداه إليها خطيبها، أما الأب فارتدى القمباز الحريري ذا الخطوط الطولانية، واعتمر بالشملة الجديدة، التي اشتراها من سوق البازار في المدينة، ولكن الذي لم يغير شيئاً من لباسه، هو غيلان الجعفي الذي تعود على البساطة، والاهتمام بالمضامين دون السطوح، وفق منهج معلمه فجر الشريف، واكتفى بحلق ذقنه، وترتيب شعره. أسْرَت العائلة ليلاً، عبرت قبة الشيخ نجم الريحان، نشر الأب كمشة من البخور في المجمرة الفخارية، واشتعلت وقدة فيها، وعبقت رائحة صوفية في مخيلة غيلان الجعفي، تسلقه إحساس غامض، بأنه في سفح النبي بِلاّت المهجور، يرعى غنماته في العراء، عند غبشة الفجر، ويسترق السمع إلى خفايا الطبيعة، وهسهسات الحركة في الغابة، لا ستقبال الشروق، والقابلية الشفيفة إلى التحليق تهيمن على حواسه، وتنفتح كواه الداخلية على الذوبان في العالم الرحب. كم كان يتمنى أن يبقى هذا الاحساس طويلاً! غير أن وقع أقدام أخته وأمه، بحذائيهما، ونضوات نعليهماالحديدية.وارتطامهما بصخور الطريق، بددا من لدونة هذا الإحساس المومض. كانت شرارات النار الصاعدة من مراسح الدبكة، تلقي بروقاً مرتعشة على شاشة الليل المبرقع، بتمازج الضياء والعتمة، انصبَّ الجميع في مدارات تلك الميلادية وطقوسها، وكان بدر الجعفي وأولاده من الذكور يستقبلون الوافدين من القرى، ويعينون لهم أماكنهم وفق قيمتهم الاجتماعية وبناته الثلاث، ثناء، ربيعة، ماجدة، يرعين الوافدات من القرى وأهالي الديرة من النساء، تناهى إلى مسمع غيلان الجعفي زمور سيارة آتية من ناحية جسر الكفري وأشعة أضواء تندلق منها، وترسم أشباحاً ليلية فوق منعرجات الحارة التحتانية. توقفت سيارة بيجو طحينية اللون، على مقربة من مكان الفرحة، نزل منها رجلان وامرأة واحدة.

تراكض بدر الجعفي وأولاده لاستقبالهم بعد أن خصصت لهم طاولة في الصدر، مقابل طاولة غيلان الجعفي، الذي شعر بحيرة وارتباك وهو يتأملهم، انفتحت دمامل الماضي المليئة بالصديد، والممارسات الهمجية، والفجائع المهلوسة، جزمة رشيد مبارك مازالت انطباعاتها النفسية في رقبته وفي سويداء روحه، قضبان الرمان تئز في نفسه، وتأكل جسده، مراهقته المشنوقة فوق جذع السنديانة العتيقة، أحلامه المجهضة في يباب غويران، كل هذه الكوابيس قفزت من خرائبها الدبقة، أخرجته من دوامة الماضي إلى حيز الواقع الملموس، شوبشات دبدوب القرباطي، وهو يمسك عشرات الليرات ويصرخ: (شوباش لرشيد بك مبارك، شوباش ليوسف مبارك شوباش لست النسوان خضراء مبارك شوباش لآل مبارك جميعاً) اصطخبت بحيرة الأعماق، التي كانت غافية، ارتجف قلب غيلان الجعفي، حتى كاد ينخسف، حينما رن في أذنه سماع اسمها، تلاقت نظراته بعيني خضراء مبارك، وافتر ثغرها عن ابتسامة ساحرة، سافر بعيداً إلى ينبوع الصنوبر يوم لثم هذا الثعر العذب المورد، ومرر بشفتيه فوق هذين الخدين الأسيلين، واحتضن هذا الخصر الخيزراني، وشنفّ أذنيها بنايه الرعوي، وأحس بامتلاكه للعالم، ضمن لحظات شديدة الالتماع وغاب بعدها في صقيع ظلامي لا حدود له. انسحقت أحلامه، تردَّى في السجون والزنزانات والمنافي، حدث التصدع العميق في ذاته، والخوف من الخوف. حاول أن يستعيد بريق رابعة الشريف وخلواته معها تحت ظلال الخابور، وانصهاره في جسدها المتفتح تحت أنشودة المطر الربيعي، وروح البوادي الشاسعة، تدفعه إلى أحتضان المفاتن البكر لا مرأة محبة، استسلمت لإيقاع الأنشودة في مطاوي برازخها المستجيبة، لأوتار العزف الفطري، غير أن هذا البريق بدا خافتاً حيال لمعان الشفةالمعسولة لدى خضراء مبارك ورنواتها الخضر المليئة بالوعود، المنثالة من مقلتيها، والسمرة الغجرية ذات الغواية المتفردة، كلها أججت حنيناً مجنوناً إلى الاحتراق من جديد فوق مجمرة حب خائب، إذ استيقظت كُوىً كانت مغلقة، وانفتحت أشداق زمن غريب، تصالبت فيه غزارة الحب الأول مع ضراوة الفجائع والنكوص إلى هوات التصدع، كان كلما تشرَّبها بعينيه، ازداد هذا التصالب عنفاً، حاول أن يتهرب من نظراتها الثاقبة لضلوعه، شعر أن برقاً يلتمع في عينيها، ويرجُ أعماقه، وأن حريقاً يحاصره في غاب مقفر، أتربة الزمن وانطباعات الذكريات عليها، انصبت في مخيلته كأصداء، تنبعث من رميم الماضي، عفونة السجون، هينمات ظلال الخابور، ولائم جسد رابعة الشريف زوجته، ونعومته، امتداد السهوب وموحياتها، استغناؤه بالتجارب، كل هذه الانطباعات نسفتها بروق عينيها المرجيتين، واستبان قاع نفسه، كأنَّ فاجعة حبه لها حدثت البارحة. لاحظت الأم وطفا غول تلك النظرات، وخشيت على ابنها من تأثيراتها الساحرة، فهمست في أذنه قائلة:

- ولك ابني كفانا، والله، ماعانينا من عائلة مبارك، خايفة يصير فيك ماصار يوم زواج هالساحرة، شايفي وجهك عما ينطحن وينعصر، والماضي التعيس عما يتزاول أمام عينيك مثل الغولة المتقمصة بصورة صبية فاتنة، برضاي عليك، قوم نبعد من هوني، ونقعد بمكان لا يشوفونا، ولا نشوفهم، ونقضي هالسهرة، والله يمضيها على خير، باين عليك ماشفيت -ياحسرتي- عليك من هالمرض المخفي...

شدَّت الأم ابنها إلى حضنها، خيفة أن يغرق في رنوات موج سندسي، أمسكت بيده، وسحبته إلى طاولة تحت شجرة الجوز المعراة، بعيداً عن شخوص آل مبارك وأجبرت زوجها وابنتها سحاب أن يلحقاها إلى المرفأ الأمين، التقطت خضراء مبارك مغزى هذا التصرف، واعتبرته شيئاً يمسَّ بحضورها، فانحنت على ابن عمها، وبثته بعض الكلمات، فأخرج من محفظته كمشة من الليرات، وتقدم بخطوات متثاقلة، يتيه بشبابه، ويتباهى بأصله، نحو الطبال النَوَرَي، ودفع إليه الكمشة، ارتفعت الشوبشات تشق حجب الليل شوباش لرشيد مبارك، شوباش لخضراء مبارك لست الكل، شوباش لآل مبارك جميعاً ورددت تلك السفوح والجبال، أصداء طلقات من مسدس دولاب كان يحمله يوسف مبارك، وازدادت رجات الطبل شدة، وفاحت دنان الخمر، وألفيات العرق، ولعبت السكرة بالرؤوس، وأزيلت الكلفة بين الجميع، ودبت الحماسة في العروق. وانحطم جدار الحشمة الذي كانت تقيمه الأعراف والتقاليد الاجتماعية وانضم الوافدون إلى المراسح، كما هي العادة في طقوس الميلادية، يرقصون في شبق وجنون، بعد أن طيرت ألفيات العرق، وجرار الخمر المخزونة، وإيقاعات الطبول والغناء المسكون بنجوى الحب والتوجع، من الكبت والخجل، وتفجرت الشهوات والخيالات المكبوتة تحت ستار التابو والمحرمات، وانهدمت صروح الطبقية وتساوى الجميع، أمام هذا الانصهار الطقسي المقدس، اندفع رشيد مبارك إلى مقدمة المرسح، أمسك المنديل الأحمر، ولوّح به، وكمش يد ثناء بنت بدر الجعفي ذات الخصر الأهيف المشهورة بجمالها ونعومة بشرتها واقتادها إلى المقدمة، وتبعه صهره يوسف مبارك واقتاد سحاب ابنة عمها إلى حلبة الرقص التي انشالت إليها خضراء مبارك وأومأت إلى غيلان الجعفي أن يمسك بيدها في المرسح، وتهادى الحفل في دوامات الرقص، وتمايلت خصور الصبايا مع إيقاعات المزامير ورجات الطبول، وفروقات لياليا وعلى دلعونا وأم الزلف. أحس غيلان الجعفي بمعانقة كفه ليد خضراء مبارك أن بروقاً شديدة الحلاوة والارتعاش، تسري في جسده، وأن ملامسته أثناء اهتزاز الرقص لاستدارة عجيزتها النافرة، وملاصقته لوجهها، وغوصه من قرب في مروج عينيها، وقد تندّت بحمى النشوة، هذه المشخصات الشفيفة كانت فوق مايتصور، وأن الأحلام المزهرة التي بلورها في مخيلته عن طيفها، عبر تلك السنين، غدت تلامس الواقع، أدرك أن مراقصته ليست جنية لا يمكن أن تلمس بل أن عرقها وطعم إبطيها، وزفراتها المتصاعدة، ورائحة أشيائها الناشزة التي كانت حواسه تتشربَّها، أرست في نفسه، وثقبت تلك الرؤى الأسطورية التي كان يسكبها عليها وتبلورها المخيلة بجسد نوراني، وأنه لو غاص مرة واحدة بعريها، وتملى تضاريسها الجسدية، لانفنت تلك الكريستالية المضيئة التي يضفيها عليها، وانهتك العري المهين للنوع الآخر، وأوصافه المكرورة، استنتجت الأم وطفا بغريزتها، أن شفاء ابنها من وله حبه الذي كاد يدمره، يكمن في تفحصه جسد خضراء عن قرب، وملامسته أعضاءها وتحسسه نهديها، وردفيها النافرين، وتشممه عرقها الزنخ، لهذا اندرجت في المرسح، تمسك بيسراها يد ابنتها سحاب وبيمناها يد خضراء وتترك المجال لابنها أن يتحسس مفاتن مولهته، وتدفعها عمداً صوبه أثناء ترنحات الراقصين الذين كانوا يظهرون حول النار الملتهبة، بظلالهم الطولانية المشبوحة، كأنهم أسراب الجنيات في الغابات المهجورة التي تتحدث عنها الحكايا الشعبية. كان كلما دار المرسح دورة واحدة شعر غيلان الجعفي أن طوقاً من حبل السحر، راح ينحل وأن جرحاً قديماً في قلبه، ومخيلته، غدت هوتاه الفاغرتان تقتربان من بعضهما، وأن غبطة مريض، انتابه صحو الشفاء من مرضه العضال الخفي، انسابت في كيانه، وأن ساحرته كانت تسترخص مفاتنها له، إما نتيجة أن اختلاط الخمور والويسكي، غيَّب وعيها، أو أن غايتها كانت إثارة حبه لها، وتهييج ما أطفأته الأيام في أعماقه، كانت نار الحطوبات تخفت، وتعم الغبشة المراسح، ويتسلل بيديه إلى أشيائها، ويمرر بشفتيه فوق ضاحي وجهها، ويشتم رائحتها الخاصة، ليقابل ذلك مع انسياباته الشعورية يوم لقائه بها عند ينبوع الصنوبر. عصفت به أحاسيس مغايرة، إن الأشياء التي نتوله بها، واللقاءات المتفردة بمن نحب، تفقد توهجها، حينما نراها مبذولة لنا، فروعة الاختلاء بالمرأة أول مرة، وتقبيله لها، لا تنبع من مفاتن جسدها، بل إن الحرمان من لقائها، وانسداد المنافذ في الوصول إليها، وإحباطات النفس وراء تخوم المحال في احتضانها، وانطباعات الأمكنة ورومانسيتها، كما حدث في لقائه الوحيد معها، كل هذه التراكيب التي بلورتها الخيالات عن خضراء مبارك تتساقط اليوم، نقاباً إثر نقاب، مع ملامسته لجسدها، وانتقامه من سحر هذا الجسد الذي كاد يودي به في مرحلة من حياته إلى مهاوي الجنون، كانت إمارات الانتصار تمسحه بهالة من الشموخ، والتتويج بإكليل من الغار، بعدما تفحص عن قرب تلك المفاتن التي كانت تهلوسه، مسد بيديه على ماكان مستعصياً لمسه والدنو منه حتى في المنام، أدرك أن تلك الفقاعات الملونة التي طفت فوق بحيرة أيامه صارت تنبعج رويداً رويداً، لمَّا لا مسها بإصبعه، وثقبها بملامسته الحسية لها، كان يكرع من قنينة العرق التي في جيبه، وتغرقه غبطة طيرانية، يشعر في انسيابها بأنه استحال فراشة شديدة الرشاقة، تسبح فوق مروج الربيع في منحنيات الشعرا، وأن جسمه الكثيف يفقد وزنه، وأن نفق الزمن المظلم، يتكشف عن آماد رحبة الاتساع، وأن مامرَّ من الماضي لا يعادل إشراقة من تلك اللحظات.. أمواه العالم المغرقة في العذوبة، والصفاء، تنصب في شرايينه، فزَّاعات الدروب التي أرعبته تختبئ في أوجارها، ضحكات الصوت الخفي من ورائه، تهرب، الصدوع السرية، تملكه إحساس بكر بالقوة، وأنه قادر على أن يقتلع تلك الجوزة التي كانت طاولتهم تركن تحتها. تعجب من هذا الانصهار الرحماني، وهذا الصفاء الذي يتلبَّسه وهو بالقرب من مولهته التي أشار إليها زوجها أن ترجع إلى مكانها المرموق، سحبت يدها بلا وداع، وهي تجرجر ذيولها. انفضَّ المرسح، بعد أن تسرب التعب إلى الراقصين، انتبذت أسرة إبراهيم الجعفي مكانها تحت الشجرة، وأسرف غيلان الجعفي في كرع الكؤوس، وانسحب بمشاعره خارج الحفل لتمثل ذلك المخاض الغريب، والنوبات الشعورية الجديدة، ولاذ بصمت مغتبط كمن امتلك جسد امرأة، كان منيعاً عليه. لم تطق طبيعة كانون القاسية امتداد تلك الفرحة في الجانب الإنساني، فاحتدمت عناصره، وانقلبت هدآته، هبت الريح الغربية من الشاطئ البحري وحملت روح المطر بين سحائبها الكثيفة، وغلفت السماء الزرقاء القديمة بستارين، ستار الليل الذي انقضى أكثر من نصفه، وستار حبائل المطر التي راحت تغزلها الريح، وتسفُّها في الأودية وفوق حنايا السفوح الجبلية. خبت النار التي كانت مشتعلة، وفضت مراسم الدبكة، وتلاشت الفرحة المسكرة، وعاد الناس إلى قراهم وبيوتهم، يتخبطون في مفاوز الليل الكانوني كأن شيئاً لم يحدث من قبل. عاد غيلان الجعفي إلى بيته مع أسرته، وقد امتلأ بمشاعر رحبة، وأن الصدوع التي مزقته طويلاً، خفتت حدتها، وأن بركان الحنين المهووس إلى جسد امرأة ساحرة قد فقد بريقه اللامع. وقفت أمه عند حدود المقبرة، وهمست في أذنه قائلة: (وحق هالولي لو فليت جسدها تحت ضوء الشمس وعريتها من ورقة التوت وغمدت قرنك بين طياتها، وشميت رائحة الزنخ للنوع الواحد المكرور، ماصار فيك هالفصل المجنون، الزواج يا ابني مقبرة الحب، والتوهم أكبر من الواقع، والغريزة قاتلها الله مابترحم).. شد على يد أمه في حنو وامتنان، وأغنية المطر تصدى في كهوف الليل، وأردف قائلاً:

- أحس -ياأمي- بأن الدملة التي كانت ممتلئة بالقيح القديم، قد انفقأ بعضها وأن الصدوع التي كانت شاقولية بلون الهاوية السحيقة، قد خفَّ انحدارها. ولكن لا أدري ماذا يخبئه المستقبل من تغييرات في قشرتي الروحية، وما ترسمه زلازل الزمن الآتي من تبدلات وحرائق، ومحاصرات في غابة الحياة، واجترار انطباعات مأساوية ترسبت في خرائب نفسي الشديدة التحول، والتبدل....

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244