خرائب الأزمنة - سليمان كامل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

وصلة تاريخية

صراع على السلطة، مسح مسار الستينات، تقلبات حادة كمساقط جرف شاقولي، زحفت إلى إنسان ذلك الزمن، أسف مقهور على صرح دولة الوحدة، اعتمل في وجدان الجماهير العربية، واستحال حركة دائبة لإعادتها، صار الانفصال خشبة عائمة وسط موج من الغضب والسخط، تتلاعب بها التيارات العاصفة، اغتنم الحزب الثوري تلك المرحلة المترنحة لملم شتاته، أعاد تنظيم قواه، برز حرق المراحل في المخيلات، استعاد لدونة نضاله مع القوى الوحدوية الأخرى، تسارعت الأحداث في دوّامة نهر الحياة الصاخب، انتشت البذور التي انغرست في تربة الجماهير، تقوقع الانفصال في سراديب ضيقة، محاولاً لجم تلك التيارات الوحدوية، ولكن عبثاً، غدت الصيرورة تحفر في أقصى صخور القطرية، متغيرات، والانفتاح على آفاق أكثر رحابة واتساعاً، ومع معزوفة الربيع، وتباشيره، أثمرت نضالات الثوار، وتفتحت الأجنة التي غرسها المناضلون، وسكبوا دماءهم وتضحياتهم في أرومتها التي أينعت، وأمسك الحزب الثوري دفة السفينة وسط أعتى الأمواج والتكلسات الاجتماعية المتحجرة. وكان العراك ضارياً والمعوقات التي أفرزتها عصور الانحدار والظلامية التاريخية، عاتية وعنيفة. وشهدت تلك المرحلة، مآثر نضالية، ومواقف شامخة، قلَّ نظيرها في تاريخ الثورات، ووفق معطيات قوانين الجدل تسرب الصراع على السلطة، إلى بنية الحزب التنظيمية، والنظرية، وانشطر إلى أجنحة بين يمين ووسط ويسار، وطغت الهزيمة الحزيرانية، على جميع الأحداث وانصعق الوجدان القومي من هول تأثيراتها، وترسبت في العمق مشاعر الاحباط والغربة والنفي، وقفزت الاتهامات من أوجار الخيبة، محاولة إيجاد التسويغ والتحليل لما فجع به العرب من ارتكاس إلى الخلف، والردة إلى خرائب عقد النقص المعتمة، حتى نفذت هذه الأحاسيس الهمجية والإحباط الرمادي إلى المرهفين قومياً. ووقعت الهزيمة، كالصاعقة في صميم فجر الشريف، وانسحق جسده أمام تلك الفواجع التي أصابت الإنسان العربي، ولم يقدر أن يحتمل برجله المعطلة، وأعصابه المنهكة الانهدامات غير المتوقعة، فآثر الرحيل عن هذا العالم، ومات مسكوناً بالأسى والخيبة، ودفن في مقبرة ثاوية في جبل قاسيون. وانتقل غيلان الجعفي مع زوجته إلى المدينة الساحلية، واشترى حديقة صغيرة على مقربة من البحر، بنى فيها قبواً، واستلم مهمة نضالية. كان صلباً في مواقفه كصخور جبال الشعرا التي أنبتته، لم يشم بروق الأحداث ووجهاتها، ولم يستوعب مقولة التاريخ، إن الثورات كالقطط تأكل أبناءها، وأن الصيرورة في قوانين الجدلية، تمسح الناس والأشياء، وإن من طبيعة المسارات السياسية، المرونة، واتخاذ المواقف المناسبة لحركة التاريخ، فتصدى في كل عري، للمتغيرات الجديدة، وراح يجذف بمركبه الممزق الشراع عكس التيار، فانطرح في عتمة السجون مع عمران البلوي، وهرب صهره نبيل السواحلي إلى شمال أفريقيا، ليقضي أيامه في التعليم، متنقلاً بين مدنها وواحاتها. واستقر الدكتور الأخضر العربي في باريس، ينفخ في الرماد، ويتعكز على ماضيه، ويترصد الأحداث. وهبط غيلان الجعفي إلى الزنزانات المقيتة، بعد أن وقع في أحبولة لا فكاك منها في الواقع المنظور، تاركاً عين الغار وأطلال ذكريات محفورة في شعاب الشعرا وهسهسات ينبوع الصنوبر، والأنساق الشاعرية، ووالده الشيخ الذي أخنى عليه الزمن، وأمه المفجوعة بغيابه، ومخلفاً وراءه زوجته رابعة الشريف وحيدة على شط الأيام في ذلك القبو مع ابنه ناصر تنوشها الغربة والحاجة، وتحوم حولها الذئاب لتغتصب طهارتها، وتحرك أحلام العودة، مصلوبة في الخواء، والقفر، لا يلتمع في مسالكها أي شعاع يخبرها متى يرجع زوجها إليها ومتى ينقشع الليل السحيق في ظلمته، بعد أن فقدت أخاها وزوجها ومرفأها وأضحت قشة عائمة تتلاعب بها أمواج الحياة وتسفها الأقدار إلى مصير مجهول، وهوات صفر فاغرة الأشداق والمفاوز.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244