|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:30 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الواحد والعشرون الحوار مع الأرض انكبَّ غيلان الجعفي على الحوار مع الأرض، نفذت إليه حكمة ناضجة: إن الحوار معها أجدى، وإنها تمنحه من ترابها التعامل الصادق، والعطاء المقابل، بزغ هذا التعامل معها، بتعزيل الحواكير كلها من الحجارة، وبناء /السناسل/ الحجرية لحفظها من الجرف والسيول، وابتدأ يغرسها بفسائل التفاح والكرز، وحفر بئراً ارتوازية، بجانب المقبرة، وتدفق الماء من قعرها، ووضع "خابية" على عتبة قبة الشيخ نجم الريحان وأملأها ماءً، ليشرب الزوّار الذين يفدون من القرى؛ ليقدموا القرابين والنذور على اسمه. واشترى سيارة سوزوكي صغيرة، بثمن بيته الذي باعه في المدينة، وانبرى ينقل نتاج الأرض والخضروات من قرى الجرود إلى أسواق /العثمانية/التركية، ويمد جسوراً مع أهاليها، ويبني الثقة التي زعزعتها تجاوزات حديثي النعمة في مناطق الجرود، وتشفيطات سياراتهم الفخمة، وممارسات المراهقين منهم. اكتشف في أحد تنقلاته الجنوبية، استراحة رائعة الإطلالة، تغفو على المنحنى المؤدي إلى غويران الوطا. على مقربة من نبع الصنوبر. أوقف سيارته، حملق في المكان الذي كادت معالمه تندثر، أوغل بعيداً في مرتسماته، اشتم رائحة النعناع البري بين فجواته، تراكضت الأيام في ذاكرته، راح ينبش الماضي يتقرى غيابة جُبِّهِ، شخصت من رماد السنين صورة خضراء مبارك بوشاحها البنفسجي، لما كان العالم انسيابات حلوة تجري في عروقه، والمراهقة نزوعاً ملتهباً لاحتضانه، وامتداداً بريئاً إلى الإبحار صوب المستحيل، يومئذ كان يرعى غنماته في غابة الصنوبر، وينفخ بنايه القصبي، فيفجر رؤىً بعيدة وحنواً ناعماً إلى الانصهار في حضن دافىء، وروح الخريف توقد تنانير من المشاعر الغامضة، والتصالب العنيف بين الموت والحياة. وقتئذ داهمته ابنة مبارك حمامة أُنسية وادعة، شعَّت عيناها الخضراوان بألق عجيب، تهدلت شفتاها بكرز الجبال، تكوَّز نهداها المراهقان بلهيب الاعتصار، فار تنورها وانساب ظلالاً لامعة، ورحيقاً مُعتقاً فوق شفتيها، حينئذ قادته إلى جفنة الغار، سقته من دنها خمراً غريباً، أطعمته ثمرات مدهشة العذوبة، فتّقت فيه براعم كانت مغمضة، أبحرت به إلى جزائر جنيات العرائس في ملاحم الإلياذة والأوديسة وأساطير بحار الشمال، تركت في بحيرة أعماقه مغاور سحيقة من الحنين والشوق إلى أعشاب ذلك الزمن. استفاق من رؤاه وأحلامه النائية، صعد إلى بوّابة العالم الخارجي وملامسته الحاضرة، فطالعته دموعه، وهي تسّح على وجهه، بكاء أخرس بطعم الرحيل المدنف، والإيغال في خرائب أزمنة لا تعود إلاَّ بومضاتٍ المخيلة. سمع قهقهات من خلفه، وصوت الشبح الخفي، يدنو منه، هامساً في الصميم: "ستظل تبكي في القفر، تندب أطلال الذين غادروك، وأبقوا قرع أجراسهم في عنقك، ستبقى مصلوباً على الطاحونة الوثنية، حتى نهاية عمرك، كيف تفر من قدرك الذي يحاصرك؟. عتمات الزنزانات التي أناخت بكل وحشيتها وغربتها، في شرايينك، الآخرون الذين كدَّروا نبعك، عرّوا امرأتك أثناء غيابك، وغاصوا في رحمها. البؤس الذي حفر أوجاره في مخيلتك، نعال الأوغاد داست رقبتك في غياهبَ سُودِ بلا نجوم، ورموك في الفيافي تلهث وراء اللقمة، كيف تهرب من حظك التعيس؟!، يا مثيلي". تسلق غيلان الجعفي ببصره إطلالة الاستراحة، انتابه الخوف القديم من الصدوع، درج بسيارته الصغيرة، صوب الاستراحة الأنيقة. صعد الدرج الحجري، جلس على كرسي من الخيزران، عبقت في أنفه رائحة القهوة التي يشغف بها، وبنكهة حب الهال الممزوج بنقيعها. لفَّ سيجارته من العلبة التي ورثها عن والده، ولا زالت حروف اسمه الأولى مطبوعة فوق طبقتها العليا، أشعل السيجارة، مجَّها في لهفة، نبقت أبخرتها من أنفه. دنت منه امرأة، ذات ردفين متموجين، كالبطات المسمنة، حملق في تضاريس وجهها، تداعت إليه أشياء مرت في ماضيه، رجع إلى نفسه يسألها في خفوت: (يا إلهي! ليست صاحبة هذا الوجه غريبة عني، أكاد أعرفها ولا أتيقن، تباً لك أيها الذاكرة! كم صرت تخونينني، يظهر أنني هرمتُ). عاود سبره لملامحها، شدَّ شعر ذقنه الذي خالطه الشيب، التمعت في قرار غيلان ذكريات كانت منسية، تذكر الرابع من نيسان، دقات الطبول في أصباح الربيع الوليد، سباق الخيل في ساحات المزار العالي، يوسف مبارك ينال قصبة السبق. خضراء مبارك في زهوة شبابها تمسك بزمام حصانه ( عبيَّان) وتقدم له باقة من ورد بري، يومئذ لسعه ثعبان الغيرة، انتابته أحاسيس الدونية، هرب إلى نبع الوادي، يجتر آلامه بعيداً عن الضجيج، وها هي ذي صاحبة الوجه، الماثل أمامه، تنبق من الماضي صورتها، وقد تعرى فخذاها، ومدَّ شاب عسكري يده إليها يداعبها، وقرب فمه من حلمتي نهديها النافرتين، وغدا يمتص منهما رحيقهما المتفتح في إغماضة الغريزة. بعد أن استرخت أعصابهما، عن صدى تأوهات، وتنهيدات، ورعشات مسكونة بالشهوة، تذكر اشتهاء بنت هلوك الغاوية التي شردت مع عسكري لا رتبة له، وترجته أن لا يخبر أهلها بذلك الفصل الداعر، إلا بعد المساء. قطعت سلسلة تداعياته بقولها: - شو بتريد تشرب؟ - فنجاناً من القهوة المرة. من فضلك. - وجهك ما هو غريب عني. وين شفتك؟ - أوه! هل نسيت عيد الرابع من نيسان، وفصلك العاري، يوم حفظت سرك عن أمك حتى المساء. اعتراها خجل مقيت، احمرَّ خداها، عضَّت بأسنانها على شفتيها وقالت: - ولك أنت ابن إبراهيم الجعفي، وأمك وطفا. أومأ برأسه، إلى الأسفل بالإيجاب، صرخت مندهشة: - أمي. أمي. تعالي شوفي من ها الشخص. خرجت امرأة طاعنة في السن، من الباب، ترتدي تنورة شفقية اللون، وقميصاً أصفر فاقعاً، وتنتعل حذاءً فاخراً، وقد صبغت شفتيها ووجهها بحمرة قانية، ومسكرت أهدابها، وكحلت عينيها، وقصَّت شعرها الذي كان يسترسل في جدائل وضفائر أربع، وربطته بشكل ذيل حصان، واستبانت عجيزتها المكوزة كما كانت في سابقات أيامها. وبدت عليها إمارات النعيم والرفاهية. كانت سلاسل ذهبية شديدة الأناقة تطوق جيدها، وأقراط زنجية، غالية الثمن، تهتز في أذنيها، وكانت سيجارة مارلبورو تحترق بين أصابعها. صافحته بحرارة حميمية، شدَّت على يده، ومرت بكفها فوق شعره الذي خالطه الشيب، وأردفت قائلة: - حسرتي عليك! شايفتك هرمان قبل الأوان، وجهك مغضن مثل قشرة التفاح الدبلانه. وشعرك الجميل اللي كنت تفتن فيه النسوان، أكله الشيب والصلع، ما بقي فيك من الحر الماضي غير عينيك، سمعت بموت والدك، ورحتُ للعزا، وما شفتك، والحمد لله صرنا أغنياء، وخلعنا ثوب الفقر. صهري نعيم المرزوقي ابن ها الزمن، تاجر بكل شيء حتى المخدرات والتهريب من تركيا ولبنان، وحالتو اليوم فوق الريح، واشترى أراضي في غويران الوطا وبنى ها الأستراحة الي شايفها الآن. جلست قبالته، تَمّلاها عن كثب، تلامح في عينيها بريق الشهوة القديم. تذكر حكايتها مع الضابط الفرنسي يوم عراها حتى من ورقة التوت، ومسّد عجيزتها المترجرجة، وأراد أن يمتطيها من الخلف، فتمنعت عن هذا الطقس الجنسي الشاذ، وهربت من العلية. كان كلما تفرس في ملامحها، تداعت له صور غافية في أتربة السنين، لاحظتْ نظراته الساهمة، سحقت سيجارتها في النفاضة الزجاجية الزرقاء، وزعقت: - ولك غيلان شايفتك عما تفليني، وتنغل في جسدي، سمعت أنك طوّلت في الحبس، ومضيت زهوة شبابك بين قضبانو الحديدية، ولك شو بدك من ها السياسة، وقلة العقل، تركت أمك وطفا الأرملة وحيدة تجابه المصايب، ويلي عليها كم قاست في غيابك وبعد موت والدك. وحق ها الشيخ إسماعيل لولا بنتها رباب لشاع فيها الذكر، وسارت على حروف الدروب، تشحذ بلا معين. لكن الله مابيقطع بأحد، بيرزق الدود في قلب الجلمود. وبدّي حضّر لك فنجان قهوة ماصاير متله في هالديرة. نهضت من مكانها كظبية نافرة، لم يضع الدهر عليها بصماته القاسية، غابت خلف الباب، حدَّق غيلان الجعفي في عمق ذاته، يسوطها بتأملات حزينة، قهقه الصوت الخفي من ورائه، وهمس في داخله: (هل تساءلت عن علة الإخفاق في حياتك، لماذا يسير الأغبياء، والجاهلون، إلى الأمام، وتحسن أوضاعهم، وأنت تسقط في المأساة العريضة، أبحرت في دنيا العلم، وأمضيت ميعة شبابك في الكوابيس والفجائع، ولم تقبض إلا على الخواء. وشققت الصخور الصلبة وكوَّنت أسباب النماء والنهوض في أقسى الظروف، وزرعت أفكارك الثورية في الأدمغة، وانهدَّ كاهلك من العطاء واستحصد الآخرون زرعك، وقطفوا ثمرات جهدك، ولفظوك جثة في العراء). أصاب الدوار غيلان الجعفي، شعر بأنه يتقيأ نفسه في عالم ذرائعي، يمسخ كل فرد فيه الآخر، ويسقطه في إطار التشيؤ، ويجعله وسيلة للصعود على رماده، وتشويه تاريخه. انقطعت سلسلة تأملاته، بمجىء هلوك الغاوية وهي تحمل صينية القهوة، وبرفقتها ابنتها اشتهاء، وصهرها نعيم المرزوقي، ووضعتها أمامه على الطاولة، واقعى الثلاثة، وأردفت الأم قائلة: - بعرفك على صهري. وها دا ابن جيران الرضى في غويران الوطا، سابقاً، وبظن هدي المرة الأولى اللي بتشوفوا بعضكم فيها. حملق غيلان الجعفي في معالم وجهه، عرفه منذ الوهلة الأولى في جفنة ينبوع الوادي وهو يعري اشتهاء من خطها المُحرَّم، وتبرق في عينيه نزوة القطط في فصل تلاقحها. أخرجت ابنتها سيجارة مذهبة بأطرافها، ودستها في فمها وأشعلتها بقداحتها الغالية الثمن، وغمغمت: - ما بظن- يا أمي- أنها المرة الأولى اللي تعرَّفوا على بعضهم، شافنا غيلان يوم شردت، وفاجأني يوم الرابع من نيسان في الجفنة. خيَّم صمت متقطع، انداحت زقزقات عصافير في البرية، خشخشت أوراق الخريف المتساقطة فوق أديم الحراج، عبقت رائحة عدمية في نظرات غيلان الجعفي، وهو يغوص في خارطة غويران الوطا التي غادرها منذ زمن بعيد، وتراءت له الأبنية الجديدة، بسقوفها القرميدية الخمرية اللون، تلتمع في حارة آل مبارك، وبعض بيوت الدفش في غويران الوطا ما زالت على حالها منذ تركها. لاحظت هلوك الغاوية تطلعاته، قادته إلى سطح المتنزه، حيث بانت مرابع طفولته عارية وأشارت بإصبعها قائلة: - شايف ها القصر بطوابقه الثلاثة، بجانب غابة الشيخ إسماعيل بجنب المدرسة القديمة، هادا قصر يوسف مبارك وزوجتو خضرا الله زاد في غناهم. شايف ها القصر المزروع حد السنديانة اللي أكلتَ عليها الفلقة، هادا لأبناء رشيد بك مبارك اللي أصابه الشلل النصفي، والعياذ بالله. بعد كل الجاه والعزة، وهادي الدنيا الغروره، غير لربي ما دامت. أما صاحبك الشيخ محمود مبارك منذ زمان صابتو الفزعة، ودار على الحروف، وآخى جنيات السواقي، وصار في الرعوش يصرخ، ويخوَّف النسوان، حتى اختفى أثره. آل مبارك بيقولوا التحق بعالم السماء وطلع نجمة. وناس بيقولوا، طار مع الريح، إلى بلاد مجهولة. وبدو يعود ثانية والنسيّات اللي بيبعدو صوب مغاور الشعرا، بيسمعن صدى جعير مقلوب مثل صوتو، وناس شافوه مع أربعة مجانين، عراة، زوج من الذكور وزوج من الأناتي، يدورون في معاصي الشعرا، والعياذ بالله. ورغم هذا كلو، راحوا سوولو قبة ذات طنة ورنة، شايف هادا الملمّع مثل بصبوص في قلب الليل، بجنب التكية القديمة. والله هي ذاتها. احتسى غيلان الجعفي فنجان القهوة، درج سيجارة من علبته، أشعلها في عصبية، انزلق وحل أسود في شرايينه، الماضي ينتفض، يتنفسه في الهواء، يتلمسه في الغابة التي كان يرعى فيها، يتشربه في الينابيع المنعزلة التي كان يستحم بها في ضحى صيفي، بعيداً عن الأعين، ويسبح في مخيلته شخوصاً دخانية يصعب لمسها حاضرة كل الحضور. هزَّته هلوك من كتفه، ودمدمت: - ولك، شو صار لك؟! وين كنت؟! شايف ها البناية بحدّ مغارة النمر، هي لقرعوش الخليط، نسيت ليالي الزمهرير، وفحمة كوانين، يوم كانت تحمينا من لزبات المطر، وطبول الريح، والبرد بيهري اللحم، يوم كنا نشعل النيران داخلها، ويجتر أيوب السارح حكايا سفر برلك وشرب القات في بلاد اليمن والقرود اللي تنط فوق الشجر، ومغامراتو الحلوة مع النسوان، والله ها الشخص طريف. ولك وين قذفو الدهر؟! حملق فيها غيلان الجعفي، تداعت له صورة قرعوش الخليط ذي الاندفاعات الجنسية العنيفة، والعضلات المفتولة، والميل الكاسح إلى امتلاك أية امرأة يطأها، كما حدث معها، كما في غابرات السنين، ليلة كانت جدته بريبهان تلفظ آخر أنفاسها، وتحتضر، كان ينجحر مع هلوك الغاوية في جوف صخرة خارج المغارة، يستنزفها رعشات وانتفاضات شديدة الحلاوة، وينزلق بجسده إلى رحمها الملتهبة. وأجاب قائلاً: - لا شيء ينسى، الماضي قطعة منا، يزيده النأي لمعاناً، وحنيناً إليه. هل نسيت أزواجك الذين قبرتهم؟ وغيرهم ممن حفروا في عروقك وذاكرتك أشياء جميلة. أما أيوب السارح فقد نتف ريشه الزمن وسرحاته في المكان، واستقرأ خيراً بالقرب من مغارة سويلم الدرويش. سقطت لمعة وامضة في عينيها الفاحمتين، وبان تأثر فوق سماتها وجالت دموع في عينيها، وهمهمت: - والله، ما زالوا هنا في قحف رأسي، ها اللي ذكرتهم، وليالي مغارة النمر عما تُنَمِّل في شروشي، وصورها هوني مقبورة، يا حسرتي على ما فات. والفحل من الرجال هو اللي بيترك أثر في الذاكرة ما بتمحي، ما بدي غمق أكثر أمام صهري وبنتي. ولك ابن الجعفي هل عمرك بتنسى خضراء مبارك اللي َطلَّعت عقلك من رأسك، ولولا حلم ربك لدرت مثل غيرك على الحروف والجنون. تذكر غيلان الجعفي ليلة زفاف بنت مبارك، وقرع الطبول الجنائزية والصدوع النفسية التي انحفرت في داخله، كادت الأحاسيس ذاتها تطفو من متاهات الماضي، وتهدم ما بناه من سدود النسيان، خاف أن ينفجر السيل المحبوس، كما حدث فيما سلف، فنهض مودّعاً، هبط الدرج كمن أصابه مسّ، أوشكت قدماه تنزلقان، غير أن هلوك الغاوية أمسكته، وودعته حتى باب سيارته، وهمست في أذنه: - ولك إذا بدك تشوفها، وتملي عينيك منها، تعال عصر كل جمعة إلى ها الاستراحة، حتى أجعلك تتلاقى معها. سلامي إلى أمك وطفا وجيران الماضي. أدار المحرك، تلوى بسيارته السوزوكي بين المنعطفات، التهم في جنون المرئيات التي كانت تسوطه من الخلف، والجوبات السحيقة، وأوغل في تأملاته، فتزايل له شخص شفيف دخاني، على رأس شير صخري يومىء إليه. اقشعر جلده، أحس بأنه يمتد في عالم غريب، تكشف له الشخص عن أبيه إبراهيم الجعفي الذي مات منذ زمن بعيد، بقمبازه الناصع البياض، في إشراقة عجائبية لم يرها من قبل فيه. نزل من السيارة، ركض وراء الطيف، ليحتضنه، لم يلمس إلا الفراغ، سمع صوتاً كأنه آت من وراء الغيوم: - يا بني- برضاي عنك، لا تنبش الماضي، وتحفر حفراً تقع فيها، ولا ترجع إلى غويران الوطا، حتى لا تبتلع الغيران، والرنوات الخضر، توازنك، وتسقط في مهاوي اللاوعي، ومفاوز الجنون إلى الأبد. اختفى الطيف الرحيم، في شعاب الشعرا، درج غيلان الجعفي راجعاً إلى بيته في عين الغار، محملاً بتهاويل الظلال، والطيوف الشفيفة، بأن لا عودة إلى نبش الماضي، والنفخ في الرماد الخابي، الذي لا جدوى من توقده من جديد، لأنه يحمل إليه في طياته، جنون القلق والهلوسة، والتردي في حمأ مسنون، والنزول إلى المهاوي المعتمة، وبوَّابات الأعماق المستعصية على الفهم، واندفاعاتها اللاشعورية في غياهب النفس، البعيدة الأغوار التي لا قرار لقيعانها التي ما زالت مجهولة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |