خرائب الأزمنة - سليمان كامل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حاشية تاريخية ثانية

- التحولات-‏

كما موج المحيطات العاتية، هبت أعاصير التحولات على الإنسانية، وحاول العرب أن يثأروا للهزيمة الحزيرانية، ويزيلوا عقد النقص التي تربت في العقل الجمعي نتيجة لها. وزحف الجيشان السوري والمصري إلى أرض فلسطين ليحرروها من ربقة الصهيونية، ويرسموا شفقاً حطينياً آخر. وكانت حرب تشرين، التماعة المروءة في الوجدان العربي، ومنارة في لجج تاريخنا المنكفىء. غير أن ثمارها أتلفت في حينها، أرادها أسدُ دمشق العظيم تحريراً وحاكم مصر آنئذ تحريكاً، وانكشف عري المواقف وجوهر الأنظمة، وارتمى السادات في أحضان اتفاقية كامب دايفد، وانسلخت مصر عن شقيقاتها بعد التماع المد الناصري فيها. واستعر بركان حرب مدمرة بين العراق وإيران دام تأججه ثماني سنوات، وحرقت الحممُ ووسائل الدمار الشامل، معالم حضارة البلدين المتجاورين واستنفدت، قواهما، وغطَّتْ جثث القتلى أهوار البصرة، ومستنقعات الجنوب، وعَمَّت الخرائب منطقة الصراع، وأحدث حاكم العراق شرخاً شاقولياً، ينز صديداً بمسلسل الألم والتمزيق، والضغينة، وكان كلا الشعبين المسلمين ضحية تلك الحرب الظالمة. وظلَّ العالم يتفرج على الديكين المتقاتلين بلا جدوى، لقد هشما بعضهما بعضاً في مأساة عريضة، أوقدتها أحابيل الغرب وجشعه الهمجي في بيع الأسلحة، واستنفاد ثروات دول الخليج، وإيجاد السوق المناسب لتجارته الحربية. ولم يكد اوار الحرب يخمد بين الجارين التاريخيين، ويكفكف كل منهما جراحه، ويعيد بناء ذاته، حتى سوّلت عقد الاستعلاء المتورمة، ووسوسات، شيطان الغرب إلى حاكم بغداد، أن يحتل أرض الكويت في زمن غير مناسب، وسط أجواء عالمية مضطربة. ووقع العراق في الفخ، ودمرت آلته الحربية، وهلك جنوده البواسل في صحراء الجنوب، عطشاً، وجوعاً، ومذلة. وفرضت ضريبة باهظة على كل شيء فيه. مات أطفاله من فقدان الأغذية والحليب، وتفسخ مرضاه أنيناً وضراعات، واحتضارات مزرية، دون أن يجدوا الدواء لهم، وعمت كارثة الحصار، وانقذف شعب بكامله في مهاوي الجوع، والعض على البطون، والسقوط في براثن المذلة، والنفي والتشريد. وواكب هذه الرحى السوداء، تغيرات جذرية في عمق العالم الشرقي وثوابته، إذ حدث زلزال في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الاتحاد السوفياتي وفي المعسكر الاشتراكي، وسقطت مرتكزات الماركسية فيها، وانطفأت أكبر منارة كانت الشعوب المستضعفة المقهورة، تلجأ إليها، وتنال منها الدعم والصداقة لمجابهة الغرب الاستعماري، انحطم هذا الصرح العنيد، كأنه من الكرتون الهش، وهوى لينين عن عرشه، وانسحق تمثاله، الرامز إلى انتصار البلشفية، وانحصر المد الماركسي في زوايا /كوبا- الصين، وفيتنام الشمالية وأمسكت أمريكا الرأسمالية بمصائر الشعوب، وغدت قدراً أحادي البعد، وعصا غليظة، تهرس بنبوتها النووي، وتهديداتها المرعبة، إرادة الإنسان، وامتدت ضغوطها في المنطقة العربية إلى إبرام اتفاقية سلام إرغامي بين اليهود والعرب، وأتيح المجال للصهيونية، أن تدخل من الباب العريض إلى الدويلات العربية، الممزقة الشراع في بحر لجي من المفارقات، والتصدعات في المواقف العربية المتباينة، وانقذف من جديد مبدأ التطبيع إلى رحم الأمة العربية، واعتصار وجودها وخيراتها وتقزيم دورها ووحدتها، وإعادتها إلى حظيرة الغرب، وجيتو اللوبي الصهيوني. وكانت الصراعات الطائفية، قبل هذه الأحداث، بعشرين عاماً قد التهبت في أرض لبنان وأحرقت ملامح حضارته وأودت بمئات الألوف، من أبنائه تشريداً، وذبحاً على الهوية، وتهجيراً إلى أقاصي الدنيا، ودفع شعب لبنان الثمن غالياً، وامتدت الحرائق والنزاعات إلى البلقان وتمزقت يوغوسلافيا إلى دويلات طائفية وعرقية، وتهدمت وحدتها الوطنية، وسقطت في لعبة الأمم، والانحيازات الدينية، وتكدست الجثث في الجبل الأسود، و افتضحت كل المحرمات، وسادت شريعة الغاب، وكشر الإنسان عن ذئبيته وتعصبه، وتوقدت المشاعر الدينية والقومية التي كانت راقدة في شعب الشيشان المسلم، وسالت الدماء في القوقاز. وزحف الروس بعددهم وعدتهم، ليبيدوا شعباً صغيراً، بعدده. أراد الاستقلال عنهم. وأبدى من ضروب المقاومة والصمود ما أبهر العالم وأعاد إلى المخيلات حكاية قرطاجنة الفينيقية، وتصديها للرومان، في أخصب ملاحم البطولة والفداء، وانكفأت الأحزاب الثورية في العالم الثالث، لتعيد توازنها بعد الحرب الباردة، وتلتقط أنفاسها، بعد أن باغتتها التحولات السريعة، وتعيد صياغة ذاتها، وبناءها التنظيمي، في ترقب وترصد، لما تخبئه خرائب الأزمنة القادمة من تقلبات مصيرية، وإرهاصات مصلوبة على جدر المستقبل، وآفاق الصيرورة التي تطحن بين براثنها، كل وهم الثوابت، وقدرة الأنظمة على الاستمرار. لأن كلَّ شيء إلى تغيير وتحول. والإنسان في زمن ما هو غير الإنسان في زمن آخر، إلا الذين، صهروا ذواتهم في رسالتهم العليا، وقليل ما هم، وأصبح معنى وجودهم كله مستخلصاً من روحها ومسارها، ومرتبطاً بها حتى الموت. وبقيتْ سورية الأسد كوة الضياء في ليل الاستسلام والتطبيع، تدافع عن شرف الأمة العربية، تأبى الخنوع رغم الضغوط الشرسة، تومىء بالخطا الصامدة، تميز بين سلام الشجعان واستسلام المهرولين، وترسم دوائر راسخة. إن إرادة الشعوب على المدى الطويل هي القضاء والقدر ولا مرد لهما.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244