|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:30 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني والعشرون انعكاسات التحولات. أخطبوط الزمن بأرجله السبع، غدا يشكل الأيام والسنين، ويعتصر أعمار البشر، ويلوّن حيواتهم، انعكاسَ تحولات، وارتكاسات في المسار البشري، حتى تقشرت اعتصاراته ومفارقاته عن تغيرات في الواقع الحياتي والسياسي والديني، تكشفت عن ظهور طروحات، مشدودة إلى الخلف، ومستلهمة من عهود تاريخية بعيدة، وممارسات متعصبة، وقُطعت الأشجار المثمرة إلا في الأعالي، وهلك الناس جوعاً. حتى أن الفتيان من الجرود كانوا يدورون كالمسعورين، ويرتقون الأماكن الوعرة، يلتقطوان ثمرات البلوط والسنديان، ويجعلون لبابها طحيناً وخبزاً، ويقتلع بعضهم الحشائش البرية والجذور، يمرشون أوراق الشجر ليسدوا رمقهم بها، ورمق أسرهم، وكانت أجساد المسنين والعجزة والمرضى، تموت في عراء جبل الشعرا ومعاصيه. وتحت رعش دهري، لماموت ما قبل التاريخ، انحشر غيلان الجعفي وابنه، وأيوب السارح وأولاده، وأبناء سويلم الدرويش وعائلته، وفي وسط الفسحة التي شكلها الرعش من الداخل، كانت وطفا الأم، تحتضر، ويتحشرج صدرها بزفير الموت، وكان وجهها الترابي، ينزف بحزن مقهور نهايتها. وعيناها تشخصان في جوف هذا الرعش الماموتي، وتمسحان الغبشة الصباحية التي ترود الأفق الشرقي، وما وراء نهر العاصي، والسهوب المترامية الأطراف. اقترب منها ابنها غيلان الجعفي، احتضنها في أسى، أسند رأسها على صدره، وضمها في حنو متمزق، ومسدَّ شعرها الأشيب، وهمس في أذنها: - أمي.. أمي لا تتركيني، أنا أحوج الناس إليك في هذه الفترات العصيبة. سنعود إلى بيتنا بجوار المقبرة. نبني ما دمره البغاة، سنجدد الحياة، ونعيد كرة العمر، أرجوك لا تموتي في هذه الأيام، حتى أقدر أن أعمر لك قبراً بجانب والدي، جديراً بك، وأحفر شاهدة مرمرية، تبقى شاخصة، تعبر عن اسمك ومسار حياتك، وأوفي النذر عنك للشيخ نجم الريحان وأدعو الناس إلى أسبوعك. تسمرتْْ عيناها في جوف الرعش الكامد، رفعت يديها الواهيتين، أمسكت برقبة ابنها، واحتضنته، انغمر وجهها المنزوف بوجنتيه، اعتصرته في حسرة، طبعت قبلات فوق جبينه، غمغمت بصوت ضبابي مخنوق: - خلصت حياتي، يا ابني- ولن تطلع الشمس علي، وصيتي هذا المعتر ناصر وبناتي اللي ما بعرف تحت أي سماء عايشين. وصيتي تعود إلى مزرعتك، وترمم ما هدم، والدنيا ما انتهت بعد، يا ابني.. وتخلي جسور المودة والرحمة مع جيران الرضى الحاضرين معك. وحتى لا تتعذب بنقل جثتي عبرها الجوبات والسناسل الوعرة. اقبرني في ظل ها الرعش، وسط جفنة الريحان اللي بتسكن ريحته في قلبي من يوم كنت، ظغيرة. راحت وطفا الأم في غيبوبة. نعب بوم فوق شجرة بلوط عالية، سرحت ضبابة خريفية في الأودية والشقوق المنخفضة، وأخفت وراءها المعالم، وتركت ذيولاً أسطورية، تموج فوق أعالي الأشجار، وتنحسر عن أشباح تركض بين المنحنيات. أحس غيلان الجعفي أن يدي أمه استرختا عن رقبته، وأن برودة صقيعية سرت في جسدها، وأن أنفاسها التي كانت تتحشرج، قد سكنت، تقرى نبضات قلبها، أدرك أنه توقف إلى الأبد. نظر في عينيها الشاخصتين الجامدتين، فلفتحته ريح الموت، واعتصرته انتحارات صغيرة، ذات ميسم عدمي فصرخ: - لقد ماتت، لقد ماتت. انهلت مدامعه، في أسى غير مجرب، حتى كاد يشرق بها. تجمع حوله كل من كان تحت الرعش. ندبتها نسوان بني سويلم بفروقات مليئة بالأسف، وغنت جميلة من قلب مجروح أغانيها الحزينة، وذاب صوتها الرخيم في ضبابة الخريف. ورددته الجبال الغافية على حلم كئيب، وتناغمت التراديد مع همهمات الفجر، وغنى شحرور فوق شجرة زعرور بري كان يلتمع ثمرها الأصفر تحت نوافير الضياء الآتية من الشرق، وتجاوب الندب الصباحي، مع مواويل أمهات الجرود اللواتي فقدن أولادهن أ ثناء زحف أرجل الجراد وارتسمت في الآفاق المحروقة، وعبر الجانب الإنساني، مأساةُ شعب، قضت الأقدار، أن ينسكب دمه أنهاراً، ويذبح بلا رحمة. *** وقدم الدكتور الأخضر العربي ونبيل السواحلي، المنفيين خارج البلد منذ زمن بعيد إلى المشرق، ليطلعا عن كثب على ما حدث فعلاً. وفي صوره متخفية. وتحت جنح ليل آذاري الملامح وفي مكان منعزل في جبل الشعرا، يسمى نبع الصفا، وعلى فسحة معشوشبة، ومستورة عن الآخرين، وخلف مغارة سويلم الدرويش في الجهة الشرقية منها، اجتمع الدكتور الأخضر العربي برفاقه القدامى من قرية عين الغار ومناطق العثمانية. وكان اللقاء حاراً ومأساوياً، امتزجت فيه دموع الفرح والتساؤل عن الأحوال ومجريات الأمور. وكان أيوب السارح يتعكز على عصا معقوفة، ويدق بها الأرض، وقد بدا بلحيته الثلجية الطويلة التي تتوسد صدره الناحل، وبجبهته العريضة، وعينيه الغائرتين اللتين ترودُ فيهما عِبرُ الأيام ومآسيها، كأنه نبي توراتي آت من أتربة العهد القديم. مسد لحيته بحركة عصبية، وتنحنح قائلاً: - ذكرني هذا الاجتماع. بالسيد المسيح. وهو على الجلجلة، والمسامير دقت في جسده، وارتعاشات الألم، بلغت ذراها، فتوجه بنظراته الفارعة إلى السماء قائلاً: (إلهي لماذا تخليتَ عني؟). وأنتما لماذا تخليتما عنا؟! ونفيتما نفسكما إلى الخارج، ودفعنا نحن الثمن. وهذا التعيس الحظ - وأشار إلى غيلان الجعفي- أمضى زهوة عمره في الزنزانات، وانصبَّت عليه رجوم من العذابات، وانقصف شبابه بالتصدعات والريب، وقهقهات الماضي من خلفه. ومغارة الضنية ستظل تلقي بكوابيسها الكالحة إلى آخر الدهر، ودفع الجرود ضريبة دموية، قلَّ نظيرها في التاريخ. ورغم هذا كله لم نيأس من طلوع فجر ولو على رماد احتراقنا، واحتراق بيوتنا. أجهش بالبكاء، شرق بالدمع، مات صوته في صدره، خيمت سكينة، أغلق كل منهم باب كهفه، زمزمت نحلة برية ضائعة عن سربها، تأرجت حرشة نبع الصفا بعبق أخضر، امتزجت به أنسام بيض، وبرودة منعشة، وكان لا زورد السماء منمنماً بمصابيح النجوم، وهسهسات النسغ في الطبيعة يتحرك في عمق الأشياء، إيذاناً بقدوم ربيع الفصول، أزاح الدكتور الأخضر العربي نظارتيه عن عينيه، وسرح وراء الليل المتحرك في العالم الخارجي، وهتف في حزن مقهور: - لم تكونوا وحدكم في الحصار والحرائق. كنا نتمزق للويلات التي نزلت بكم، وبالانقسامات التي حاقت بحزبنا الثوري، الغربة، والنفي، والقلق الغريب، عششت في عروقنا، وقضمت معاني حياتنا، البراكين والزلازل، وتفتت الدول، والتحولات التي حدثت في الجانب الإنساني، خلاف ما كنا نتصور، والحروب الطائفية وذبح الناس على الهوية، وسقوط المعسكر الاشتراكي، كلها شكلت منعطفات حادة وصدوعاً غائرة يصعب رتقها ويظهر أن القوانين الموضوعية، ومحاولة ضبطها مسار الإنسان، غير علمية، وغير صحيحة إذا لم تضع في حسبانها تأثيرات الشروط الذاتية وتقلباتها، وهينمات الأفراد ودورهم الفعال في رسم حركة التاريخ. ما جئنا لنبكي على ما فات، ولكن لنخط المستقبل بروح جديدة، ونرسخ الوحدة الوطنية بين فئات الشعب. وبقايا المتعصبين يريدون أن يهدموا جسر الكفري إلى الأبد كآخر رموز تلاحمنا، وتعايشنا المشترك. وذلك بعيد منتصف ليل السابع عشر من نيسان، المصادف لذكرى جلاء المستعمرين عن أرضنا فما رأيكم في ذلك؟! تشظت الصور من مراقدها في مخيلة غيلان الجعفي وتناثرت كدخان الحرائق الذي عمَّ قرى الجرود وقصور آل الصوان وأبنية آل الغشيم وبرقروق ومنزول بدر الجعفي.. وتكايا آل الخصيب، والحريق الذي أتى على جزء من بيته، والأشجار التي قطعت، والقبور التي تحطت شواهدها المرمرية، وقبة الشيخ نجم الريحان، التي تصدع جانب منها، وغربلها الرصاص.. وقبة الجد جعفر الخصيب التي تقوضت بعض زواياها، وطار شاهد هلالها الحجري، وبقيت العثمانية وقصور آل مبارك، محافظة على سلامتها، عصية على التهديم والتحريق، لأن منطق الغالبية والكثرة والبطش، هو الذي يسودُ تاريخَ الإنسان. فتح طبقته المعهودة المكبوسة بتبغ حواكيره، وانتزع منها لفائف، ووزعها على رفاقه، وأشعلها بقداحته، ونفث نفثات دائرية، وتسلق بعينيه مرتسمات رفاق الأمس، ورفع ومضات قداحته في وجه صهره نبيل السواحلي يتقراه وهو بجواره، وقد مضتْ عهود شديدة التقلب ولم يره، فطالعه وجه من الرمل المتحجر، حفرته الأيام، ينز بتعابير النفي، والتشرد، لوحته الصحراء الكبرى، والتنقل بين واحاتها ومدنها، وانحسر شعره الأشيب إلى الخلف، وتكهفت عيناه في مؤقيهما، وظل شعاع أنيس يخبُ وسطهما. أومأ غيلان الجعفي بيديه الراعشتين، إلى الحاضرين، وقال: - تقشر جلدي من أهوال المعاناة؛ في السجون، والسراديب الانفرادية، والحصار، ونفذ إلى مسام نفسي الاعتصار والخوف من الخوف، والقهقهات من خلفي، وتخلى عني أحبتي ورميت في مهمه الموت البطىء، ولكنني لم أكفر بقيم حركتنا الثورية، والوفاء لنظرتها، وشحذت جسدي على مسن مرهف، حتى أضحى رمحاً مصقولاً، وطلقة جاهزة في بندقيتها غير أني أريد أن أتعرف إلى بعض الوجوه الحاضرة، التي قد أموت معها في معركة واحدة. دوّم الدكتور الأخضر العربي أبخرة سيجارته في الفضاء الليلي، وتراءت شباك عنكبوت وراء سبحاتها، وحكَّ أرنبة أنفه، وكان متكئاً على مرجة العشب، فاستوى جالساً وأجاب: - يظهر أني لم أحفظ دروس المجاملات، رغم أني أفنيت عمري في أوروبا وجلَّ من لاعيبَ فيه. ولك كل الحق أن تتعرف إلى رفاق المصير الواحد، وهؤلاء بالترتيب هم عمر الخالدي، أبو بكر الراوندي، وحسام حاتم وأنت تعرفه من قرى العثمانية. وهذان اللذان بقرب شجرة الشوح هما جورج نعوم، وإيليا منصور من المناضلين القدامى. تنحنح نبيل السواحلي. حرّك يديه في انفعال، قطف أقحوانة من نبتة صغيرة، راح ينزع عنها وريقاتها، كما كان يفعل في ماضيات أيامه ككشف للحظ، حتى أنهى آخر وريقة من الوردة، وتكشف عن حسن الطالع، وأردف قائلاً: - هذه الوردة بمسار تويجاتها، أجابت بنعم لهذا اللقاء. أمضيت سنين نفسية متطاولة كالقرون الرتيبة على سيف الصحارى الكبرى، وعلى سواحل ليبيا وقفارها الممتدة، فلم أتنصت إلى هسهسات نبع يجري من قلب الأرض الرملية، ولا إلى ريحانة تضوع بأرج قدسي، حتى خمدت أحاسيسي كذرات الرمل. وفي هذه الليلة أشعر بأني أولدُ من جديد مع لدونة هذا اللقاء. وقدوم هذا الربيع، فنرصَّ صفوفنا، وننتزع أشواك الطائفية والفئوية من أذهاننا، ولنطهرْ حواسنا، من مفرزات عصور الانحدار، ولنعد أنشودة الوحدة الوطنية، ونهتف بكليتنا: الدين لله والوطن للجميع. مرق شهاب لامع في مطاوي سماء مغرقة بالزرقة، ومرَّ فوق الرؤوس وأضاء فسحة من المكان، وسقط كما يخيل إلى الرائي، بجانب قبة الشيخ نجم الريحان. واستدرك الدكتور الأخضر العربي معبراً: - هذا الشهاب احترق ليضىء، ورسم دائرة من النور بمروره في سماء هذا العالم، ونحن، ينبغي أن نتشبه به، نحترق لنضىء، نموت لتورق من دمائنا شجرات يانعة وثمارنا ضجة، قد لا نقطفها، نحن، بل الأجيال الآتية بعدنا، هذا هو طريق أصحاب الرسالات، طريق أنبياء العصور، والمصلحين الاجتماعيين، وروّاد الثورات، الوقت قد أدركنا، وأخشى العيون المتلصصة. وهذه هي الخطة التي رسمناها للدفاع عن جسر الكفري والتترس بين ضفتي النهر، والمواقع التي يتربص كل منافيها، والأسلحة، ستصلكم في حينها. وإلى اللقاء في ليل السابع عشر من نيسان، ولننفض كذوب الملح في الماء دون أن يلتقط تحركنا أحدٌ. أمسك بحقيبته الخضراء الصغيرة، فتح سحَّابها اللامع، تناول رزمة من الورق، ووزعها على كل واحد من رفاقه، وتصافحوا جميعاً على الوفاء بالعهد، وتناثروا في الشعاب، وغابت أشباحهم، وراء غبشة الفجر، بين الرعوش والسناسل ومساقط نهرالسبع، فأخفتهم معاصي الشعرا. أهدودر أيوب السارح وغيلان الجعفي، ومعهما نبيل السواحلي إلى عين الغار. وكانت ديكة آل سويلم الدرويش تصيح بصوتها المعدني كوكو. ري. كو والفجر خطوط حمار وحشي، ترتجف في المراقي الشرقية، شبّابات رعيان يروحون بقطعانهم صوب الأدوية والرامات التي يتجمع فيها الماء. والقمر الناحل في المحاق ثمرة زعرور صفراء قضم الزنابير بعض أجزائها. وأشذاء أزاهير، مخملية الرؤى، تثير الحلم القصي إلى جزر القمر التي تنضح بالعطور. ونداء المؤذن: الله أكبر، في الجامع الوحيد الذي أشاده آل الخصيب يتهادى كصوت نبوي من خلف العصور، يدعو إلى الوحدانية، والتآخي، والمحبة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |