|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:30 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الأخير الاستشهاد أيام نفسية بطول الدهور، تجرجرت ساعاتها ودقائقها، ترقباً وترصداً، وتبدت بوصلة الزمن فيها، باردة، بطيئةً كسلحفاة، في المرتقى الصخري. وقد أوفى الدكتور الأخضر العربي بنذره وعهده، وأرسل الأسلحة في حينها مع حمولة سيارة بيكآب من الذخيرة والرشاشات، والقنابل اليدوية، والبندقيات الروسية، مصحوبة ببيان ناري العبارات، يدعو إلى المقاومة والدفاع حتى الموت عن الجسر الكفري وأن يترّس الرفاق الجرود في الجانب الجنوبي منه، والرفاق من العثمانية وقراها في الجانب الشمالي منه، ومنع نسفه مهما كلف من تضحيات: وتجمع الرفاق الجرود ومن معهم، في ضامة أيوب السارح ووزعوا الأسلحة على أنصارهم، واستدل كل منهم على موقعه، ومرافقه. وتفرق الجميع ليلاً بسرية كاملة، على أن يكون اللقاء غداً في منتصف الليل القادم على الضفة الجنوبية من الجسر. عصفت بغيلان الجعفي مشاعر مبهمة، لم يحسَّ من قبل بوتيرتها الحادة، بهذا الشكل وبرهافة هذا المذاق المتفرد. شوق أخضر إلى احتضان الوجود بلون البروق الشديدة اللمعان، ميل كاسح إلى لثم شواخص القبور التي يعرف أصحابها، تواجد غريب أشبه بتواجد الصوفيين الذين يستشفون برازخ التقاطع بين الأزل والزمان، بين اللامتناهي والمتناهي، انسياب حلو كرفات الطيوف ترقرق في مخيلته، نبع بلا ماء مرئي، غنَّى وراء الأشياء، نسغ خفي، أصاخ بكليته إلى هسهساته في الجذور. العالم كله تغيرت وتيرة مذاقه، وانكشفت أشياء وراء عتبة الحواس. تذكر قول معلمه فجر الشريف إن المشرفين على الرحيل عن الحياة، تُرهف أحاسيسهم، وتتفخم رؤاهم، يتذكرون كل نأمة أو حركة مرت بهم. وتصير حواسهم، نسراً يحلق في الأعالي، ويتسامى فوق الرؤى الدودية، فيطلون على كوى أشد اتساعاً وتحليقاً، مما كانوا عليه في حياتهم العادية". لم يقدر على أن يتحمل مشاعر هذه المناخات الغريبة التي لم يلامسها من قبل بهذه الشدة، فدخل إلى بيته خائفاً، مرتعشاً كرسول في العهد القديم فاجأه الوحي وهو في ذروة تأملاته وعزلته. كان نبيل السواحلي متيقظاً يطرق بؤبؤ عينيه بمطرقة جفنيه الرَّافين. وقد أسند رأسه إلى ذقنه، محدقاً باللاشيء، شارداً وراء أفكاره فاقترب منه غيلان الجعفي، وربتَ على كتفه هامساً: - مالي أراك ساهماً؟! أتخاف أن تموت؟ بماذا توغل في التفكير؟ ألم تقل لي بأن أولادك الأربعة قد كبروا، وحوشتَ لهم ما يكفيهم من الدنانير، وأودعت مالك باسمك وباسمهم في المصارف. ونهاية كل شيء إلى الموت والفناء. فكَّ ذقنه من كماشة يده، رفع رأسه في فتور. التقطت عيناه الصدع الذي أصاب سطح البيت، أثناء الغارة العثمانية في الصيف المنصرم. وأجاب في أسى: - بقيتُ أمنّي أختك وأولادي بالعودة إلى هذه المرابع، كنا نقتات وسط الرمال بأحلام العودة إلى المشرق، وأن نشيد بيتاً أنيقاً بعد هذه الغربة، بجانب هذا المزار، وأن نجمع الشمل بعد هذا الفراق النائي. يظهر كما تقول حكمة متأملة أحفظها: (إن الأرواح لا تتصل ببعضها إلا في الماضي. والأجساد تعيش في الحاضر، والمستقبل تسكنه الأحلام ورفيف الأماني المستحيلة التحقيق، ميلنا المدنف إلى الطفولة، يختزن في ذاكرتنا المتع الحلوة في ماضينا. عمياء هي العين التي إذا أغلقت أجفانها، لا تلمح خلف بؤبؤها صورة عزيزة على قلبها، صماء تلك الأذن التي لا تسكنها تراتيل الليل وأغنيات النهار، مُرة هي الشفة التي لا تسترد ثمار الحقول الشديدة الحلاوة. ولكني غداً قد تموت أحلام زوجتي وأولادي التي تركتهم في سبها الصحراوية وحيدين، ينتظرون عودتي، ونقلهم إلى هذا المشرق الساحر. سمعت بفاجعة مغارة الضنية فجئت أتبيّن حقيقة الأخبار، والتقيت بالدكتور على متن الطائرة الآيبة إلى المشرق العربي. انتابت غيلان الجعفي شفقة رحيمة على صهره. سحق أسنانه ببعضها بعضاً، فرقع أصابعه كصوت الملح في النار، زفر زفرات حارقة، وتمتم قائلاً: - إذن لن تموت غداً وتترس خلف شير الغابة فلن ينال منك الرصاص. ومن كان مثلك، وعنده هذا المخزون من أحلام العودة، وحمل قارورة أحلام زوجته وأولاده، ينبغي أن لا يريقها بهذه البساطة، وأن يبقي على هذا المخزون حتى يرتطم بقساوة الواقع، وينفد من تلقاء ذاته. أما أنا فالماضي قهقهات من خلفي، وصدوع تهددني دوماً بالانفصام، والحاضر حصار الماضي وكوابيسه، بقي لي خيار واحد، أن أطلع المستقبل، وتتفتح ألف زهرة، من الوحدة الوطنية، ولو على رماد جسدي وموتي. نهض إلى زاوية البيت، كسر القشرة الخارجية التي تكسوها. أخرج ألفية عرق مخزون منذ زمن، قبل وفاة أمه، سحب السدادة الفلينية عنها، فتش في النملية عن الأكواب الخشبية التي نحتها والده من لباب الشجر، منذ أيام غويران الوطا. انتشرت رائحة الكروم، عبقت الأرض بمذاق أواخر الصيف، صبَّ العرق المتخمر، كرع ثلاث كؤوس صرفاً صرخ كأنه في فلاة منقطعة: - تعال، يا صهري الحالم، تعال يا ابني ناصر. اليوم خمر وغداً أمر. إذا لم تنهضا سأكسر هذه الألفية على رأسيكما. فلنتناول قربان الرحيل قبل مجيئه، لا عاش، من مات صاحياً الليلة. التمعت نجمة في عينيه، كما تلتمع نجمة الصبح بشخوصها المذهبة قدام الفجر. والتهبت مخيلته ببروق تمر فوق الغابة. وأمر ابنه أن يأتيه بشبابته القديمة، لينفخ فيها، فالليل له رائحة متفردة لا تنام، وأن يعزف هو على أوتار ربابة جده الجعفي، تناغمت الإيقاعات الحزينة، واسترقت الشهب أسماعها في سماء ربيعية مغرقة بالصفاء، وتهافتت فوق قبة الشيخ نجم الريحان لتذوب انطفاءً وترمداً في حنين الربابة، والتهاب القصب وتراجيعه، التي أيقظت أشباح الموتى الذين رحلوا وأبقوا رفاتهم الحلوة في المخيلات. وظلت التراديد تشنّفُ مسامع الليل، وشماريخ الجبال، والقبة البيضاء، وتحمل في ذاتها طعم الرحيل والوداع والحسرة حتى غطَّ الثلاثة في نوم عميق، وسكرة لا حدود لأبعادها، يتصالب فيها الماضي بكل نأماته وتوجعه، والحاضر بكل ترقبه ووحشته، والمستقبل بكل حدوسه وتنبؤاته المتبرعمة في أحشاء الغيب. *** أومضت أول إشارة في مغارة بني سويلم الدرويش أطلقها أيوب السارح، إيذاناً بالنزول إلى الجسر الكفري والتترس وراء الصخور المشرفة عليه، اهدودر حماة الديار من أبناء الحزب الثوري، في منتصف ذلك الليل المفصلي، الذي تتصالب فيه مصائر وحدة وطنية، ونهاية مجموعة سكنتها روح أمتها، كعقارب ساعة منتصف الليل. أخذ كل منهم موقعه المحدد له، وجهز سلاحه وأمنَّ ذخيرته. تترس أيوب السارح في مكان مرتفع يطل على الحارة التحتانية، ليقتنص كل من تسول له نفسه بالهجوم على الجسر، وكأنه استعاد شبابه الأول، وقدرته على استخدام السلاح، وكان من حسن الرماية وإتقانها بأنه يصيب الإبرة المعلقة في شجرة وعلى عشرات الخطوات، ويصطاد الطير في قبة السماء، ويقتنص بصبوص الليل وهو يؤوب في الدجى. كما كان أترابه يتحدثون عن براعته. وأنزل ابنه سامر معه، ليملأ له البندقيات بالذخائر، ويعاونه إذا ازدحم القتال. واتخذ غيلان الجعفي وابنه ناصر، وحميدان الدرويش موقعاً على الدرب المؤدي إلى الجسر مباشرة، وتوزع الرفاق الآتون من العثمانية وقراها على المواقع في الجبهة الشمالية من الجسر. كان البدر تماً مكتملاً، كدارة نورانية، تسبح في فضاء اللانهاية، ونقيق ضفادع معدني، وصوت قرقرير يصدى بهما الليل، وبرودة ناعمة تتغلغل في العروق، وضبابة خفيفة، كلهاث طفل غرير فوق زجاج شفاف، تتصاعد من مساقط نهر السبع وشجيرات الدلب والحور تتمايل كأشباح مترنحة أمام هبات أنسام الضفاف. وكواكب السماء تلمع كالنيران الجن والعفاريت في حكايا (ألف ليلة وليلة كان غيلان الجعفي في ذروة صحوته وإشراقه، كأنه عريس ترقب انصراف المدعوين، ليختلي بعروسه، ويدخل إلى مخدع الزوجية. وكان يروي لنبيل السواحلي. وابنه ناصر، وابن سويلم الدرويش، ومجموعة من رفاقه الحارسين، لقنطرة الجسر، رؤياه العجيبة، وحلمه في منامه البارحة، قائلاً: - أعجب ما رأيت في حياتي، ويكاد لا يصدق، إلا للذين شفَّتْ حواسهم، وصفتْ أرواحهم، كما كان يقول خالي عمران ووالدي. وذلك أني رأيت في منامي البارحة وبعيد الفجر، حلماً غريباً. الشيخ نجم الريحان بذاته، تجلى لي بصورة شخصية، بقامته المديدة، ولحيته الثلجية الموازية لصدره، وجبته الخضراء، وبإشراقة عينيه اللامعتين. كتلك النجمة التي فوقنا، وهمس في أذني، (سأقاتل معكم غداً، وأحمل بروق الصواعق بدعائي لكم، وألقي في قلوب دعاة التفرقة والتمزيق، الرعب والهلع، والله مع الجماعة والوحدة. وسأخرج من قبري اليوم). اقشعرَّ جلد الحاضرين، قفَّ شعرهم توزعت رعشات الحلم بين المدافعين عن الجسر، وغلت مراجل الحماسة في صدورهم، وآمنوا أنَّ النصر قادم، وتلك الموقعة مستلهمة من روح موقعة بدر الكبرى. استرد غيلان الجعفي أنفاسه، وحملق في السماء المليئة بتلك الصوامت الأزلية، المعلقة في أذن الجوزاء، كأقراط من الضياء اللامع، وتابع حديثه: - وأغرب من ذلك، أني استيقظت من نومي، وقبضت على كمشة من البخور، لأحرقها قرباناً في الغضارة، على مشهد الشيخ نجم الريحان وفوق قبره، فوجئت ويا للغرابة، أن قبر الشيخ متصدع وأن شخصاً ما خرج من لحده. انبهر الجميع، سادت غيمة أثيرية ذات امتدادات عجائبية في صميم المدافعين، خيمت سكينة متأملة. مزقتها زحوف من الشمال والجنوب. دوّى الرصاص في الأودية، انهمر كزخات البرد الشتوي، تطايرت شظايا، حول الضفتين، أبدى المدافعون مقاومة ملحمية عن الجسر، كان أيوب السارح يطلق رصاصه الصائب على كل من يتحرك، ويخمده. مضت ساعات لا يمكن قياسها بالزمن العبودي المؤلف من دقائق وثوانٍ، دامت الرشقات تئز فوق رؤوس المدافعين حتى بان أول خيط أبيض من الفجر، واخترقت رصاصتان رئة غيلان الجعفي، وثلاثة رأس حميدان الدرويش فخر صريعاً. وسحب ناصر والده المصاب إلى ظل الصخرة ليقيه زخات الرصاص. أظهر المدافعون صموداً حير المهاجمين الذين أغاروا ثانية من الجبهتين لحصار الجسر ونسفه، وانهالوا على مترس أيوب السارح الذي كان رصاصة يقنصهم، ويسيل دماءهم، وزحموه بوابل من الرصاص، فأصابوا مقتلاً من ابنه سامر وهو يقدم الذخيرة لوالده فأردوه قتيلاً. انفجر غضب الأب كحمم البركان، وازداد تحفزاً وثأراً، وانبرى يلاحق فلولهم المنهزمة حتى غابوا وراء الغبشة، وتفرقوا في شعاب عين الغار الجنوبية، في حين أبدى ثوار الضفة الشمالية من الجسر مقاومة شرسة، وتشبثوا بمواقعهم، مزَّقوا المهاجمين من قرية العثمانية شرَّ ممزق، وأثخنوهم بالجراح، وجعلوهم يفرون مذعورين من هول المعركة. وعلى الضفة الشمالية من النهر، سقط أربعة قتلى من الحزب الثوري هم: حسام حاتم، عمر الخالدي، وأبو بكر الرواندي، وجورج نعوم. وكان الفجر قد بزغ، واندلقت حمرة شفقية فوق قمم الشعرا. وكان غيلان الجعفي يحتضر تحت الصخرة المحاذية، ويحتضنه ابنه ناصر. ويحملق في الصوت الخفي الذي أتاه هذه المرة من أمامه بدلاً من خلفه، وكان يبتسم، ابتسامة عذبة بدلاً من قهقهاته، ويهمس في أذنه: "آن لنا أن نفترق ياصنوي وأغيِّبَ قهقهاتي الخلفية من ورائك إلى الأبد. لقد تجاوزتني رمزاً خالداً وفكرة انعتقت من كل الصدوع والانهيارات، وأمسيت منارة دائمة الإشراق في ذاكراة الأحياء والآتين، وربيعاً إنسانياً لا يعرف التمزق والموت، وتجاوزت الطاحونة الوثنية وخرائب الأزمنة وكلاليبها، وممارسات الأوغاد". واختفى وراء أمواه النهر السيلي. احتضن غيلان الجعفي ابنه ناصر في حنو الراحلين، وأمره بأن يرفع له رأسه، ليلقي آخر نظرة على الدنيا. كان الجمع من الرفاق الأحياء، قد تجمعوا حوله، وحاولوا وقف النبع الدموي الذي يتدفق من صدره. وحنا عليه الدكتور الأخضر وأيوب السارح ونبيل السواحلي، يسعفوه، ولكن بلا جدوى. همس في صوت خافت كأنه أنين ناي بعيد: - حياتي انتهت. طلع هذا الفجر من هذه الينابيع الدموية الشهيدة. بقي الجسر الرمز، أقبرونا، تحت هذا الجسر شهداء الشمال في شماله، وشهداء الجنوب في جنوبه، واحفروا لي قبري في ظل هذه الجفنة من الغار الدائم الاخضرار. أوصيكم بشيئين غاليين، أولهما رسالتي، أن تتابعوا الدرب النضالي، وثانيهما أن ترعوا ابني الوحيد ناصر- ابتسم ابتسامة فوق الموت، وهوى بجسده إلى مهاوي الخمود، والفناء، وانطفأت الشعلة التي أغدقتْ، على العالم كلَّ عطائها، ومخزونها من الضياء ونبل المواقف وترمدتْ كالفينكس الأسطوري معاناة واحتراقاً لتولد من ترمدها حياةٌ أشد سطوعاً وإنسانية. *** مكث الجسر الكفري شاخصاً في وجه الدهر، تتكسر على قنطرته ودعائمه أنواء الحَدَثان والسنين، دون أن تنال من بقائه ورسوخه. وظلت مواكب الإنسان في قرى العثمانية والجرود، تمرُّ فوقه في قداسة، تتملى سبعة قبور؛ أربعة في الشمال، وثلاثة في الجنوب، ترف كمنارات لامعة في دياجير المحن، والجزر التاريخي، أنقذت مركب الوحدة الوطنية من التحطم على شاطىء صخور مدببة كالخناجر، وسط أعتى الرياح الهوج. وفي كل جمعة، عند الغروب، يتلامح سكان الحارة التحتانية من عين الغار، شبح امرأة مسربلة بلون الحداد، توقف سيارتها السوداء، وتنزل تحت الجسر، توقد ناراً، ترمي بخوراً في غضارة حائلة، تركع في خشوع أمام قبر غيلان الجعفي وتقرأ الفاتحة، وتسرِّحُ بناظريها الخضراوين إلى شمس المغيب، وتهيم وراء دنيا من التأملات والغور في الماضي، وتتناغم أشعة دموعها المنسكبة فوق مدافن الزمن الذي لا يعود مع نوافير الشمس الغاربة، والتماعاتِ أمواه النهر المنسابة تحت الجسر الكفري الماثل كما رد جبار من صميم التاريخ، يستقبل الشروقَ المتوهجَ، ويودّع الغروب الآفل، في ملحمة الديمومة، والبقاء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |