العصفور والريح - فائق محمد حسين

رواية - من منشورات اتحادكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

تمنيت أن تبقى للحظات أخرى، لكنها راحت تتعثر بأذيال ثوبها. وتعلق بصري عليها وهي تؤوب بانكسار، دون أن تلتفت، حزنت لحزن افتخار، أدركت أنني آلمتها، قسوت عليها وما كان أمامي حلاً آخر تسببت في أذيتها رغماً عني، ولصالحها فأنا أحبها ولا أريد لها أن تشقى وتتعذب مثلما أشقى وأتعذب... فسأرزح تحت أثقال من الهموم قبل أن أمضي خفيفاً مثل الحلم.‏

كلمات بشيرة الكثيرة المتلاحقة، وحركاتها المثيرة للشفقة أيقظت شرودي.‏

-ضجرت يا أخي، ضجرت وحق اللّه. ما عدت أحتمل أكثر. هذه السنة الرابعة عشرة. وما زلت قابعة في هذا الجحيم خادمة، ذليلة.. قال لي يحيى: سنة واحدة ونستقل في بيت، وحدنا! حنان، كبرت... صارت امرأة. جاءها أكثر من خاطب... أنت أخي الوحيد فأنقذني... دبرّ لي حلاً...‏

ضحكت من هلوستها التي لم تنقطع منذ زواجها.‏

وكالعادة، لم أر غير المزاح، أخفف به عنها.‏

-يا بشيرة، جئت لآكل لقمة ولست حلالاً للمشاكل.‏

-أجئت من أجل الأكل؟‏

استفسرت بامتعاض. فأجبتها:‏

-ليس في بيتنا شيء يؤكل. فجئت لعتابك. منذ متى لم تمري على أمي وتتفقديها؟‏

فهمت ما أقصد فآنفعلت. أبدت تذمرها دون حياء:‏

-أمي!! أمي!! كأنك لا تعرفها فصدقتها. ماذا أفعل وهي لا تقبل أن تأكل في غير بيتها! ولا ترضى بأن تُمد لها يد المساعدة وترفض أي شيء من بيت عمي وعمتي؟!‏

بكت بحرقة وأسهبت في شرح مأساتها:‏

-هي وحدها وأنا برأسي أحد عشر نفراً..!‏

-اطمئني... المخرف سيموت قريباً... فأصبري.‏

استخفت نصيحتي وبربرت، ووجهها يحتقن غضباً.‏

-هذه الأسطوانة المشروخة سمعتها آلاف المرات، قبل الآن. ولم تتوقف منذ خمس عشرة سنة. وها هو عم عثمان أمامك بحول الحي الرزاق أقوى من كاوا الحداد. ماتت عمتي أم يحيى غماً وكمداً. ومات أبي بسببه. وبقي هو من أجل عذابي، ليس إلاّ... قل لي ماذا أفعل؟ أخبرني، انصحني. أريد أخذ راحتي... فكفى عذاباً... كفى...‏

أزعجني إلحاحها فسألتها:‏

-أيستطيع يحيى أن يفتح لك بيتاً مستقلاً؟‏

زاغ بصرها إلى السماء وهتفت برجاء:‏

-يا ريت، أقبل ولو غرفة واحدة... فكوخ يضحك خير من قصر يبكي... ثم لوت عنقها بقهر كأنما تذكرت الحقيقة وأكملت:‏

-يحيى لم يزل يأخذ مصروف جيبه من عمي.‏

-وإذا استطاع، فبالتأكيد لن يتمكن من توفير نصف ما يتوفر لك الآن من طعام.‏

ضربت كفاً بكف وشهقت:‏

-أنا لم أشتك من قلة الطعام... فالخبز وفير والحمد للّه، وعمي والشهادة للّه لم يبخل علينا بشيء، إنه يصرف دونما حساب.‏

-جيد. أنت تمتد حين الجانب الطيب منه. إذن فعليك التحمل...‏

-إلى متى؟‏

-هل تمنع افتخار عنك الطعام؟‏

-لا.. إنها أخت وحبيبة..‏

-أيؤذيك أحد؟ هل أسمعوك ما لا يليق... ما يخدش الحياء؟‏

-لا.‏

بكت وهي ترد، عضني الجوع فأحسست بالضعف، ثم بوجع القدمين، وارتخاء في الأعصاب، مثلما شعرت بالضيق من حديثها الممل.‏

-هل يقصر معك زوجك بشيء؟‏

أخجلها سؤالي فركبها الحياء وغمغمت:‏

-لا..‏

-إذن اخرسي. اقفلي فمك ولا تكرري عليّ أقوالك التافهة. وأحمدي اللّه، وأشكريه على هذه النعمة المباركة... وتأكدي أن عمك المخرف سيموت يوماً...‏

لابدّ أن يموت وعندئذ سيرث زوجك ثروة طائلة...‏

قدمت حنان بصينية الأكل. تناولتها أمها ووضعتها أمامي على أحد الكراسي، وهرعت الصبية إلى الداخل كالمهرة. تناولت لقمتين أو ثلاث. ثم تركت كل شيء ونهضت استغربت بشيرة:‏

-أنت لم تأكل شيئاً!‏

-أشبعني لغوك الفارغ.‏

عادت حنان تحمل الصغير سامر، وهو عاري الساقين:‏

-أبق أشرب الشاي يا خالي. ستجلبه عمتي.‏

-لتشربه أمك...‏

كنت مرهقاً وعلى يقين أن عشرات من كؤوس الشاي وفناجين القهوة، لن تفلح في إخراجي من حالة الإرهاق.‏

-أضجرت مني؟‏

لم أجبها، تطلعت إلى ساق الصبي وعجبت:‏

-ما هذه البقع على جلد ابنك؟‏

تنهدت بشيرة بعمق وأجابت:‏

-إنها خير دليل على بؤسي وشقائي. هذه من أثر "الشوطة" رضعته من صدري وأنا في قهر وغضب.‏

-عليك بفوح الرز اغسليه لمدة أسبوع وسيزول كلياً.‏

-يا ما شاء اللّه... صرت طبيباً!‏

سخرت وهي ترافقني إلى باب الحديقة.‏

-أرسلي دجاجة إلى البيت... نظفيها جيداً..‏

-حاضر... سأبعث اثنتين...‏

-ليمر عليّ يحيى غداً صباحاً... أريد رؤيته لأمر هام.‏

-عيسى أم يحيى!‏

سمعتها تصيح بدهشة وأنا أبتعد.‏

خطر على بالي الملازم علي. فرددت لازمته المحببة.‏

"العصفور لازم يشق الريح"‏

وعليّ أن أفعل ذلك..‏

في الطريق إلى البيت رأيت بقرة سعدو، ممددة وبجانبها وقف ابنه راضي يرمي كلب نصار بأحجار صغيرة ليبعده عنه.‏

تطلعت إلى السماء عليّ أرى الغيم الأسود. فها هي البقرة المتمددة تنذر بسقوط المطر... تتنبأ به... راقبت الصبي. أعجبني تصويبه، دقته المتناهية! وراقبت الكلب. ابتعد قليلاً، رفع رجله وبال.. ثم هرول باتجاه المقهى ففرت في تلك اللحظة جوقة من العصافير. تنسمت هواءً عذباً أنعش صدري. وتمنيت أن التحف السماء وأنام. غير أني أحسست فجأة بازدياد خفقات قلبي.‏

اتجهت إلى البيت مباشرة عدت صاحياً، قلقاً، مرتجف اليدين قبل أن استسلم لنوبة دوار مفاجئة.‏

استلقيت على سريري.... بانتظار أن تأتي أمي بأخبارها لكنها تأخرت أكثر من المعتاد.‏

تلك الليلة بدت الرياح موحشة. أرعبتني حقاً. ففي عتمة الظلام سمعت عواءها ونواحها" لكني لم أهتم بها طويلاً... التحمت أجفاني بعد أن سيطر الكرى على عينيّ.‏

بعد حادثة الغدر آمنت بأن الحياة جديرة ببذل الجهود في سبيل أدامتها. أمنت بأنها أكبر من أن تكون قبض ريح لا مغزى لها. لذلك كان عليّ إبعاد اليأس عني. ومن ثم العمل بلا توان العمل قبل أن تستولي عليّ تشاؤمية لا حدود لها، تتساوى عندها كل المعايير فأضيع... وأفقد الأمل ويدب التخاذل في روحي ويسيطر الجسد وشهواته على عقلي...‏

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244