صار
قيس يحب كرم ابن عم أبيه! في الكرم دوالي عنب وشجر
زيتون. وفي طرف البستان المرتفع شجرة توت كبيرة،
قربها عين ماء. لابد أن تأتي غزالة إلى هنا! لابد!
لكنها لم تأت في ذلك اليوم. أتت أختها خديجة. وكان
قيس وقتذاك على شجرة التوت. رآها من فوق، في طرف
البستان تنكش الأرض. ثم جاء شاب لايعرفه قيس. لابد
أنه من قرية أخرى! فتركت الأرض ومشت معه حتى الشجرة
التي تسلقها قيس. بقي زمنا حابسا نفسه. ورأى الشاب
يتناول يديها ويضعهما على صدره ثم رآه يقبلها. غصّ
قيس بريقه وأغلق فمه بيده. نهضت خديجة وتلفتت حولها.
لم ترفع رأسها إلى أعلى! لماذا ابتعدت؟ خافت؟
وانصرف الشاب.
لم
تظهر غزالة بين البنات الذاهبات إلى العين. فقدر
أنها في الكرم. ركض، ركض حتى انقطع نفسه. رآها على
شجرة التوت في طرف البستان، فوقف حتى هدأ. ثم مشى
حتى الشجرة. لم تكن غزالة في عمر خديجة لتلبس
شنتيانا، فرأى ساقيها العاريتين..
- كنت
مارا بالصدفة فقلت أطل على الكرم..
- كنت
مارا صدفة؟
- نعم،
صدفة!
من
يربط زمبرك الفونوغراف إذن ويضع كوانة أسمهان،
فتقول البنات: لك ياغزالة! تحادثا وهي ترمي له حبات
التوت حتى وصلت خديجة. رأتهما فصرخت: غزالة، انزلي!
لم تنزل غزالة بل ارتفعت غصنا إلى الأعلى. هجمت
خديجة على قيس رافعة قضيب الرمان بيدها. صاح: لن
تضربيني! وإياك أن تضربي غزالة! سأقول لأهلك إنك كنت
هنا مع..! رأيتك.. رأيتك! ذهلت خديجة وارتخت يدها عن
القضيب.
كانت
هي التي ترعى الغنم وتحلب الماعز. منذ ذلك اليوم صار
قيس حرا في الجلوس مع غزالة على شجرة التوت. وحاولت
مرة أن ترمي حبات التوت في فمه تماما وهي على الشجرة
فلوثت قميصه. وصارت خديجة تحمل له الحليب الطازج،
وتخصه بالشمندور، وترسل له الهريسة الطيبة. بقي ذلك
الحب بينه وبين غزالة حتى انشغل عنها بالغزال. كان
حبا كالزهر يتفتح في الربيع على أغصان عارية، ثم
يترك مكانه للورق الأخضر. غاب عن غزالة أول مرة وقت
زار عمه في مستعمرة بيت لحم الألمانية.
المستعمرة
قرب صفورية. لكن الطريق إليها يتلوى فيصل قيس على
الحمارة في ساعة ونصف. يشتغل ابراهيم، عم قيس، هناك.
المستعمرة فيلات كل منها من طابقين. في طرف
المستعمرة بناء متصل من طابق واحد، فيه لكل عائلة
من العمال العرب غرفتان. في أيام الصيف تنام الأسر
على السطح المتصل فتكاد تتجاور. ينام قيس عند عمه
أحيانا، ويمتعه أن يملأ عينيه بسماء واسعة كثيرة
النجوم. يستلقى على الفراش ويحاول أن يعدها. فيقول
له عمه في حنان: تعد النجوم؟ ستظهر الثآليل في يديك!
يضحك قيس. لن تظهر! يلتفت قيس بعد ذلك إلى النائمين
ويخمن متى يغفو ذاك ومتى ينام هذا.
في
المستعمرة أشجار فاكهة، أشجار زيتون، وحقول من
القمح والذرة. وحول المستوطنة غابات من شجر البلوط.
يسرح قيس متنقلا مع عمه، متفرجا على البساتين التي
يرتبها الألمان، وعلى الزهور التي يحشدونها حول
بيوتهم.
يستقبل
العم قيسا عادة في فرح. ويسعى قيس إلى ذلك الحب ساعة
ونصفا على الحمار، قاطعا البساتين والبيادر، صاعدا
وهابطا مع الدرب. لكنه هذه المرة استعجل الحمار طول
الطريق لأن عمه أرسل له خبرا: التقطت لك شيئا ظريفا.
تعال!
برقت
عينا قيس: ماهو هذا الشيء ياعمي؟ جرّه عمه من يده:
تعال! في الليل وضعت الأفخاخ في غابة البلوط. فأمسك
فخ بقدم غزال. غزال صغير، صغير ظل يتأوه حتى الفجر.
نقله العم إلى بيته وقال: هذا لقيس! قال العم: لعل
عمره لايتجاوز الشهر. خذه واعتن به! احتضن قيس
الغزال. لو عرفت ياعمي، لحملت له سكاكر! كانت
الإقامة تطيب لقيس في المستعمرة. لكنه الآن يريد
العودة فورا إلى بيته، ليعانق الغزال، ليطعمه،
ليدلله، ليحبه!
ركب
قيس الحمار. وضع عمه الغزال بين يديه: مع السلامة!
عاد قيس إلى صفورية مبطئا من الخوف على الغزال.
لمحته أمه من بعيد فخرجت. سألته: أين ستضعه؟ سمعها
أبوه. لماذا رجع قيس مبكرا؟ وقف في الباب. احتفوا
بالغزال. لكن هذا غزال قيس! لايخفى على قيس أن غزاله
حزين، وحيد. لاتخف، ياغزالي! سأحبك أكثر من أمك!
ربّت قيس على جبين الغزال، على عنقه ورأسه. نظرت
عينا الغزال الواسعتان إلى قيس. وتفرج قيس على
أهدابه. حلو، حلو! عانقه. مدّ له كفه المليء بالسكر
وشعر بلسان الغزال عليه. هذه أول إشارة رضا منه! في
الليل أفاق قيس مرات ليتفقد الغزال. فنهض أبوه وجثا
إلى جانبه: غزال حلو! الحق معك! لكن نم. الغزلان أيضا
تحتاج النوم!
طار
صيت غزال قيس. غزال يتبع صاحبه أينما مشى. فيزهو به
قيس أمام الأولاد. يطلبون أن يلمسوه، يرجون أن
يطعموه. لا! لايأكل إلا من يدي! تفرجوا! رافق الغزال
قيسا وأصحابه إلى البيادر، واكبهم وهم يمشون في
القرية، ويصلون إلى الزيتون. استمتع قيس بالركض
والغزال يركض خلفه. سبقه الغزال واستدار إليه. أتت
غزالة وتفرجت على الغزال. سألها قيس: حلو؟ قالت:
لذلك ماعدت تأتي إلى الكرم؟ قال: سأحاول أن آتي غدا!
سألته: مع الغزال؟ رد: لاأعرف! إذا أراد الغزال
أخذته معي! سألته: صار يفهم كلامك؟ رد مزهوا: يفهم!
انظري! ناداه: تعال! فحرك الغزال أذنيه واستدار إلى
قيس. قال: شفت؟! جثت قرب الغزال: اتركني ألمسه! قال:
المسيه! نظر إليها الغزال. قالت: ماأحلى عينيه! زها
قيس. كأنها تقول له ماأحلى عينيك!
في
تلك الليلة سرق الغزال. بحث عنه قيس في البيادر
والكروم. قال له أبوه: لن يتركوا أثرا يدلك إليه. لو
عرفت من سرقه ياويله! وكان صادقا. هو أيضا أحب
الغزال! لكنه لن يبوح لقيس بما يظنه: أكلوا الغزال!
يقال إن لحمه طيب! ذاق مرة كبة في الشام من لحم
الغزال!
قطفت
غزالة آخر حبات التوت لقيس. تدلله؟ شاركته حزنه على
الغزال. وفي ذلك اليوم نادته ليصعد إليها على شجرة
التوت. وهناك عانقته: لاتحزن ياقيس! كنت أعرف أنهم
لن يتركوه! عرفت؟ كيف؟ ردت: لأنه حلو! هل كانت تدرك
أن الجميل مهدد، وأن مصير النقي مرّ؟ كيف خمنت
مالاتستطيع ولايستطيع بعد التعبير عنه؟
لعل
أحلى أيام قيس وقت كان يتنقل بين عالم النساء وعالم
الرجال. فيسمع حكايا النساء وأساطيرهن، ويلحق
أحلامهن، ويضحك من نكاتهن، ويعرف منهن الوجه الخفي
من رجالهن. ويشرف في مضافات الرجال على المدن ويعرف
حوادث البلاد ويسمع الشعر. يتعفف الرجال عن ذكر
النساء، ولعلهم لايعرفون إلا ظاهرهن. لكن النساء
يفصّلن في حديثهن عن أزواجهن وأولادهن. فينشرن
المخادع والأسرة في صراحة، ليعلن السعادة أو
التعاسة أو يطلبن النصيحة أو ليضحكن. فيرى قيس
خفايا الرجال الذين يظهرون في المضافة، ويعرف ظهر
الصورة. ويتبع مؤامرات النساء الصغيرة، ويكتشف
فيها صبرهن ومثابرتهن.
انتظرت
أمه سفر أبيه مع التوبي الذي كان من مسؤولي منطقة
الجليل الأعلى في ثورة 1936 وخرجت مع زوجته عائشة.
ركبت كل منهما حمارا، وأردفت عائشة قيسا وراءها فلف
ذراعيه حول خصرها. رحلوا إلى قرية المشهد، بين كفر
كنّا والرينة. في الطريق وضع قيس خده على ظهر عائشة،
وعندما التفتت إليه في حنان شد ذراعيه حول خصرها.
تعرف أنها تعجبه، ألم يقل لها أمام النساء: لماذا
لست أمي؟ كانت بيضاء، ممتلئة، بضّة، في وجهها رضى
السعادة. وهي الوحيدة بين النساء التي لم تكن تتحدث
عن تفاصيل حياتها مع زوجها. تقول فقط: هنيّ، رضيّ،
لم يرفع صوته أمامي مرّة! كانت عائشة وقتذاك في
الخامسة والعشرين من العمر. لكنها منذ تزوجت لم
تنجب. لذلك قصدت مع أم قيس الشيخ المشهور في قرية
المشهد. انتشرت شهرة الشيخ منذ داوى طفلة مشلولة
فخرجت من بيته تمشي. كيف داواها؟ روى أبوها أن الشيخ
سأله كيف أصيبت بالشلل، فقال له: أفاقت مشلولة. قرر
الشيخ أن يداويها بالتي كانت هي الداء. كان المرضى
يقيمون يوما عند الشيخ فيأكلون وينامون الليل عنده.
فطلب من أمها أن تمثل خلال الأكل أنها تختنق. عندما
مثلت دور المختنقة بالطعام صرخ الشيخ للفتاة: هاتي
كوب ماء! فهبت البنت واقفة. داواها بالرعب الذي
شلّها! وداوى النساء العاقرات بشاش مضمخ بسائل،
فانتشرت أخبار من حملن ولم تنتشر أخبار من فشلن.
تفرج
قيس على الشيخ المهيب وتناول من زوجته الغداء تحت
شجرة الخروب التي تظلل البيت كله. سهر تحت سماء
موشاة بالنجوم حتى غفا، وفي الصباح ركب الحمار خلف
عائشة. في الطريق عبرهما خيّال مسرع فجفل حمار
عائشة ووقعت على الأرض، ووقع معها قيس دون أن يفلت
خصرها من ذراعيه. على الأرض ضحكت فأضحكته وبقيا
مكانهما ضاحكين زمنا وأمه واقفة تتفرج عليهما. ثم
ضحكت هي أيضا. فاستسلم قيس للحمرة البراقة التي
غمرت وجهها، وانقلب على ظهره لتملأ عينيه فلايرى
سواها. وبقيت فوقه على زرقة السماء متألقة، وغمرته
السعادة لأنها ليست في تلك البرهة أقل جمالا ونضرة
من عائشة. عندما امتطت المرأتان حماريهما سارتا
متوازيتين وفهم قيس من حديثهما أن أمه طلبت من
الشيخ أن يبعد زوجها عن النساء. فأعطاها الشيخ ورقة
مكتوبة لتنقعها في الجرة التي يشرب منها زوجها
الماء. لكنه أوصاها: يابنتي، يبطل هذه الأوراق
الوجه العبوس، وتقوّيها النفس الرضيّة! فهل أضحكت
أمه فقط عائشة وقيس المتشبث بها؟ أم الفلاة الرحبة
التي تصغّر الهموم وتذكّر الإنسان بأن مايفسد
حياته عابر وتافه؟ أم كانت مستسلمة لنصيحة الشيخ،
ولوهمها بأن زوجها لن يرى من النساء غيرها، مثل
عائشة الحالمة بطفل؟
لم
تستبق تلك الرحلة الممتعة إلى قرية المشهد قيسا عند
أمه. فلازم أباه في الأمسيات. وبدا لأمه أن أباه هو
الذي يربيه ليكون مثله. فلوّحت له بتجمع النساء على
المصطبة وبهسهسة حليهن وأحاديثهن المسلية، وقالت
له، وهو يبحث عن متسع ليجلس قرب عائشة، كأنها
ستحرمه من الجنة: كبرت! رح إلى مضافة أبيك ففيها
مايسليك أكثر من مصطبتنا! هل تدري أنها كانت تعلن
حقيقة، فقريبا لن يستطيع قيس أن يستمتع بقبل النساء
اللواتي يرغبن بأن تكون أجنتهن مثله، ولن يستطيع أن
يحيط خصر عائشة بذراعيه، ولن يسمح له بأن يدخل
الحمام مع أمه. سيحرم من عالم النساء الملون الفاتن.
تلومه أمه لأنه يلتصق بأبيه؟ وتهدده بأن تحرمه
مبكرا من جنة النساء؟ لو تفهم حاجته إليها وإلى
أبيه معا! عند أبيه يتفرج قيس على الحياة! يراقب
أباه ويتعلم منه الحكمة والسياسة! ابتعد قيس عن
المصطبة متألما. وسمع عائشة تلوم أمه: لو كان عندي
ابن مثل قيس لاستبقيته قربي!
طلب
رجل من أبي قيس أن يجحّش زوجته! ينتخب عادة للتجحيش
صديق موثوق أو رجل وضيع لايمكن أن يمسك الزوجة.
الرجل صاحب أبي قيس. ويفترض أن يقوم هو بالتجحيش.
لكنه لن يفعل ذلك! اعفني من هذا، زوجتك مثل أختي!
والتجحيش لايقنعني. على الرجل أن يتحمل نتيجة
تسرعه! لكن اختر من تشأ أكن شاهدك!
قال
أبو قيس لابنه: التجحيش درس للرجل الذي يرمي القسم
بالطلاق على زوجته ثلاث مرات. لاتجوز له إلا إذا
تزوجها آخر ثم طلقها. في الشرع يجب أن يذوق من يعقد
عليها عسيلتها، وأن يتحمل زوجها القديم ذلك. لكن
لاأحد يذوق عسيلة أحد! شهد أبو قيس ذلك الزواج
الشكلي. لكن زوجة صديقه أطالت الخلوة بزوجها
الجديد، وزوجها القديم يحترق قرب أبي قيس. ثم خرجت
وأعلنت أنها لاتريد الطلاق من الرجل الذي تزوجته
"على سنة الله ورسوله"! سترحل معه إلى قرية
أخرى لأنها خرقت العرف، وهي تقبل ذلك! من باعني
بالفول أبيعه بالقشور!
كان
أبو قيس وهو يلملم الفضيحة ويهوّن على صاحبه
المصيبة، مشغولا بأخيه ابراهيم. من حظه أنه أنجز
شراء الغنم من تركيا وسلّمه للراعي قبل أن ينغمس في
مشاكل من حوله! تزوج ابراهيم، أخو قيس، من ابنة
السعدي، بطل انتفاضة 1936 الذي يسكن قرب القلعة. يقول
السعدي إن أخا قيس كبّر الكلام، ولم يحترم المقام.
لذلك سحب بنته واستعادها إلى بيته. أرسل ابراهيم
"جاهة" إلى السعدي، فردها! أرسل أبو قيس
"جاهة" أخرى فردها السعدي. تريد المرأة العودة
إلى بيت زوجها لكن أباها عنيد. غضب أبو قيس وقال
لأخيه: سأخطب لك امرأة أخرى ولتبق بنت السعدي عند
أبيها! أعلن أبو قيس في تلك الليلة أمام المجتمعين
أن البطولات التي يدعيها السعدي فيها كثير من
الخيال، وفيها مالايقبله قلب المسلم كقتل الأبرياء
ولو كانوا أعداء. ودعا الحاضرين إلى عرس أخيه
ابراهيم.
تجمع
الناس في الباحة أمام غرف العقد في منتصف الليل.
غنوا ورقصوا وأكلوا. وفي منتصف الليل دخلت أم
العروس إلى الغرفة التي اجتمع فيها العروسان تحمل
صينية فيها طعام. ثم خرجت وأغلقت عليهما الباب. بقي
الناس في الباحة. عندما سمعوا صرخة المرأة أطلقوا
الرصاص في الهواء وزغردت النساء. ثم مد رجل منديلا
أبيض من الباب، تناوله العروس وأعاده بعد أن غمسه
بدم عروسه. فأطلق الرصاص مرة أخرى وارتفعت
الزغاريد.
كان
ابراهيم يعرف في تلك الليلة أن بنت السعدي تبكي،
وأن أباها غاضب ومغموم. تعرف ذلك النساء المحتفلات
بالعرس ومنهن أم قيس. يعرف ابراهيم أنه سيستعيد
زوجته بنت السعدي عندما يلين أبوها. لكنه منساق في
الحياة، ولايمكن أن يعارض رغبة أخيه الأكبر. يجب أن
يولد له أبناء، يجب أن يدافع عن كرامته أمام أهل
البلد. لايستطيع أن يكون عاشقا يبكي على امرأة
يحجزها أبوها عنه. مع أنه في الليلة الاولى مع
امرأته الجديدة فهم ماكان بينه وبين بنت السعدي من
السعادة. وميز الفرق بين بنت السعدي التي تبدو
كأنها نحتت لأجله وبين هذه التي تفيض عنه.
تفرج
قيس على العرس منذ بدأت الاحتفالات به. مشى بين بيت
عمه وبين بيت العروس. غاص بين الرجال وبين النساء.
استمع إلى الأهازيج. لم يدعه أحد كي يغني كما يدعوه
الغرباء في أعراسهم. فبدا صغيرا في بيته. لكنه تأمل
المنديل الأبيض المرقش بالدم، وأنصت إلى الفرح
الذي امتد في طلقات الرصاص. هل أفهموه في ذلك اليوم
أنه يجب ألا يتزوج إلا بكرا؟ أم أشربوه زهو الرجل
بأن يكون الفاتح الأول؟ جلس إلى جانب أبيه في آخر
الليل. رأى الناس ينصرفون بعد أن أعلنت لهم شهادة
الدم شرف الفتاة التي تزوجها عمه. واندفع في قلب قيس
حب للنساء اللواتي بدأن ينصرفن. نظر إلى قاماتهن
وملابسهن الزاهية وسمع أساورهن وأقراطهن وعقودهن،
وحط نظره عند غزالة التي كانت هي أيضا بين برهة
وأخرى تنظر إليه. احتفلت البلد بالعرس، فهل سيتزوج
قيس هكذا ذات يوم، فيدقون له الطبل وينفخون له
بالمزمار ويطلقون له الرصاص ويمد يده إليهم بمنديل
أبيض مرقش بدم عروسه؟ هل سيعرض دم امرأته المحبوبة
للغرباء؟ نظر إلى غزالة ورأى في عينيها سعادة
ونعاسا. وكان هو أيضا سعيدا لكنه يشتهي النوم.
توسطت
النساء فأعدن بنت السعدي إلى بيتها بعد أن ولد
لزوجها ولد من زوجته الثانية. عاشت مع ضرتها في بيت
واحد. وانتقلت معها وقت الهجرة من صفورية إلى دمشق،
وسكنت معها في المزة. أما السعدي فبقي في صفورية!
قاوم الإسرائيليين حتى قتلوه تحت شجرة البلوط
المعمرة أمام بيته قرب القلعة.
هل
تستطيع أم قيس أن تملأ عيني رجل يتنقل بين بلاد
الشام متاجرا قادرا أن يلبي مايشتهيه ويروي
أهواءه؟ ماذا يستبقي رجل معتد بشبابه، بعيد عن أيام
المرض وأيام الشيخوخة، مخلصا لزوجة واحدة؟ أوهمته
قوته وغناه بأنه لن يضعف ولن يفتقر، وكانت نساء
المدن التي يعبرها مغريات وممكنات.
لمح
قيس أهواء أبيه، فهل فهمه وهو بعد في الثامنة من
العمر؟ أمسك قيس بمكانة الولد الأكبر لدى أبيه.
وربما كبّرته في العمر الصداقة التي أشعره بها
أبوه، والمكاشفة بينهما. وكأنه قبل ماعرضه أبوه دون
كلام: واجب رب الأسرة أن يشبع امرأته ويكفي بيته،
وحقه في حياة متسعة لاتطالها زوجة مشغولة بأولادها
وطبخها. المسرات حق الرجل، شرط أن يعود بعدها إلى
أسرته! بين الناس والأهل مكان الزوجة. لامكان هناك
للعشيقة! فهل قبل قيس مبكرا، أن يجمع الرجل بين حقه
في التنقل بين النساء وبين واجباته في الأسرة؟ أم
دفعه إلى المسار ذاته فيما بعد، حبه المفقود؟
في
ذلك العمر راقب قيس أباه معجبا به. سجلت أمه له ذلك.
وغشها أنه معتد بنفسه، فلم تفهم حاجته إلى أن
تحتضنه وتربت على رأسه حتى ينام، وتعانقه حتى يشعر
بنفسها الحار على رقبته، وبصدرها على صدره،
وبذراعيها حول كتفيه. فظل عطشه إلى الأم قويا،
قاهرا، مع أنه رفض بكبرياء أن يتصور أنه كان دائما
يشتهي في المرأة، الأم! فهمت كونستانس ذلك بعد
عقود، فتحملت من الشفقة والرحمة إهانته مرة، وبحثت
له مرة عن صديقته، واستقبلت مرة صديقته الأخرى. لو
انتبهت ليلى ذات يوم إلى عطشه إلى الأم لتندت
عيناها وأغضت. ولسألها: وأنت؟ ولردت: شبعت من أمي!
كان
في الثامنة يوم رأى أمه جالسة على كرسي الحمام
المنخفض. غرفت الماء من الجرن. تفرج عليها ذاهلا وهي
تسكب الماء على شعرها الطويل وتغمض عينيها رافعة
رأسها إلى أفق لاتراه. لمعت كتفاها، وتابع قيس
سيلان الماء على صدرها وبطنها وركبتيها. عندما شهق
قالت: قيس، أنت هنا؟ همهم: هنا! قالت: ناولني إذن
صابونة. هذه صغيرة! وضع الصابونة في كفها ورأى
ذراعها تمتد إليه بطولها، فيصبح كتفها أكثر جمالا.
تساءل: لم يرها أبي وهي تغتسل أبدا؟ أمتعه صوت الماء
المنسكب عليها، ومد يده فلمسه. ماذا تفعل ياقيس؟
ألمس الماء! ضحكت. كانت في تلك البرهة رائقة. كأنها
لاتفكر إلا بنفسها، ولاتحس بهزيمتها الدائمة أمام
أبيه. كأنها تمخر الدنيا وهي تستحم، فرحة بجسمها،
بالماء، بالصابون، وتسمع تنفس بشرتها. قالت له:
ماتزال هنا؟ إذن افرك لي ظهري. تناول قطعة الليف
التي زرعتها وجففتها ونظفتها. لمس رقة الليف الذي
امتلأ بالماء والصابون وخشونته. فرك ظهرها من أوله
إلى آخره مبهورا ببشرتها. تكاد تكون دون عظام. في
مكان العمود الفقري قناة ضيقة منخفضة قليلا عما
يجاورها. لايوجد لوح الكتف! انتبهت إلى يده. كم أنت
ماهر ياقيس! سأجعلك تساعدني في غسل إخوتك!
هل
فهم قيس هناك أن الحمام في الشرق وقت للراحة
والسعادة، للنفس؟ تنوس فيه المرأة بين المفرد
والجمع. تحزم بقجتها المطرزة، تحمل معها
"الترابة" الطيبة وصابون الغار، تحمل طعامها
ومخللاتها وتدعو جاراتها، فيتجمعن معا في الحمام.
تتنقل ليلى، كالفتيات الصغيرات، بين النساء في
حمام عمره خمسمائة سنة، وتتوه بين نساء عاريات، بين
ضجة طاسات الماء، بين نوافير البحرة تحت القبة،
وبين نجوم الوسطاني والجواني. قبة سماوية أخرى،
مصاطب ومناشف مطرزة بالخيوط المذهبة والفضية،
ملابس زاهية، صحون الطعام، نكات وأحاديث وحكايا،
أجران وقباقيب ومياه. تهرب ليلى كلما نادتها أمها
لتفركها. تجلسها في حضنها وتغطيها بالصابون. تنزلق
هاربة. تمسك بها إحدى النساء وتقودها إلى أمها
لتسكب عليها الماء.
ترك
قيس باب الحمام مفتوحا. لفّت أمه نفسها بالمناشف.
لذلك هب قيس واقفا عندما قال أبوه سنذهب إلى حمامات
طبرية: عظيم! سأله أبوه مداعبا: تعرفها؟ لم نأخذك
بعد إليها!
نزل
قيس وأسرته في بيت في طبرية ذي فسحة واسعة تظللها
دالية كبيرة. في طرف الفسحة ليوان يرتفع عليها. رأى
قيس صاحبة البيت جالسة ولمح أباه يلمس كفها التي
تمسك بفنجان القهوة. وخمن أن أباه يعرفها. لايعني
نزول أبيه إلى طبرية التجارة فقط إذن!
استبقي
أخوه الصغير معه وذهبت أمه إلى الحمامات. تنزه مع
أخيه على شاطئ طبرية. وجد أصدافا صغيرة جدا. ثم ملّ
ذلك. فعاد إلى البيت يجر أخاه مرة ويحمله مرة. تركه
عند صاحبة البيت ومشى إلى بركة النساء. بركة واسعة،
الماء فيها إلى الركبة، ماء ساخن متدفق جار. احتجت
بعض النساء: كبير! اخرجيه! ردت على المحتجات نساء
أخريات: صغير لكن قطعته كبيرة! قالت أمه: لم يبلغ بعد
الثامنة! قالت امرأة ساخرة ماتقوله عادة النساء:
هاتي أباه معك في المرة التالية! بقي قيس هناك خلال
ذلك الحوار وبعده. جلس على أرض البركة القديمة وغرف
منها الماء، تمرغ بالماء. وتفرج على النساء. يالهذا
المخلوق الراقي! ماأملح النساء! بدا له أن الرجال
مساكين لأنهم ليسوا كالنساء. زاغت عيناه وهو يرى
نساء يغرفن الماء، ونساء راكعات في الماء، ونساء
مستلقيات أو جالسات على طرف البركة، ونساء يتنقلن.
ويوم رأى فيما بعد في اوربا لوحات تسجل الحمامات
الشرقية تنهد: ناقصة! دون أصوات وبخار وحركة، دون
طيب! غاب عن اللوحات أيضا عبق التاريخ الذي تنفسه
قيس يومذاك. فحمامات طبرية التي وصل إليها بين آثار
طبرية القديمة، تذكّر بحمّات الكنعانية، بمشيدات
الرومان، بالفتح الإسلامي الذي هندس الحمام
العتيق، والجزار الذي شيد الحمام الكبير. ليت رجلا
أمسك بيد قيس يومذاك ودلّه إلى الفضاء الخفي في تلك
الأمكنة، وحدثه عنها ليزيد من نشوته، ويقول له ليس
سببها المياه المعدنية الحارة، ولاالنساء
المتمرغات فيها، بل المكان الذي احتضن كل ذلك!
بعد
طبرية رافق قيس أباه إلى القدس. تجول معه في
المدينة. انتظره حتى اتفق مع التجار وحاسبهم. صعد
أدراج القدس العتيقة، تفرج على الأسواق، وتوقف
أمام السبلان وفتنه سبيل قايتباي. مشى إلى المسجد
الأقصى. أذهلته باحة المسجد الواسعة، والسجاد
والثريات والسقف المرتفع. صلى في المسجد الأقصى مع
أبيه وهو ينقل نظره بين الجدران والسقف والأرض. ثم
تفرج ذاهلا على قبة الصخرة. قال له أبوه: سقطت
الصخرة من نيزك ما قبل أن يوجد البشر! فرفع ذراعه
كلها مشيرا إلى الزخارف. كان ذاهلا، كأنه عاجز عن
التنفس، فلم يستطع أن يتكلم. وبدا لأبيه أنه ضيّق
عينيه كمن بهره ضوء ساطع. فتلفت مستطلعا. لايوجد ضوء
مبهر! الضوء عنصر في الزخرفة، يرتمي بمقدار مايحفظ
سحرها. لكنه هو أيضا رفع عينيه إلى الفسيفساء التي
ترسم أشجار نخيل أسطورية، وثمارا ذهبية، وزهورا
وأوراقا أجمل من كل مافي الدنيا من زهر وثمار
وأشجار. وضيّق هو أيضا عينيه. بقيا زمنا صامتين.
وضاع قيس في خضرة وزرقة الفسيفساء. لم يخمن أبو قيس
أن ابنه سيقع مغمى عليه! قال له وهو يلفه بذراعه
ويعبران باحة المسجد الواسعة: يفتح الرجل عينيه على
الجمال ويتقصاه، ولكن لايغمى عليه! هل واجه قيس
هناك أول مرة في عمره السحر الذي يخلقه الفن ويتوج
به الحضارات وهو يزيح الواقع العادي ويصوغ آخر
فاتنا للسعادة؟ وضع أبو قيس كفه على كتف قيس: احفظ
ياقيس! لم يصلّ عمر بن الخطاب في كنيسة القيامة كي
يحميها. نظف الصخرة بيديه وصلى هنا. في هذه المدينة
بويع أول ملك عربي كبير. بنى الوليد بن عبد الملك
المسجد الأقصى الذي نهب الصليبيون كنوزه واستعاده
صلاح الدين ووضع فيه المنبر الذي هيأه له نور الدين
الشهيد. سنصلي هناك الآن معا! دار أبو قيس حول نفسه
تحت القبة ودار معه قيس: احفظ ياقيس! بنى قبة الصخرة
عبد الملك بن مروان سنة 691 هذه السقوف المذهبة،
والجدران المرخمة، والنوافذ الزجاجية، والفسيفساء
التي أوقعتك اشتغلها كلها المعماريون السوريون!
ردد قيس مسحورا: دمشق! قال أبوه: نعم، كانت عاصمتهم
دمشق!
سألته
أمه عن جولاته فارتبك. ثم حذف قبة الصخرة وحكى لها
فقط عن باحة المسجد الأقصى الواسعة جدا، جدا، وعن
الصلاة على السجاد القديم. خلال صلاته رفع عينيه
وتأمل النوافذ والسقف وكاد يستدير إلى الأعمدة.
فتنه المنبر الذي قدمه للمسجد نور الدين الشهيد.
قالت له أمه: تستدير وأنت تصلي؟ حرام! آه، عجز إذن عن
التعبير عما فعله المكان في روحه! لم يستطع في ذلك
العمر أن يفهمها أن الصلاة قد تكون ضيقة إذا كان
المصلي ضيقا، وقد تكون واسعة، رائعة، إذا شعر
بالكون! كان عليه أن يقطع عمرا كي يفهم ذلك. بعد عقود
قال لنفسه: كل مانراه يغتني أو يفتقر بنا. فينا يوجد
الشطر الآخر من جوهر الكون!
قرر
أبو قيس أن يبدد ذهول ابنه فأخذه في القدس إلى
السينما. شاهدا فيلم قيس وليلى. ابتسم أبوه: سميّك
كان عاشقا مشهورا! لم يلاحظ قيس أن أباه تفرج عليه
في السينما. بعد الفيلم قال له: الرجل الذي لايعرف
النساء ليس رجلا! لكن لاتسلّم امرأة حياتك! لم يبح
قيس لأبيه بأنه أحب مجنون ليلى، وبأنه لايخجل لو
كان مثله. لكنه عندئذ قاس أباه بمجنون ليلى ورأى
نمطين من الرجال واحدا مثل أبيه يتنقل بين النساء
حرا، وآخر كالمجنون يهوى واحدة!
لكن
هل كان ابو قيس يجر ابنه معه إلى القدس وحيفا ودمشق
كي يعرض له الدنيا ويجعله في سرعة رجلا؟ أم كان
يتستر به؟ لم تستطع أم قيس أن تفهم من قيس هل يلتقي
أبوه بالنساء في حيفا أو القدس. فقدرت أن ذلك يحدث
في الليل وقت ينام قيس. كانت محقة! في دمشق نزل قيس
وأبوه في فندق أمية في المرجة. أفاق قيس في الليل،
لم يجد أباه في الغرفة فبقي ساهرا حتى رجع. قال له:
لاتتركني وحدي! خذني معك! أخذه الأب معه تلك الليلة.
مشيا في الحارات. ووصلا إلى باب كبير فيه باب صغير
كأبواب ألف ليلة. دقه الأب بحلقة كبيرة من النحاس
المزخرف ففتحته مواربا امرأة بضة. مشيا خلفها في
دهليز، وانفتحت أرض دار واسعة في أطرافها أشجار وفي
وسطها بركة. جلسوا تحت سماء الليل الساجي. نظر قيس
إلى المرأة بملء عينيه. رآها في ثوب ملون. وفاح عطر
لاشبيه له، فاح من ضحكتها، من بشرتها البيضاء، من
قامتها الممتلئة، فاح من الياسمين الذي عرش فوقها،
فاح من الورد ومن بركة الماء ومن الأحواض ومن أصص
النباتات المحتشدة بين أرض الدار والليوان. فاح من
بيت لم ير شبيها له من قبل. قال له أبوه: قبّل خالتك!
فاقترب منها، وفتحت هي ذراعيها له. ارتعش؟ خالته؟
هذه المرأة البضة البيضاء الرخية خالته؟ كل مافيها
سعيد ومستريح. كل مافيها نعمة. كانت مختلفة عن
النساء اللواتي رآهن في بلده. وكل ماحولها مختلف.
عاد
من تلك الجنة مع أبيه إلى بلده. سألته أمه: ماذا
رأيت، أين كنت؟ قال لها: زرنا خالتي. خالتك؟ شكلها؟
كيف رأيتها؟ وصف قيس المرأة البيضاء البضة الرخية.
وصف البيت. قبّلتك؟ في الأيام التالية ظهرت حبوب
حول فم قيس. فأمسكت أمه بفرصة لن تضيعها! هذه الحبوب
دليل مرض جنسي! طبعا تنتقل الأمراض الجنسية
بالملامسة! بدأ قيس مساراته إلى الأطباء في حيفا
وطبرية. وسار معه أبوه الذي وقع في المصيدة. لم تضيع
أمه الفرصة! جرّت زوجها كأنها تقتص منه.
انحاز
قيس إلى أبيه في تلك الأيام، وفقدت أمه سحرها الذي
بهره في الحمام. لمس غضبها عليه لأنه يرافق أباه.
قالت: يربيه أبوه كي يكون مثله! وقالت: لو لم أسأله
عمن رأى لما باح لي بتلك المرأة! شعرت بانبهار قيس
بمغامرات أبيه. هما حزب واحد! فليأخذه! فهم قيس أنها
أبعدته. وستر ظمأه إلى الأم بالتكبر. وأنسى نفسه أنه
حتى في تلك الأيام تمنى أن تضمه إلى صدرها!
فهل
أبعد عنه في جلافة النساء اللواتي أحببنه، لأنه كان
ينتقم من أمه التي لم تفهم شوقه إلى حنانها؟ هل تعلق
بكونستانس، وعمرها ضعف عمره، لأنه شم فيها أما؟
وبدالّة الإبن طلب أن تستقبله مع ايرينا في بيتها،
وأعجبه أن تقول لها: أنت الآن صاحبة البيت فأرجو أن
تقومي بواجب ضيافة قيس؟ لا! لايستعاد حب الأم الذي
حرم منه. هناك، تحت الخروبة الوارفة، في البيدر،
تحت الزيتونة، تحت السقف العقد، كان يريد أن تحتضنه
أمه، وتشبعه من حبها! وهناك لم يحدث ذلك!
لم
تستوقف أبا قيس إلا برهة جولات زوجته بين الأطباء
لتتهمه بعلاقاته بالنساء! عاد إلى الديوان! وكان
يستمتع برواية الحوادث القديمة روايات متنوعة كي
يمتع أصحابه. يقول لهم: نقلب حكاية تعرفونها كي
نجددها! في إحدى رواياته فسر لماذا سمى ابنه قيسا:
قال لي الشيخ، كي يعيش غيّر اسمه! سألته، أي اسم
يهبه العمر الطويل ياشيخنا؟ غرق الشيخ في التفكير.
كان في شبابه يحب فتاة اسمها ليلى يصادفها على حافة
طريق العين. كاد مصير الشيخ يشبه مصير مجنون ليلى لو
لم ينتقل من القرية! لايعرف أحد سر الشيخ! التقط
شيخنا فرصة أن ينادى شخص في قريته "قيسا"،
فيذكره بأيام شبابه! قال الشيخ، قيس عند العرب
أسطورة. سمّوه قيسا لعله يعيش بمقدار ماتعيش أسطورة
قيس! على كل حال، يعرف شيخنا أنه هو الذي سيعلّم
ابني، مهما كان اسمه! ألم يقل هارون الرشيد للغيمة،
اذهبي فأينما هطلت أتى إلي خراجك؟!
ابتسم
أحد أصحابه: قبلنا الرواية! مع أن الشيخ قال إنك أنت
اخترت الإسم! لايخطر لغيرك مثله! فهم أبو قيس الوخزة
فقال: هنيئا للقادر!
في
صفورية التي يسكنها خمسة آلاف شخص تقريبا، مدرسة
الخطيب حسن حلابو، ومدرسة الخطيب الشيخ يوسف.
ومدرستان أميريتان واحدة للبنات وواحدة للبنين.
التعليم في مدرسة الذكور من الصف الأول إلى الصف
السابع، طلابها من صفورية والقرى المجاورة. بعد
المدرسة ينتقل الأولاد إلى مدارس الناصرة أو القدس.
وقد تنتقل البنات إلى مدارس راهبات الناصرة. لن
ينتظر أبو قيس سن دخول قيس إلى المدرسة! فليدرس عند
الشيخ الخطيب! أغرق أبو قيس الشيخ بهباته فأصبح
الدرس لقيس. من بقي من التلاميذ يستمع الى مايقرأه
قيس أو مايشرحه الشيخ لقيس! فحفظ القرآن قبل
السادسة من العمر، وحفظ بعض الشعر.
لم
يبق عند الشيخ مايقدمه لقيس ذي السادسة من العمر.
كبّره أبوه في النفوس سنة، وقدمه للمدرسة: هاهو في
السابعة من العمر! ماذا يفعلون في الصف الأول
بتلميذ حفظ القرآن؟! سيحرج المعلم لأنه سيهمس
للتلاميذ بما يعرفه! المدرسة ليست زريبة للأولاد،
بل مكان للعلم! امتحنوه! فوضعوه في الصف الثالث!
وقرّب ذلك رحيله من بلدته.
سأل
أبو قيس صديقه المعلم شكري يوم أنهى قيس المدرسة:
مارأيك؟ هل نرسله إلى كلية في القدس أم إلى
الناصرة؟ رد: الناصرة قريبة، وفيها أقربائي. لن
يشعر قيس فيها بالغربة. سيعنون به ولو كان
"داخليا".
ياأبا
قيس، يفرحك أن يشعر قيس بأنه رجل قبل الأوان! يطربك
طموحه إلى حياة واسعة! تحمّل إذن! قرأ قيس إعلانا في
الجريدة عن الحاجة إلى موظفين للبريد في حيفا. فقدم
طلبا للوظيفة دون أن يستشير أحدا. ظهرت النتائج،
نجح! سينفق على نفسه كالرجال! سيكون موظفا ذا هيبة!
جنّ
أبوه عندما وصله الخبر. موظف في هذا العمر؟! نرصف
أحلامنا بأولادنا حجرا فوق حجر فتسوقهم أحلام أخرى!
لايهمه مصير ابنه الأصغر. لايبدو فيه ذكاء لمّاح.
لكن قيسا يجب أن يكرّس لمصير عظيم! شرط ذلك: العلم!
نعم، جنّ أبو قيس! لاشيء ولاأحد يمكن أن يهدئه! جرّ
قيسا إلى شجرة الزيتون في بستان البيت وربطه إليها،
وهدر: سيعاقب كل من يقدم لقيس طعاما أو شرابا! ضربه.
ضربه انتقاما مما يخفيه في رأسه الصغير، انتقاما
منه لأنه هدم الأحلام الكبيرة به، وعقابا على
إهماله الدلال الذي رفل فيه. ضربه من كل قلبه. وضربه
انتقاما من نفسه لأنه اضطر إلى ضربه! وفي البرهة
التي تركه فيها مربوطا إلى الشجرة تمنى أن يرجوه
جار أو صديق: فكّه! وتمنى أن يقول له قيس: أخطأت!
انصرف وفي غضبه الهائج ألم لأنه ضرب ابنه المفضل!
بقي
قيس مربوطا إلى شجرة الزيتون من الصباح إلى المساء.
شعر بالقهر أكثر مما شعر بألم الضرب والجوع والعطش.
في المساء أتى شكري وفكّه من الشجرة. سمعه قيس يقول
لائما أباه. ماهكذا يعامل قيس! ناقشه وأقنعه! وهل
يرضى شاب ذكي مثل قيس أن يترك المدرسة ليغلق
مستقبله بيده! فهم قيس أن شكري لايحدث أباه فقط، بل
يحدثه أيضا. مسّته كلمات شكري: "يغلق مستقبله"!
قيس الذي يريد الدنيا في راحته، يغلق مستقبله؟
ماهذه الوظيفة التي بهرته بوجاهتها؟ يريد أن ينطلق
بعيدا عن البيت؟ الدراسة خارج صفورية تطلقه إلى
مدينة أرحب من قريته ذات الخمسة الآلاف شخص! آه،
ياقيس لو عرفت أنك ستحرم من قريتك وأنها ستصبح ذات
يوم أنقاضا لما ضقت بها! ستتمنى ذات يوم أن تعود
إليها لتمشي في الطريق قرب النبع!
في
تلك الأيام صار شكري يزور أبا قيس يوميا، وينادي
قيسا ليتحدث إليه. سمع قيس اقتراح شكري: سأسجله، إذا
وافق، في المدرسة الثانوية في صفد. هناك أقرباء
زوجتي، بيت الحاج عيسى. سيكونون مثل أهله، يقصدهم
متى رغب، ويطلب منهم مايطلبه الولد من أهله. لن يكون
غريبا في صفد!
لكن
قيسا كان قد جرح جرحا عميقا. أبوه الذي دلله وفضله
على أولاده يضربه؟ يضربه بقسوة كأنه ينتقم منه؟ عرف
أهل البيت وعرف شكري أنه ظل مربوطا طول النهار إلى
شجرة الزيتون كما تربط الدواب! هل يستطيع قيس أن
يتحمل ذلك القهر؟
السلاح
ممنوع على العرب. يعاقب الإنكليز من يجدون عنده
رصاصة عقوبة صارمة قد تكون الأشغال الشاقة المؤبدة
وقد تكون الإعدام. لايبالي اليهود بذلك. يكدسون
الأسلحة ويصنّعونها في معامل السلاح السرية في
مستعمراتهم. يستوردونها بالبواخر مموهة. يحملون
الأسلحة باسم الشرطة وباسم حرس المستعمرات
الشرعيين ويهربونها. ينتج اليهود ذخيرة لرشيش ستن.
يستخدمون في ذلك الآلات القديمة التي نقلت من
بولندا وبريطانيا وخلّصت من مستودعات ميناء بيروت
كآلات صناعية بمساعدة البريطانيين. ينتج اليهود
الرصاص من عيار 9 مم. لديهم بناء لإنتاج العيارات
النارية بنته الهاغانا على عمق خمسة أمتار ونصف،
مغطى بالتراب، يدخل ويخرج منه العمال من مصبغة
ومخبز تابعين للكيبوتس. أنتجت معامل السلاح
اليهودية في سنة مئة مدفع هاون، و44,500 قذيفة هاون.
أنتجت رشيشات، وقنابل يدوية، 53 ألف قنبلة. يجوب
موفدو اليهود الولايات المتحدة ويشترون بأثمان
رمزية معامل للسلاح. يشترون الآلات باسم تجار يهود
وبأسماء شركات عربية وهمية. وترسل الآلات كأنها
آلات صناعية عادية إلى عناوين مشاريع صناعية. تنزل
في ميناء حيفا وينقلها عمال عرب. في اوربا اشترت
الوكالة اليهودية السلاح وخزنته في مخبأ في
مارسيليا. أرسل الجنود اليهود في الوحدات
البريطانية شحنات من السلاح، أيضا. تحرس الفرقة
اليهودية التي تعسكر في بلجيكا، مخابئ السلاح
السرية. في تولوز بفرنسا "مخبأ العناية بلاجئي
ويتامى الحرب" بناه أعضاء الحركة المعادية
للنازية. هناك مخبأ الأسلحة. بعد الحرب، ستنقل
الأسلحة من بلجيكا في قوافل كأنها تنقل لاجئين
يهودا من ألمانيا بسيارات الفرقة اليهودية إلى
مرسيليا تتقدمها دراجات نارية.. ستسير ثلاث قوافل
إلى مرسيليا وتولوز وفيلنوف. وعندما يكشف الأمن
الفرنسي مافيها من أسلحة سيصرخ الصهيوني المسؤول
عنها متهما من يعرقلونها بالعداوة لليهود: قتل ستة
ملايين يهودي في اوربا.. الشعب اليهودي في إسرائيل
صمم على الدفاع عن نفسه! فتمر شرط أن يكون مرافقوها
بزي عسكريين بريطانيين. صفقة مهمة: 300 مدفع برن، 600
بندقية بريطانية، 300 مسدس، مدفعان مضادان للدروع،
500 رشيش ستن، 4,15000 رصاصة.
تفتح
اعتمادات في المصارف، ويتنكر اليهود باسم رجال
أعمال عرب. يخفى السلاح داخل مراجل بخارية، آلات
إسمنت، هيئت في ورشة ووضب فيها السلاح. في ميناء
حيفا تسلم إلى الهاغانا.
العرب؟
يستطيعون فقط أن يخفوا مسدسا هنا وبارودة هناك!
وبعض الفشك! لدى أبي قيس مسدس. يعرف قيس مكانه! مخبأ
في حظيرة الغنم، في فجوة في الأرض مغلقة بحجارة.
أخرج
قيس المسدس من الحظيرة، جلس تحت شجرة الزيتون التي
ربطه أبوه إليها. في تلك البرهة لم يفكر في قريته أو
في البلاد. فكر في نفسه. بدا له أنه اكتفى من القهر.
وأنه سينتقم من الظلم الذي وقع عليه، من أحلامه
الواسعة التي لايدري هل قصد أن يحققها بوظيفة في
البريد وبهجرة إلى بلد كبير مثل حيفا أم كان باحثا
تائها عن الطريق إليها. يريد أن ينهي الاضطراب الذي
يشعر به الإنسان الحساس عندما يقف على التخوم بين
مرحلة من حياته ومرحلة أخرى مجهولة. يريد أن يقطع
بحدّ باتر الأمس المعروف عن الغد المجهول. في تلك
البرهة أحب الحياة إلى حدّ مؤلم، إلى حدّ أنه يرفض
ألا تكون كما يريد تماما. مع أنه لايعرف بعد كيف
يريدها أن تكون. يعرف فقط أن الحاضر انتهى
والمستقبل غائب. جلس إلى شجرة الزيتون التي ربطه
أبوه إليها، وتجولت نظرته في البستان دون أن يرى
شيئا منه. رفع المسدس بيده وسدده إلى صدغه، وضغط
الزناد. سمع الزناد، لكن الرصاصة لم تنطلق. أنزل
المسدس وتفرج عليه. مد ذراعه وضغط الزناد في الهواء.
انطلقت الرصاصة، فذهل. سكن. لماذا لم تنطلق الرصاصة
على رأسه وانطلقت في الفراغ؟ وضع المسدس إلى جانبه.
وغمره شعور غريب لايستطيع أن يحيط به. رهبة مشوبة
بالفرح، اضطراب مشوب بنبوءة غريبة. لم تنطلق
الرصاصة من المسدس لأن عمره يجب ألا ينتهي الآن! لأن
القدر يريده أن يعيش تجربة لم يعشها بعد! قدّر له أن
يحقق أمرا لاأحد يعرفه بعد! سيظل هذا الشعور يلازمه
طول حياته، ويتقدم لينجده في أيامه الصعبة. عندما
أتى شكري قال له قيس: أقبل ياعمي أن تسجلني في مدرسة
صفد الثانوية!
غاب
عنه ذلك الشعور وقت أحب شهرزاد. وكان يومذاك أيضا
على تخوم أخرى. لكن ذلك حدث فيما بعد.
أدهشته
صفد يوم وصل إليها في الصباح. كانت الشمس تتوهج على
عشرات النوافذ في بيوت من الحجر الأبيض وسط الخضرة
على جبل مرتفع. تبع إشارة أبيه: حارة الأكراد، حارة
الجورة، حارة البرج، حارة السوق.. وهناك قلعة صفد
التي استردها صلاح الدين من الفرنجة يوم استرد قلعة
كوكب. واستردها بعده الظاهر بيبرس. دفن بيبرس
شهداءه في ظاهرها واستقدم البنائين من دمشق
ليعمروها، واشتغل معهم بنفسه. بعد ذلك العمل الصعب
نقشت قطعة صغيرة من الحجر تذكّر بأنه خلصها من
الفرنج الملاعين. لكن الزلزال هدمها فيما بعد.
سكن
قيس مع الطلاب الغرباء في البناء الضخم الذي كان
سرايا وكان في أيام الحرب ثكنة عثمانية، ويسمونه
"المنزل". لم يشعر بالغربة، بل كان سعيدا
بحريته. رتب على السرير فراشه، وفي الخزانة ثيابه،
وعلى الطاولة كتبه ودفاتره. تجول في "المنزل"
مستطلعا، وخرج إلى المدينة. اكتشف فيها الطريق الذي
يتنزه فيه أهلها في المساء دائرين حولها. والأزقة
الضيقة المرصوفة بالحجر الأسود. أحب صفد الجبلية.
من أرض القلعة أطل على جبل الجرمق في غربها، أعلى
جبل في فلسطين، وعلى جبل طابور في جنوبها. هناك في
البعد جبل الكرمل وبحيرة طبرية وجبال حوران
والجولان. في الدفتر على طاولته في "المنزل"
حدود قضاء صفد: قضاء مرجعيون في شماله، قضاء طبرية
في جنوبه، قضاء القنيطرة في شرقه، وقضاء عكا وصور
في غربه.
تجول
قيس في الأسواق التي تعرض الخضار، واشترى الليمون
الحلو المقطوف من وادي الليمون. وفي يوم الجمعة نزل
مع الطلاب إلى وادي الطواحين، ومشى بين أشجار
الفواكه. "تأتي مياه وادي الطواحين من نبع قرية
ميرون ، وتصل إلى طبرية. تدير طواحين أهل صفد هنا. في
الموسم نقطف من هذه الأشجار التوت والخوخ". أعجبه
وادي الطواحين فغنى "حول ياغنام حول، بات الليلة
هين". ففاجأ زملاءه بحلاوة صوته. صمتوا مستمعين
إليه. ومنذ ذلك اليوم في وادي الطواحين صار شريكهم
في نزهاتهم. رافقهم إلى قرى صفد، بيريا، الجاعونة،
الجشّ، سعسع، الصفصاف، قدس، ماروس، ميرون. يريد أن
يرى كل شيء، ويلمس الأنهار والجبال والشجر! لو تؤكل
لأكلها! لو تحتضن لاحتضنها! قال له يسار: ياقيس،
تريد أن تشربها كلها؟ كأنك ستتركها غدا!
خلال
تلك النزهات، استصفى قيس من زملائه في الصف يسارا،
شابا أشقر مهذبا مرحا من أهل صفد. دعاه يسار مرات
ليتغدى عنده في أيام الجمعة. فرأى صورة أبيه في إطار
من خشب، وبعض الأوسمة على طاولة مرتفعة تحت الصورة،
وشهادات مكتوبة بالتركية بأحرف عربية. كان أبو يسار
قاضيا في صيدا وعجلون. درس في صفد ثم في بيروت ثم في
القدس ثم في استنبول. التحق بفيصل ورجع إلى بلده بعد
دخول الفرنسيين إلى دمشق. وكان مرة رئيس بلدية. وحضر
المصالحات والأعراس والمآتم. قال قيس وهو يتفرج على
الكتب المصفوفة على الرفوف، والشمس تتوهج على
الثريا الكبيرة: يعجبني بيتك يايسار! رد يسار: البيت
الذي نسفه الإنكليز كان أجمل! لكن قيسا لم يكن رأى
بعد أجمل مافي البيت: أخت يسار، أميرة. فهم قيس ذلك
عندما دخلت تحمل صينية من الفواكه. تسمرت عليها
عيناه. بعد أسابيع صار الثلاثة يصعدون أحيانا إلى
السطح ويستمتعون بالمطل على القرى والطرقات التي
تمتد تحت صفد. ويجلسون أحيانا على طراحة قرب القماش
الأبيض الذي نشر عليه العدس والبرغل، ويتحدثون
سعداء بأنهم معا. شعر قيس بأن زميله لاحظ أن أميرة
تستهويه وأنه يرحب بذلك الهوى ويحرسه. لم تعد صفد
لقيس مدرسة فقط. أصبحت زملاء العمر الجميل، وبداية
حب يرجفه الشوق كما يرجف النسيم ورق الليمون
الحلو.
تعلن
أميرة وهم على السطح متى ستزور أختها. تنتقي وقت
الزيارة بعد المدرسة. فيفهم قيس الموعد. بيت أختها
مقابل "المنزل". يسرع قيس إلى الدكان المجاور
"للمنزل" منذ يلمحها، مستعدا لشراء أي شيء
لايحتاجه. يطلب أقلاما أو سكاكر أو صابونا من صاحب
الدكان، وتقف هي قربه لابسة عباءتها الصفدية
البرتقالية المخططة بخطوط سوداء. تمتد بينهما
البرهة التي يدير لهما فيها صاحب الدكان ظهره باحثا
عما طلبه قيس. فتفتح أميرة عباءتها لمحة خاطفة
وتريه عنقها وصدرها، كأنها تفتح باب الجنة له.
أميرة
في عمره، شقراء، في وجهها الأبيض ضوء، رضا، سعادة
هادئة بالصبا. يطلب قيس شيئا آخر من البائع، لتطول
وقفتهما معا. ثم تستدير أميرة إلى بيت أختها، ويظل
واقفا أمام المنزل حتى تغيب خلف الباب. يعود إلى
"المنزل" مسحورا بحركة الملاءة التي كشفت جزءا
فقط من قدها الذي يراه عندما يزور زميله في بيته.
ينظم شعرا فيها ويقرأه لزميله في الغرفة. منذ تلك
الأيام كان ينشر عواطفه لأصحابه ويستمتع بها وهو
يعرضها!
من
يحفظ سر حب بطلاه في بلدة صغيرة؟ انتشرت قصيدة قيس
في أميرة بين أصحابهما، ووصلت إلى أخيها وحطّت على
طاولة الأستاذ. ابتسم أخوها، وكتم السر. قال
الأستاذ لقيس: اقرأ علي شعرك! شعري؟ نعم آخر قصيدة
نظمتها! ارتبك. اقرأها! قرأها مترددا. راقب قيس
قصيدته على وجه الأستاذ. وفي نهاية القصيدة كان
ينشد حرا ويهب الكلمات روحها. ماذا تعني الأطياف
السعيدة على وجه الأستاذ؟ الفرح بتلميذ يجيد صياغة
الهوى في هذا العمر؟ نضارة الشباب؟ أم ذكرى حب بعيد
جرف الأستاذ في صباه؟ هب نسيم على الأستاذ
والتلميذ. وبقيا صامتين زمنا. لكن قيسا لم يشعر
بارتباك من ذلك الصمت. فهمه، مع أن الشباب يحبون
التدفق الذي يحرق الساعات. سمع كلمات الأستاذ قبل
أن يعلنها! سمعها في رضاه. "ياقيس اكتب دائما!
لاتكتب فقط وقت يدفعك الهوى أو القلق. أتمنى أن يكون
الشعر هو الريح التي تدفعك لتجعل النسمة
مركبا!"
تحوم
الكلمات التي يسمعها الشباب. لاتبحث عن مكان تحط
فيه! فالدم الحار عاصفة، والثقة بأنه سيصوغ حياة لم
يصغها أحد قبله هي التي تدفعه. تطير الكلمات التي
يسمعها الشباب كالحمام حوله حتى تصادف سطحا تحط
عليه ذات يوم. هل سيكون قيس من الناس الذين يثبّتون
حياتهم بكلام مكتوب، أم من الذين ينثرون حياتهم في
الفلاة كبذور زهور الربيع؟ أيهما تختار ياقيس؟
أتكون محراثا يشق التراب، أم طائرا مغردا ينتقل من
أغصان إلى أغصان؟
رغم
إعجاب قيس بصفد كانت تبهجه العودة إلى صفورية. يحب
الطريق! يركب من صفد باصا من باصات شركة أبي عثمان
الأسدي. يمر بالجاعونة، جب يوسف، سعيدة. وينزل في
طبرية. يتجول فيها على شاطئ البحيرة. يقفز على درجات
المقاهي إلى الشاطئ. يبقى هناك حتى موعد الباص من
طبرية إلى الناصرة. ثم يركب باصا من باصات شركة
ايفيد الإسرائيلية أو باصات العفيفي. ومن الناصرة
يركب باص شركة العفيفي إلى صفورية. بين الناصرة
وصفورية طريق حلزوني جبلي يمكن أن يقطعه ماشيا في
ساعة.
سكن
قيس في غرفة مع صديقه صبري الحمود في "المنزل"
الذي يسكنه الطلاب الغرباء. بناء قديم من طابقين. في
الطابق العلوي غرف للطلاب والأساتذة. وفي السفلي
باحة واسعة، وقسم فيه خزائن للطلاب، يضعون في أكياس
فيها ثيابهم فتغسل وتنشر. قرب "المنزل" بيت أخت
أميرة، ودكان أبي ناظم حيث تتوقف أميرة ويتوقف قيس
ويتبادلان النظر وأبو ناظم مشغول بتحضير ماطلبه كل
منهما!
أمس
أتى أبو قيس إلى صفد، أخذه إلى دكان أبي رياض وطلب
منه أن ينتقي قطعة قماش، فاختارها قيس خمرية. قاس
أبو رياض ذراعي قيس وطول بنطاله. وقال له: تعال جرب
طقمك بعد يومين! ودع قيس أباه في ذلك الدكان مقابل
البريد، ومشى إلى "المنزل" تاركا البريد إلى
اليسار. مر بشركة باصات أبي عثمان الأسدي، وانحرف
نحو الجسر، ثم مر ببيت العسكري تحت القلعة مباشرة،
ثم ببيت زكي قدورة رئيس بلدية صفد، ودار مع الطريق
إلى "المنزل". لم يجد رفيقه صبري الحمود فركض
خارجا من "المنزل". يمر عادة بدار النقيب، ليصل
إلى مدرسته الثانوية، "كلية الجرمق". بين دار
النقيب وبين المدرسة ملعب واسع محاط بسلسلة من
الحجر، هناك توقف قيس. جلس على "السلسلة" مع
المتفرجين على مباراة كرة القدم. مقابل الملعب وادي
الطواحين. والمدرسة نفسها على مرتفع تطل منه على
وادي الطواحين. مدرسة قديمة من طابقين، ذات أقواس.
من صفد يمدّ قيس نظره كيفما تلفت. وكم يحب ذلك المدى
من الجبال والقرى والأشجار!
جلس
قيس على "السلسلة" التي تحيط بالملعب. تفرج مع
زملائه على مباراة بين الطلاب. أمامه ابن الأسدي،
صبي أشقر جميل. نط الصبي كلما أدخل هدف. كانوا جميعا
يلبسون كالطلاب بنطلونات قصيرة تظهر سيقانا مسمرة.
تساءل قيس مبهورا بجمال أهل صفد: هل يوجد فيها إنسان
بشع؟ مرت بينه وبين المباراة فتيات ونساء وأولاد
ورجال. بيت الأسدي، بيت الخضرا، بيت النحوي..... عيون
حلوة، قدود ممشوقة، وجوه بيضاء. انتبه إلى أنه
يستعرض الجمال لاالمباراة. فنهض مع أصحابه ومشوا.
لهم الطريق، والسماء، والأشجار، والحدائق التي
تحيط البيوت، لهم المرتفع والمطل على وادي
الطواحين والجبال. عادوا إلى العم أبي ناظم ليشتروا
من دكانه مايلزمهم لرحلة الغد إلى عين الزيتون.
ودعوا يوم الخميس بمباراة كرة القدم.
ذهبوا
إلى عين الزيتون مشيا. قطعوا المسافة إليها من صفد
في خمس وأربعين دقيقة في طقس حلو، لاحار ولابارد.
عين الزيتون، بين ميرون وصفد، على قمة شمال صفد،
كأنها ضاحيتها، على سفح وادي الدلب، الذي سماه
الجغرافي العربي القديم الدمشقي وادي دليبة. قال
يسار: يتدفق الماء من عين في الوادي ساعتين ثم ينقطع
فينتظره من يستسقي. ويظن الجاهلون أن الجن تحكم
ماءه. لم نعرف يايسار أنك موهوب بالخيال! إذا لم
تصدقوني انزلوا إلى هناك! سننزل في المرة القادمة!
عبروا بيوت عين الزيتون المبنية بالحجر، جامعها
ومدرستها. صادفوا حولها حجارة أثرية. لم يتوقفوا
إلا برهة أمام تلك الأحجار. فلسطين مليئة بها!
والتاريخ لهم فلماذا يفكرون فيه وهم في عمر الشباب؟
البلاد لهم، والزمان لهم! ولد آباؤهم هنا، ولد
أجدادهم هنا، وهذه الأحجار موجودة. لم تستوقفهم
لكنهم تنفسوا عبقها، استندوا إليها بظهورهم،
واتكؤوا عليها بأذرعهم وهم يمدون سيقانهم على
العشب الربيعي. تأملوا أزهار الربيع التي بدت من
بعد مساحات صفراء وبيضاء وحمراء. تلك الحمرة شقائق
النعمان! كم يحبها قيس! يقول اليهود إن المسيح سيظهر
هنا عندما يعود في آخر الزمان! يسمي اليهود القرية
عين زيتيم. عين الزيتون مرتفعة، يمر الطريق من عكا
إلى صفد تحتها. أمام قيس مساحات واسعة مزروعة
بالزيتون. في القرية 820 عربيا. لهم كل تلك الأشجار
التي يراها على مدّ العين. غابات من شجر الزيتون!
قرب الطلاب عين استقوا منها، لذلك لم يحملوا معهم
ماء في رحلتهم إلى عين الزيتون. فالنبع صاف، بارد،
طيب. جلسوا تحت شجر الزيتون، أطلوا على طيطبا
والجشّ. في الأسبوع الماضي رحلوا إلى قرية بيريا
التي تجاور عين الزيتون، أطلوا منها على صفد
وقابلوا جبل الجرمق من الغرب وانحدروا إلى واديها.
بيريا صغيرة، فيها 240 شخصا فقط، بيوتها من الحجر. في
الأسبوع القادم سيرحلون إلى الجرمق. سيرون منه حتى
حيفا! سيمدون أذرعهم ويقولون: هناك لبنان! ويصعدون
إلى القمة. في القمة فوهة واسعة كأنها فوهة بركان،
أحيطت بسياج خوفا على الحيوانات والناس. سيتوقفون
خلف السياج ويرمون في الفوهة حجرا وينتظرون زمنا..
ثم يسمعون صوت ارتطام الحجر بالماء. وسيقول شخص: هذا
الماء يجري حتى قبرص! هل كانوا يتصورون في ذلك العمر
أن إسرائيل التي لم تكن موجودة يومذاك، ستبحث
حقوقها في المياه وتفرض بالقوة أن تأخذ مياها عربية
من الليطاني ونهر الشريعة؟ لم يعرف قيس إلا فيما
بعد أن المذكرة الصهيونية إلى مؤتمر السلم في سنة
1919 طلبت حق اسرائيل في المياه، وإسرائيل لم تكن بعد
موجودة إلا في وعد بلفور! لذلك لم يشعر قيس في تلك
الأيام إلا بالفرح بالدنيا التي كان يراها. لم يعرف
بعد مايتركه الظلم من مرارة تشوب كل مايتذوقه
ويشاهده! استرخى كزملائه على حقوقه في بلاده وهوائه
ومائه، وتصور أن كل مايراه سيبقى موجودا حيث يتركه
وسيعود إليه وقتما أراد. |