الحارس أبو سويد هذا الرجل الطويل الأسمر
المعروق، هو الحارس الثاني في القرية منذ أن
استحدثت هذه الوظيفة، حيث سبقه في ذلك رجل حليق
الذقن والشاربين يميل لونه إلى الصفرة الدائمة،
ولم يبرح مهمته إلا بعد أن أرهقته السنون ولم يعد
قادراً على إعلاء صوته. والصافرة ذات الفم الأسود
المتآكل والخيط المتسخ التي يستعملها الحارس أبو
سويد هي ذاتها صفارة الرجل. ويُختار الحارس عادة من
الرجال العاطلين عن العمل والذين ليس لهم أراضٍ
تشغلهم عن القيام بواجباتهم وهم كما يبدو لهم
مزاجهم الخاص في مجالسة الناس وطقوس حياتهم وأوقات
نومهم، وسمرهم.
والحارس هو التابع أبداً لمختار القرية
ينفذ أوامره التي يتلقاها عادة من أجهزة الدولة
المختلفة، ويرافق رجال الدرك في الكثير من مهامهم
وتحرياتهم.
أما أجرته فيتقاضاها في نهاية الموسم،
وفق مقادير محسوبة من الحبوب، شأنه في ذلك شأن
المختار ذاته وشيخ القرية الذي يرفع الآذان في
أوقاته المحددة، وحارس2 الزرع الذي اصطلح على
تسميته(المخضِّر).
ويعرف جميع أهل القرية أن الحارس(أبو
سويد) يعشق الغجرية مريوم التي تحط رحالها عادة مع
أهلها على أطراف القرية، وما غاب لحظة عن القرية
ومجالسها إلا وكان هناك، يلاطفها وتلاطفه، يبلع
ريقه وتمتص شفتيها، يوقد نارها، وتوقد ناره... يبعث
فيها نار الأنوثة وتشعل فيه نار الأمل.
مرَّت أيام والمرشح عبود يقيم في مكتب
المقاومة لا يغادره إلا لتلبية الدعوات التي وجهت
إليه من معظم شبان القرية، وقد كانت البداية في بيت
المختار كما هي العادة دائماً، وفي بعض الأحيان كنا
نذهب إليه في مكتب المقاومة، ونمضي معه ساعات
طويلة، تستمر أحياناً حتى طلوع الفجر،... نسامره،
ونتحدث إليه عن همومنا.
وخلال هذه الفترة القصيرة صار قريباً إلى
قلوب الجميع، وغادرت وجهه ملامح التهيب التي
لاحظناها يوم قدومه، وقد استطاع بسرعة بالغة
استيعاب مشاكل الفلاحين وقضاياهم، ومصطلحاتهم،
وهمومهم، وبدا واضحاً التصاقه الشديد بنا،
واحترامه لمشاعرنا وأحلامنا ومعرفته الأكيدة
لشؤون الفلاحة والحصاد، وطقوس البيادر والمحاصيل.
إلى أن جاء اليوم الذي انتقل فيه إلى دار
العم أبو الزين حيث استأجر غرفة بعشر ليرات شهرياً.
كانت غرفة من الحجر السوري الأزرق،
وسقفها من أعواد القصب وأشواك البلان، ولها نافذة
خشبية تطل على طبرية مباشرة، وفي صدرها مرآة كبيرة
التصقت بالجدار وهي واحدة من غرفتين تتألف منهما
دار العم أبو الزين، وإلى جانبهما إسطبل كبير
للمواشي.
حمل العريف برهوم والعسكري سويلم حقيبة
المرشح عبود وبعض الأمتعة واللوازم التي تم
تأمينها من دكاكين القرية...
... صحون، وملاعق، وبابور كاز، وإبريق
وكاسات شاي، ومصباح كاز نمرة(4)، وبعض اللوازم
الضرورية الأخرى.
دخلنا معه أرض الدار، فاستقبلنا أهلها
كأحسن ما يكون الاستقبال، رحبوا به كثيراً كواحد من
أبنائنا...
تناولنا معاً كأساً من الشاي في أرض
الدار، تحت عريشة العنب التي امتدت أغصانها لتغطي
فناء الدار الذي انتشرت في جنباته الكثير من الصخور
العملاقة، وعلى أطرافها نامت بعض الوريقات
المتساقطة من العريش.
كان الوقت مساءً... وقد بدأت رطوبة الليل
تحمل رائحة الدار، التي امتزجت فيها نكهة خاصة لروث
المواشي وأوراق العنب المنداة المتدلية...
تبادلنا أحاديث كثيرة، دار معظمها حول
صاحب البيت وضيفه الجديد، حتى انكشف كل منهما
للآخر، عبر مشاعر المحبة والاحترام.
وحين هممنا بالانصراف، دخل المرشح عبود
غرفته الجديدة راداً خلفه باباً خشبياً، صرّ
صريراً خشناً متباطئاً.
... طارت عيناه في زواياها، أعاد ترتيب بعض
الأشياء، وقف أمام النافذة، أوغلت عيناه إلى
فلسطين التي بدت كتلة من لهب وسط ليل دامس... شاقه
المشهد كثيراً، ... هاجت به الذكرى،... حاول أن ينام،
فتح حقيبته لإخراج منامته،... تفحص الكثير من أشيائه
التي وضعتها والدته يوم قدومه، ... طالعته صورة
جميلة لخطيبته هدى، فاشتعلت ذاكرته أكثر... قرر
الكتابة إليها:
هدى حبيبتي:
كان من المفترض أن أكتب إليك فور وصولي،
لكن ظروف كثيرة حالت دون ذلك، ... وأرجو أن تصدقيني
أن وجهك كان يسابقني عبر سراب الطريق منذ اللحظة
الأولى التي توجهت فيها إلى هذه القرية الجميلة من
قرى الجبهة... كان وجهك يبدو لي راكضاً على السفوح
وذؤايات الأشجار وأطراف الصخور.
حين وصلت يا هدى تنازعتني مشاعر كثيرة من
الخوف والتهيّب والوحدة، لأول مرة أجد نفسي مع
العدو وجهاً لوجه، ولأول مرة أشعر أن مهمتي صعبة،
ولكن الآن وبعد مضي هذه الأيام، أصبحت في وضع أفضل،
بل صرت واحداً من أهل القرية، أعيش كما يعيشون،
وأحلم كما يحلمون.
اليوم يا هدى انتقلت إلى غرفة في دار العم
أبو الزين، لاحظي هذا الاسم... أبو الزين... وهي تقع
قبالة طبرية، من نافذتها يمكنك أن تشاهدي فلسطين
كلها... فلسطين جميلة يا هدى، آه لو تكوني معي الآن.
تصوري يا حبيبتي وأنا أكتب لك، الآن تبدو
أضواء فلسطين في مرآة غرفتي.
والعم أبو الزين الذي أقطن في داره الآن،
رجل عجوز يعيش مع زوجته وابنته فقط، وهو أعرج يتوكأ
على عصاه حين يمشي، وقد عرفت أن لغماً قد انفجر به
في منطقة الحدود، أما ابنته فاطمة فهي فتاة
جميلة(لا تغاري) وقد خُطبت لشاب منذ سنوات ولم
يتزوجا حتى الآن بانتظار المواسم القادمة حتى
يستطيع إيفاء مهرها.
المهر هنا كما هو الحال عندنا، نقود، أو
مواشي أو كميات من الحبوب، وكل ذلك يرتبط بالمواسم
والمحاصيل.
كل الأيام الماضية أمضيتها بين
الفلاحين،... وجوههم يا هدى كوجه أبي... ووجوه نسائهم
وجه أمي.
أما وجهك يا حبيبتي فأراه في وجوه فتيات
القرية كلها وعلى أجنحة طيورها وأشجارها
وأزاهيرها.
هدى:
سأكتب لك في الرسالة القادمة تفصيلات
أكثر....
أرجو أن تكتبي لي عن كل صغيرة وكبيرة...
وأرجوك رجاءً حاراً أن تزوري أهلي كلما
سنحت لك الفرصة... قبلي أمي... قبلاتي لكِ.
المخلص عبود.
* * *
رجال مع الفجر
مجموعات من الرجال، ومجموعات من البنادق،
ومجموعات من الرؤوس الملتفة بكوفياتها، وأشباح
متتابعة تمر سريعاً أمام أضواء النوافذ الخشبية
العتيقة فتبدو ظلالها على الجدران هالات كبيرة
متداخلة، ثم تعود كما كانت في ثوب الليل الذي هبط
للتو... وصدور عامرة بأحزانها وأحلامها وخيباتها
ومراراتها وحقدها ولهاثها، وأصوات أبواب تُفتح
وتُغلق، تصرُّ قليلاً ثم يغيب صريرها، ونوافذ
تنسرب أضواؤها ثم تختفي بعد إغلاقها وهمهمات رجال،
وهمسات نساء مسربلة بندى الليل... (مع السلامة، دير
بالك على حالك، انتبه جيداً، نحن بانتظارك... أغلقي
الباب جيداً، لا تنسي عشاء الثيران، تفقدي حظيرة
الأغنام، لا يصيبكم إلا ما كتب الله عليكم، ... سنعود
في الفجر، توكلي على الله لا يفلح الأرض غير
عجولها، ... لن نرتاح ما دامت البلاد والعباد على ناب
ذئب... تصبحون على خير....).
أصوات أحذية، بساطير فرنسية قديمة توّقّع
لحناً خاصاً على حصى الطرقات والأزقة، وأحذية
كاوتشوكية لها دبيبها المميز وحفيف معاطف وسراويل،
ولغط عميق... عميق تردده خيوط الليل،... ثم يغيب كل
ذلك بعيداً بعيداً في تجاويف الصخور ومداخل
الطرقات ومنعرجاتها، وفي بطون الأودية، والشعاب
الوعرة وعلى جنبات السواقي والينابيع، إلى أن تصبح
كل العيون في اتجاه واحد وإن اختلفت مواقعها.
العريف برهوم والعسكري سويلم يقطعان صمت
المرشح عبود خلف منضدته في مكتب المقاومة الشعبية.
سيدي... لقد التحق كل الرجال... عشر
مجموعات، توزعوا جميعاً من الكمين(1) وحتى الكمين(10).
نعم سيدي في الأماكن المحددة تماماً.
هذا يعني أن المنطقة كلها صارت تحت أعين
الرجال...
نعم سيدي كما أمرت.
* * *
(1)
أربعة أجساد، وأربع بنادق، اختفت في
تجويف صخرة عملاقة... أحاطت بها أشجار السدر والرتم
وأشواك المواسم وواحة من صخور كثيرة تداخلت
قواعدها، وتآخت أطرافها، وانفرجت رؤوسها في الكثير
من الأمكنة حتى بدت أكفاً في وجه الليل...
قال أبو العبد بعد أن استدار في المكان:
هذا المكان مناسب تماماً، وانفراجات الصخور كافية
كما أعتقد لنرى كل الطرقات والمعابر...
عقب سالم الوحش وهو يتفحص مكانه جيداً:
حتى لو لم تكن انفراجات أو فتحات كافية، فنحن نعرف
كل شيء دون أن ننظر إلى أي اتجاه...
.... الطرقات نعرفها، وحيوانات البر نعرف
وقع أقدامها وأنفاسها وهي في حالات لهوها أو
استنفارها، وهواء الليل، وحفيف الأشجار تعمر به
صدورنا، ولا يمكن لأي شيء غريب أن يخالطها دون أن
نحسَّ به، وحركات النجم في مداراتها، وشهب السماء،
عشنا معها أيامنا وليالينا، أليس كذلك يا أبو
العبد؟.
كيف لا يا سالم وقد أمضيت عمرك صياداً
ماهراً، لقد عشت في البراري أكثر مما عشت في دار
أبيك. حيوانات البر تعرفك جيداً...
قامتك القصيرة، وخصرك النحيل، ووجهك
الأسمر المعروف، وعينيك البراقتين كسراج في ظلام
الليل، وفخك الحديدي المسنن.
القصة ليست قصة صيد وعيش في البراري، وأنا
لست الوحيد في ذلك.
... كل أهل القرية هكذا، ...
تململ أبو قاسم وهو يحاول عنوةً أن يسوّي
مكانه... ثم همس.
والله لا أدري ماذا سنفعل؟ ... العمر كله
صار أسود، هذه هي آخر أيامنا... برهوم وسويلم يريدان
أن نحارب، لقد نسي برهوم حذاء أبيه الممزق، والرقع
الملونة على أردافه، ... ونسي سويلم أبو القمل أنه
أمضى عمره خادماً في عريشة البيك، ... معلوم... اليوم
صار يلبس الخاكي ويحكي نحوي، ويتآمر على الناس...
تفو على الدنيا... قال ذلك وقد بدأ صوته بالارتفاع.
قال أبو العبد: اخفض صوتك يا رجل، هل تظن
أنك في المضافة؟ نحن هنا في كمين... يعني لا صوت، ولا
همس، ولا سيجارة تشتعل، حتى أنفاسكم يجب أن تقبضوا
عليها في صدوركم... كل شيء بمقدار، وبرهوم وسويلم
وعبود هم أبناؤنا وإخوتنا، وإذا حاربنا فسنحارب
معاً، وسترى... اسكت الآن، لكل منّا عمله ومهمته.
أردف عطا الله هامساً: المسألة ليست مسألة
عبود وسويلم وبرهوم، المسألة أكبر من ذلك بكثير، ...
نحن أبناء البلاد ونعرف تماماً كيف تجري الأمور لقد
مرَّ على رؤوسنا الكثير، ... الله يجيب العواقب
سليمة... دخيلك يا رب، الحجر الذي أستند إليه أكل
ظهري.
خذ مكانك جيداً، يا عطا الله... اسحب قدمك
قليلاً، واحتضن بندقيتك.
هه... أيوه... يارب... الآن ماشي الحال... آخ من
فلسطين ثم أغمض عينيه مستسلماً لندى الليل.
تابع أبو العبد: إذا أردت أن تشخر كما هي
عادتك فلا تنم.
شخيرك سيفضحنا... انتبه لذلك جيداً.
حاول أن يضحك، لكنه ابتلع أنفاسه، فصارت
همهمات متلاحقة ما لبثت أن سرت على شفاه الرجال...
فاهتزت أكتاف، واهتزت بنادق، ونفرت دموع، وغابت
الهمهمات في الصدور...، أغمض عينيه من جديد... نحن هنا
نأكل المر، والراديو في مضافة المختار يحكي على
كيفو.... آخ من فلسطين.
بماذا تهذي يا رجل؟ ... إذا أردت أن تنام
فلابأس... والله يا(أبو العبد)... اليوم وقبل أن يرتفع
الآذان كنت على البيدر أريد أن أنتهي، فمعظم
البيادر حولي كفكفها أصحابها، ومعظم المحاصيل دخلت
حواصلها...
(الله يعين من ليس له والي).... أنا متعب
جداً.
الولد صار عسكري، لا أدري أين أخذوه؟ ...
والله يا جماعة من يوم راح صار البيت مثل المقبرة،
... أنا والعجوز كل منّا ينظر في وجه الآخر...
الله يسهل عليه، كان عامود البيت... تركنا
وحدنا وراح... وأوصاني وهو يحمل حقيبته أن سميحة
ابنة عمه أمانة في عنقي.
يا جماعة والله أتمنى أن أخطبها له اليوم
قبل بكره، ولكن ماذا أفعل... العين بصيرة... واليد
قصيرة.
الله يرضى عليك يا ولدي أينما كنت الآن...
آه... أخذوا الولد ماشي الحال، أما أنا
أعمل كالعسكري؟!.
والله يا جماعة الحمل ثقيل...
يا أبو العبد أنت رجل متعلم... بالله عليك
أحكي مع المرشح عبود، قل له تعبنا، قل له، عطا الله
من عمر والدك فماذا تريده أن يفعل؟
كلنا مثلك يا رجل، توكل على الله، ... على
أية حال لابأس سنتقاسم الليل حتى طلوع الفجر.
هبط الصمت، وهدأت الأنفاس وتوحدت، وأوغلت
عينا أبو العبد في عمق الليل.
المنحدرات، والصخور، والمرتفعات، وأشجار
الصبار، والزيتون، والتين، تبدو الآن بأشكال
أخرى... تارة تبدو كتلاً سوداء ثابتة، وأخرى تبدو
وكأن أمكنتها قد تحركت قليلاً، أو أنها أكثر
ارتفاعاً أو انخفاضاً من ذي قبل، ... لليل عالمه
الخاص، ومقاييسه الخاصة أيضاً حتى المسافات في
الليل لها حساب آخر، ... أحياناً تعتقد أن شيئاً ما
قريب منك جداً، وحين تدقق يختلف الأمر تماماً، حتى
معاني الأشياء تختلف... قبل سنوات كنا نشعر أن
الجبال والأودية والأشجار والينابيع هي سر
سعادتنا، وها نحن اليوم ننظر من زاوية أخرى، فقد
يكون منها مقتلنا وتشردنا، ... حين يدخل الغريب
البلاد تختلف الحسابات.
قطع شروده شهاب هوى من قبة السماء، بدا
خيطاً من نار، كاد أن يصل الأرض بالسماء، واستمر
كذلك إلى أن هوى في قاع البحيرة.
تململ أبو قاسم من جديد... همس... أبو
العبد... أبو العبد أرأيت الشهاب الذي خر؟. نعم
رأيته، أما زلت مستيقظاً يا رجل؟.
حتى الآن لم أنم رغم تعبي... اللهم استرنا،
يقولون: إذا خرَّ الشهاب من السماء فإن ركناً من
أركان البلاد سيهوي.
لا علاقة لأركان البلاد بهذا الشهاب، ...
حاول أن تنام، ولا تقلق فأنا يقظ تماماً.
قال ذلك ومرَّ بأصابعه فوق أجزاء بندقيته
التي بدأت تختزن رطوبة الليل.
... في البحيرة ثمة أضواء حمراء تشع
أحياناً وتخبو أحياناً أخرى، ... تكون في وسط الماء،
ثم تصير على الأطراف، ثم تختفي، وتعود لتظهر بعد
قليل في مكان آخر، وأضواء البيوت في طبرية تنعكس
على الشاطئ الغربي وتمتد أحياناً حتى تصل وسط
البحيرة، وأضواء المستعمرات تلامس أطراف البحيرة...
أضواء حمراء وصفراء، وبيضاء ساطعة...
آه... في وسط المدينة كنت أقطن مع زملائي
أيام دراستنا في الكتَّاب.
... هناك، قرب المنارة الناهضة بالضياء،
ربما على يمينها قليلاً أو خلفها... المهم هناك، كنا
نذهب في كل يوم لتلقي علومنا، ... ثم مرت أمامه وجوه...
زملاء وأساتذة وشيوخ... استذكر نبرات أصواتهم،
وانفعالاتهم، وأحاديثهم، وذلك اليوم الذي دخل فيه
الإنكليز، وما فعلوه بالناس والبيوت، ... قتلوا من
قتلوا، وشردوا من شردوا،... وقدموا الأسلحة والعتاد
والحماية للعصابات الصهيونية... عندها غادرنا
المدينة وعاد كل منَّا إلى قريته... يومها خرجت أنا
وعبد الكريم وعوض وتركي ومحمود.... وآخرون، اجتزنا
الهضاب والأودية، والطرقات، ومسافات من الأشواك
والصخور حتى وصلنا إلى هنا. بينما كانت أعمدة
الدخان والحرائق تزحف خلفنا... وها أنا الآن أرقب
المدينة من بعيد!!... وهناك في المدن الأخرى والجبال
الأخرى لنا أيام وذكريات.
التهم بعينيه خيوط الضياء.
... صفد، والمجيدل، والغوير، وجبال
الجليل، والقرى والمزارع والخانات على الطرقات...
سمخ... آه يا سمخ... كيف ضاعت لا أدري وكيف سقطت لا
أدري؟!.
حين جاءت الجيوش العربية إلى قريتنا
والقرى المجاورة، قلنا جاء الفرج وعادت أمجاد
البلاد ولياليها المقمرة.
يومها دخلوا قريتنا ليلاً... سبعة جيوش،
قادتها وجنودها، وعتادها، وبغالها، وشاحناتها.
قالوا لنا: غادروا القرية فوراً، انقلوا
النساء والأطفال والشيوخ إلى الكهوف والأودية
المجاورة،... رحلنا جميعاً، القرية كلها رحلت،
ناسها، وأغنامها، وأبقارها وخيولها، وكلابها،
وفراشها.
انتشر الجميع تحت أشجار البلوط واللوز
والبطم والزعرور ولاذوا في الكهوف التي حُفر
معظمها بإتقان عجيب في أطراف الأودية والهضاب، صار
للأودية طعم القرية وحياتها وجلبتها، وأحلامها،
وأنفاس أهلها، وامتزجت الأصوات مع ليل الكهوف،
وصدى الصخور في قيعان الأودية البعيدة والقريبة،
وصار لبكاء الأطفال ليلاً، صدىً مسربلٌ بأضواء
النجوم وخرير الينابيع.
وهدهدة الأمهات، وتعويذات العجائز حول
فراش الصغار:
"حوّطتك بالله والشيخ حمد الرفاعي
من كل دبيب وساعي
قريب لايؤذيكم، وبعيد لا يأتيكم"
ودعاء النساء: يا ناصر الستة على الستين..
يارب
اجعل كيدهم بنحرهم... يارب حل عسيرها...
وظلت الجيوش في القرية والمزارع المجاورة
لها، كمزرعة عز الدين، ومزرعة العيون، ... اتخذوا من
بيوتنا مقراً لقادتهم، ومستودعات لإمدادهم
وتموينهم، ... كل شيء بحوزتنا صار لهم، محتويات
الحواصل والكروم والدكاكين والبهائم.
في اليوم الأول ونحن جلوس أمام كهف من
الكهوف، جاءنا ضابطان التقت على جبهتيهما سمرة
الصحراء. قالو لنا: نريد مجموعة كبيرة من الرجال
لترميم الجسر المؤدي إلى القرية من جهة الشرق كي
تستطيع عربات الجيوش المرور نحو فلسطين فوضعه
الراهن لا يسمح بذلك.
في تلك اللحظة نفر الجميع، شباباً
وشيوخاً ونساءً، ركضنا خلف الضابطين عبر الأشجار
والمنحدرات وقيعان الأودية، وظلت قمم الجبال تردد
صدى حناجرنا حتى وصلنا موقع الجسر.
حملنا الصخور، نثرنا السفوح، حفرنا أعماق
الأرض، توحدت أيادينا على صخور الجسر، صخرة فوق
صخرة، وحصاة فوق حصاة، ... وعلا حداؤنا غضباً
وتحدياً وإصراراً وأملاً...، وما إن انتهينا حتى
بدأت العجلات بالعبور، وعلى قرقعاتها طارت أحلامنا
حتى اجتازت المدى.
عدنا إلى كهوفنا وقد جاشت صدورنا بأعذب
الألحان، التي ما لبثت أن احترقت على دوي انفجار
عنيف هزَّ أركان الجبال.
ارتفعت ألسنة النيران فبانت أطراف
الأودية، وذؤابات الأشجار وتوالد الانفجار حتى صار
اهتزازاً عميقاً في بطون الكهوف التي نأوي إليها...
لقد دُمر الجسر، نُسف....؟!.
أحلامنا طارت مع حجارته، وحداؤنا احترق
على دؤابات اللهب والدخان، ومع كل ذلك حاولنا أن
نقبض على الأمل حين تقدمت جيوش الإنقاذ.
.... انحدروا من كل المعابر، ملأت جلبتهم
وأسلحتهم ونعالهم وأصواتهم كل الأودية والهضاب...
قصفوا كل(الكبنيات)... ووصلوا إلى سمخ،
كانت عيوننا وآمالنا تمتد وتمتد حتى تصل معهم إلى
الأمكنة التي وصلوا إليها، وأهدابنا ظلت مشبعة
بألسنة النيران واللهب والدخان والدماء والدموع...
ثم ما الذي حدث بعد ذلك لا نعرف؟!.
بقينا أياماً بلياليها ونحن ننقل جثث
الشهداء على ظهور البهائم، نفعل ذلك، ونحن نسمع
قصصاً وآهات وأوجاعاً.....
... سفينة تحمل السلاح للعرب تم شراؤها من
أوروبا، وبقدرة قادر غيّرت وجهتها إلى ميناء في
فلسطين؟!
... أسئلة كثيرة كانت إجاباتها واضحة وأخرى
لم نجد لها جواباً ربما حتى الآن!!. أينما اتجهنا كنا
نشتم رائحة الإنكليز، وكيفما سألنا كنا نشتم رائحة
الإنكليز أيضاً.
أما الأميركان فقد كان لرائحتهم طعم آخر،
فالطائرة ذات المحركات الأربع التي قصفت دمشق عام
1948 هي طائرة أمريكية، وُضعت بتصرف العصابات
الصهيونية... يومها ضربوا المدنيين، ولا زالوا
يفعلون ذلك حتى الآن.
وأقسم أنه لولا بعض المتطوعين من الشبان،
وبعض طائرات التدريب ذات المحرك الواحد التي قصفت
المستعمرات كنجمة الصبح والكرننيتا وروشبينا،
وبقايا بعض الأسلحة التي امتلكها السوريون آنذاك
لما استطاع جيش الإنقاذ أن يغادر أمكنته.
أضاعوها، وها نحن الآن نحصد زرعهم...! على
أية حال هذه الأيام مختلفة تماماً، فرغم بساطير
الانقلابيين الذين مرّوا، والتي لم تترك لنا فرصة
التنفس، فها نحن نحاول أن نطرد الخوف، ... نحاول أن
نحلم من جديد، نحاول أن نتنفس هواءً نظيفاً...
ارتفع شخير(أبو قاسم) من خلفه... نظر إليه،
... قرأ في وجهه كل الأيام التي مرت بذاكرته الآن...،
وعلى وجوه الآخرين أوجاع السنين، وخيوط الدماء،
وأحلامهم الكبيرة، وأفراحهم التي لم تكتمل
يوماً...، وتناهت إليه رائحة السنابل وندى الليل
تفوح من أرديتهم وكوفياتهم التي تلف رؤوسهم، مرت
بذاكرته وجوه كثيرة لها نفس الطعم، ونفس الرائحة.
ارتكزت عيناه على جبهة سالم الوحش التي
بدأت تلتمع تحت نثار القمر الذي بدأ النهوض ليلون
أطراف الليل بخيوط فضية هادئة... وضع يده على فمه...
تثاءب... ثم طيّر نظراته في فضاء الجبال، وعاد إلى
سالم الوحش... وضع يده فوق صدره، هزه قليلاً... ثم
همس... سالم... سالم...
(2)
القمر آخذ بالنضوج، وعلى أطرافه تلاقت
عيون الرجال، وفوهات بنادقهم، وربما أولئك الذين
يقفون على الجانب الآخر أيضاً، ... فإن لهم عيوناً
وفوّهات بنادق...، القمر لم يعد ملكنا وحدنا كما كنا
نشعر من قبل!
أحس محمود الشاعر بشيء من الخوف، أحكم
قبضته على بطن البندقية، الطرقات والمعابر
والأشجار والصخور وأطراف البحيرة صارت أكثر وضوحاً
الآن، والأماكن المعتمة بدأت بالتململ تحت غلالة
القمر...، قد يفضحنا الضياء...، ربما ساعدنا على
المشاهدة، لكنه يساعد الآخرين في الوقت ذاته. آه...
تذكر مطلع أغنية شعبية:
(يا قمر لا تفضح العشاق خليّ لثامك على
سنونك)
عاد إليه شيء من صفاء الروح، ونهض في
داخله قمر الذكريات...
لليالي المقمرة عالمها. ولا أدري لماذا
تصبح البحيرة أكثر عمقاً وأكثر اتساعاً في مثل هذه
الليالي؟!. رغم أني أعرفها كما أعرف جسدي.
... كنا في معظم الأيام نركب مراكب آل
سعدية، نحمل معنا ما لذ وطاب ونعود بما لذ وطاب، وفي
كثير من الليالي والنهارات كنا نسبح حتى ينفر الماء
من جلودنا... ورغم ذلك فهي الآن أكثر اتساعاً وأكثر
عمقاً!!!.
ولا أدري لماذا تتسع الأمداء، ويصير
الأفق بحراً يتصل بالسماء؟.
في عمق فلسطين تبدو الجبال وقد ارتفعت
قليلاً على صدر الأفق، وتنكشف رؤوسها تحت وميض
ينفلق تارة ويخبو تارة أخرى، ثم يعقبه دوي عميق
كالرعد آتٍ من بعيد، وتتوالد الاهتزازات لترتجف
الصخور ثم يرتد الصدى ويولد من جديد، ويصبح الأمر
واضحاً حين ترتفع قناديل الإضاءة، تظل معلقة في
السماء لبرهة من الزمن حتى تتلاشى، ويرسم دخانها
خطوطاً متعرجة وسط وهج القناديل التي ترتفع من
جديد.
آه... هذه مناوراتهم وتدريباتهم فهي لا
تكاد تنقطع ليلة واحدة...
والحكام العرب... آه من العرب!! حتى الآن لم
يفعلوا شيئاً!!.
دقق النظر في بندقيته... خمس طلقات... مشط
واحد فقط!!
لابأس فهي بندقية على كل حال...
تعلقت عيناه من جديد على امتداد فوهة
البندقية، ... بحيرات الأسماك التي بناها الخواجات
على ضفة البحيرة تلتمع متوازية على مساحات كبيرة من
الشاطئ، وفي الأفق البعيد يبدو جبل الطور ناهضاً
كأنه يريد الإفلات من الأرض، أو كأنه يشد السهول
والروابي نحو جنباته، وكتل الضياء تنهض في الأمكنة
كلها.
الأشجار صار لها أشكالٌ أخرى، وكتل
الصخور بدأت تنفض عن جنباتها سواد الليل، والقمر
آخذ بالاقتراب من قبة السماء.
وتل قصر يبدو خيمة سوداء وسط سهل فسيح...
لعنه الله على هذا التل، فمعظم الرمايات المعادية
تأتينا من خلفه في كل الاشتباكات التي خضناها حتى
الآن.
امتد بصره بعيداً بعيداً في عمق غور بيسان
الذي بدا سابحاً في عتمة داكنة موشاة بضياء
القمر...، تذكر الطرقات والأشجار والبيادر والسواقي
والكثير من الوجوه السمراء... ثم جالت عيناه أطراف
بلدة السمّرة وأفق بلدة التوافيق التي تمتد لتلامس
خاصرة فلسطين بل تتوحد مع فلسطين ...
تنهد... سقى الله أيام معركة التوافيق،
يومها ذبحنا منهم المئات، ارتفع صراخهم كثغاء
القطيع، ... كان الأمر مختلفاً جداً، يومها كانت
الجمهورية العربية المتحدة، قاتلنا نحن والمصاروة
بالسلاح الأبيض الجيش والحرس الوطني والأهالي...
معركة لن ينساها التاريخ.
... مرَّ في ذاكرته الكثير من وجوه الرجال
ونهض في داخله الكثير من الأحداث والكثير من
الوقائع، أحس بالدمع يسيل على وجنتيه، تذكر مطلعاً
لحداء شعبي كان قد صاغه يوم المعركة، يوم اشتعلت
الأرض والسماء بنيران القنابل ودوّت الانفجارات
كالرعد، وصار حداءً لكل الفلاحين في القرية:
( يا سلام السما شعل لهب ناره
مثل لمع البرق ورعود شتوية
زغردي يا مليحة يا أم السواره
زغردي للبواسل يا عروبية) .
لقد ولد هذا الحداء بوحي من حنجرة امرأة
أطلت علينا من أعالي الصخور...
كان الليل برتقالياً، ودخان القنابل يغطي
خنادقنا، ويختلط الدوي بأصوات الرجال وصيحاتهم،
وبين هذا وذاك كان يصل إلينا صراخ امرأة... يتردد
صداه عبر الجبال والصخور والخنادق يقترب حيناً،
ويبتعد أحياناً، ....، وحين بدأ الاشتباك بالسلاح
الأبيض، حتى لم نعد نسمع إلا الله أكبر، وصيحات
التحدي، وحشرجات الموت والخوف... صار الصوت أكثر
وضوحاً... سالم... يا سالم. يا ... محمود... يا حسن... يا
ولدي... لا تمت يا نشامى اذبحوهم... ثم يأتي سيل من
الزغاريد.
قال سالم: أقسم أنه صوت أمي، لقد زحفت من
القرية إلى هنا... يا إلهي... ثم أجهش بالبكاء،
وارتجفت يده على مقبض خنجره وهو يلتفت نحو الصراخ...
وحين تكاثفت قناديل الإضاءة... بدت لنا
امرأة... كتلة سوداء في أعالي الصخور المطلة على أرض
المعركة... أعتقد كل منا أنها والدته... واستمر
النداء مع سيل الزغاريد... آه... كاد أن يرتفع نحيبه
لكنه تماسك قليلاً، قبض على حزنه وصمته وحاول إخماد
نار صدره.
فرك عينيه بطرف كوفيته، نظر نحو القمر،
فبدا له مرتجفاً غائماً، فرك عينيه مرة أخرى، ثم
عاود النظر في أرجاء المكان الذي يطل عليه من فتحات
الصخور، بينما كانت أنامله تلامس زناد البندقية...
ليست معركة التوافيق وحدها... بعدها جاءت
معركة تل النيرب ومعارك الطيران فوق طبرية
والجولان، والاشتباكات اليومية على طول الجبهة،
وفي أعماق التاريخ حطين واليرموك وغيرها.
قطع شروده دبيب انبعث من بين الصخور
المجاورة، أصاخ السمع... اتسعت حدقتاه، ثم ضاقتا، ثم
اتسعتا من جديد، تلاشى الدبيب لحظة ثم عاد من جديد،
... صار أكثر قرباً، دبيب له وقع أقدام، ... استنفرت
حواسه، سوّى مكانه جيداً، أسند بندقيته إلى راحته
وعلى امتدادها، ...
تفحص الصخور، صخرة صخرة، خيّل إليه أنه
يسمع دبيب النمل، ... إحساس خاص يسيطر عليه الآن، وهو
يلتقط أنفاساً لكائن ما بين الصخور، قد يكون رجلاً،
أو ربما كائناً آخر... أو ربما...، وظل كذلك حتى برزت
له أذنان مرتجفتان لثعلب قلق، ينهض أحياناً، ويلوذ
أحياناً أخرى وكأنه قد اشتم أنفاس الرجال ورائحة
أجسادهم.
بلغ أنفاسه، وأمسك حصاة صغيرة.. قذفه بها...
فقفز مذعوراً وهو يطلق صوتاً: ط... وابتعد دبيبه بين
الصخور مخلفاً وراءه حركة الأعشاب اليابسة.
مالت شفتاه للابتسام، استرخى قليلاً...،
نظر خلفه، بدت له عيون الرجال وكأنها تنام على
أشياء كثيرة، ربما كانت ذاتها التي عصفت بذاكرته
الآن.
صدور ترتفع تارة وتنخفض تارة أخرى،
وأنفاس متعبة، بعضها خنقته أطراف الكوفيات
والأردية.
وضع يده على فمه في محاولة لخنق تثاؤبه ثم
همس:
عوّاد، ... عوّاد، هزه برفق... يا حاج عوّاد،
مرّ بأنامله فوق أنفه الخشن ولامس شعر لحيته
المتطاول نحو صدره، ... همهم عواد، فرك عينيه فتداخل
شعر حاجبيه مع أهدابه، حاول التناهض وهو يشد حزامه
الجلدي المهترئ... أمسك بندقيته، ....
آه ليلة مقمرة، لكنها متعبة، ظهري
يؤلمني، وعظامي تكاد تكون مفتتة، ... لعنة الله على
حمدان الكلب.
قال محمود الشاعر: وماشأن حمدان الآن
يارجل؟.
كان من المفترض أن يكون اليوم في هذا
الكمين، لكن حدث ماحدث ولا فائدة من الحكي الآن...
الله يلعن الفقر ويلعن ساعته.
قل لي يارجل ما الذي حدث تماماً؟ قل ولا
ترفع صوتك فأنا أسمعك جيداً...
ماذا سأقول يا محمود؟... حمدان يدفع لي
ليرة ونصف علي أن أكون مكانه في هذا الكمين واشترط
عليّ ألا أبوح لأحد بهذا الأمر.
لماذا فعلت ذلك ياعواد؟. ليست المرة
الأولى التي يفعلها.
أين العكروت... فعلها مع غيرك قبل ذلك...
ليرة ونصف يامحمود، ألا تعرف شو يعني ليرة
ونصف؟.
أعمل نهاراً كاملاً أو أكثر وقد أحصل
عليها أو لا أحصل.
وأنت أدرى الناس... الأولاد يامحمود
يكسرون الظهر.
وماذا لو علم المرشح عبود؟
لا أدري... لا أدري.. وأظن أن العريف برهوم
قد اكتشف ذلك، لكنه بلعها وسكت.
أصلحك الله ياعواد، سنكمل الحديث فيما
بعد... أما الآن فخذ مكانك جيداً وكن يقظاً فنحن في
مكان متقدم جداً كما تعلم... بضعة أمتار فقط تفصلنا
عنهم، هل تعرف معنى ذلك؟
أعرف... أعرف
ولكن لي طلب بسيط... أرجوك يامحمود، قال
ذلك وهو ينظر حوله في الاتجاهات كلها، همس محمود :
قل
عاود النظر حوله من جديد...
أخوي محمود أنا خرمان على سيجارة... أرجوك
لفّني بهذا الرداء،.... مجّة واحدة فقط ثم أرميها،
ووعد الحر دين.
أختنقت قهقهات محمود في صدره...
وهل تظن أنك أكثر رغبة مني؟. لكن الأمر
مستحيل، ربما كلفنا كثيراً.
لفني أرجوك، ثم أطبق على سيجارته بين
شفتيه، وبدا مرتجفاً ومتحفزاً وراح يفرك قداحته
بين راحتيه...
خنق رأسه بين ركبتيه... أخوي محمود مجّة
واحدة فقط. أرجوك.
بعد لحظات رفع محمود الرداء فارتفعت خيوط
الدخان المخنوق لتشكل هالة فوق رأسه بدأت ترق شيئاً
فشيئاً تحت ضياء القمر.
لاحقها محمود بنظراته المتعبة ورغبته
الجامحة حتى التحمت بأطراف القمر، بينما كان عواد
يفرك رأس سيجارته، ويعيد ماتبقى منها إلى باكيت
أبيض ماركة (جيشي أبو بارودة).
امتدت يداه إلى البندقية، وأبحرت عيناه
في فضاء الليل.
(3)
شيء ما أيقظه في هذه اللحظة،... ندى الليل
أو البندقية التي سقطت من بين راحتيه، أو حلم ما مرّ
سريعاً، وربما صوت ماجاءه من عمق الليل... أو ربما
الآلام التي عصفت بعظام رقبته، حيث ظلت ذقنه ملتصقة
بصدره زمناً لا يدري متى بدأ؟
أيقن عبد الرحيم الهايش أنه غطّ في نوم
عميق، نفض رأسه كالمذعور، أمسك بندقيته، شدها إلى
صدره، فرك وجهه براحتيه، جاس وجوه الرجال النائمين
خلفه... ماذا أفعل وقد غلبني النوم؟... كل تعب النهار
هجم عليّ الآن... سامحني يارب، ثم استدار في المكان،
أطلق عينيه في الاتجاهات كلها...
ماذا لو دخل بعض المتسللين خلال نومي؟
يا إلهي سأكون خائناً يستحق الموت لو حصل
ذلك.
ماذا سيقول عني أهل القرية؟.
كيف سأواجه الناس؟.
سأذبح نفسي بلا شك... لو أن عيناً واحدة من
عيونهم اجتازت الكمين...
يارب لماذا كتبت علينا الحرب؟، حتى
قريتنا اسمها كفر حارب، ونحارب من !؟.
هؤلاء الجبناء أولاد الميتة،.... والله لا
أدري كيف صار لهم دولة؟!، وكيف صاروا رجالاً؟! كنا
نطردهم بالعصي- فيرفعون أيديهم... دخيلك خبيبي!
يوم حاولوا الاعتداء على قطيع القرية
طاردهم الراعي خلف الجاسم بالعصا والحجارة حتى
لاذوا داخل كبيناتهم،... كانوا يومها أكثر من عشرين
رجلاً.
اليوم صار لهم دولة، وطائرات ومدافع
وعسكر، فعلوا ذلك ونحن نائمون... لكن ياعمي لم
يفعلوا ذلك بأذرعتهم.... الإنكليز لعنة الله عليهم
هم الذين فعلوا ذلك... رفعوهم على أرجل من حديد،
والآن كل الأجانب معهم. وإلا من قال أن أولاد الميتة
يهزمون سبعة جيوش عربية.
والآن مرّ على تلك الحرب مايزيد على خمسة
عشر عاماً... فماذا فعل الحكام العرب؟.
هانحن نحرس الحدود... أنا وعواد ومحمود
وأبو قاسم وسالم وكل رجال القرية... ننفض غبار
البيادر ثم نأتي لتأكل الصخور ظهورنا.... وإذا كان
عسكرنا مثلنا فالله يستر، والله أعلم كيف ستكون
الحال؟.
أدخل أصابعه تحت كوفيته، هرش رأسه مرات
متلاحقة ثم عاود شدها من جديد رافعاً طرفها ليغطي
أنفه تماماً...
.... لعنة الله على تلك الأفكار السوداء...
نحن نقوم بواجبنا على كل حال.
قالوا لنا إن المقاومة الشعبية في معركة
بور سعيد يوم هجم الإنكليز والفرنساوي واليهود على
مصر هي التي ذبحتهم وطردتهم من البلاد ونحن ماذا
ينقصنا؟.
آخ لو كانت الحرب وجهاً لوجه،.... رجلاً
لرجل... عصا لعصا... سكيناً لسكين ولكن ماذا ينفع
التمني؟.
الذي يذبحنا الآن هذه الطائرات اللعينة
التي تأتي من بعيد، وتضرب من بعيد،... وقنابل
المدافع التي تمر في الفضاء كالريح أو كزغرودة
مقطّعة ثم تحرق كل شيء تقع عليه.
علقت عيناه على قمم الجبال في الأفق... لا
زالت قناديل الإضاءة ترتفع، ولا زال الومض يحرق
عتمة الليل، ولا زال الدويّ يتوالد تحت الصخور،
وهدير الطائرات في السماء يبتلعه الليل أحياناً
ويفضحه السكون أحياناً أخرى... يقترب، ويبتعد
ويختلط هدير الطائرات بدوي القنابل...
آخ... تدربوا وسنرى، الله يفرجها ويفك
عسيرها، هذه البلاد ابتلعت كل الغرباء من قبلكم.
نحن أهل البلاد لم نعد قادرين على الذهاب
إلى فلسطين!!.
ماهذه المصيبة؟.
كنا نذهب مرات عديدة في اليوم، نحمل كل
شيء، ونعود بكل شيء، كنا نحمل السلاح لثوار فلسطين،
نضعه في فتحات الصخور أو تحت أكداس العشب ليأخذوه
في الليل،... حتى بعد أن أصدر الإنكليز قرار
الأربعين دخلنا رغماً عنهم، قالوا يومها: كل من
يجتاز الحدود يُحبس أربعين يوماً، وجندوا عسكرهم
ودورياتهم لملاحقتنا... لكن اليوم اختلف الوضع!.
العكاريت سيجوا الحدود بالألغام
والأسلاك والدوريات والكمائن.
... والله لو توحد العرب لفرّوا جميعاً.. هم
وكل الأجانب الذين يدعمونهم، ولا أدرى لماذا لم
يفعل العرب ذلك حتى الآن؟.
.... المرشح عبود، والمختار قالا: إن ذلك
سيحدث.
لكن وضاحاً الأعمى قال لي لا تصدق ذلك إلا
إذا رأيت علم الوحدة على ظهر المدرسة، هذا الرجل
فطين يعرف أكثر مني بل أكثر من كل رجال القرية، فهو
تاريخ القرية الذي لا ينسى شيئاً...
تذكر وضاح الأعمى هذا الرجل المجدور
الوجه الذي يعلو على قدمين عريضتين وساقين طويلتين
ولصدره صلابة الصخور واتساعها وفي لسانه بعض خفقات
قلبه.
شدّ كوفيته، أبعدها عن أنفه قليلاً... غرقت
عيناه في الطريق الصخري الذي بدا لامعاً أمامه
الآن... ارتسمت على شفتيه ابتسامة... هناك، هناك
تحديداً قرب تلك التلة... وفي مواسم الجني. كانت لنا
أيام وذكريات يعرفها وضاح... كنا نبوح له بكل شيء.
وضاح الأعمى فطين، كيف لا وهو يطوف
القرية، بيوتها، وأزقتها وحواكيرها، وبيادرها،...
ويعرف أهلها رجالاً ونساءً وأطفالاً، ويكفي
أحياناً أن يسمع وقع أقدامك حتى يعرف من أنت...
أحس بشوق إليه، تمنى لو يجالسه الآن... هنا
بين الصخور على مداخل الطرقات التي عبراها معاً منذ
سنين طويلة... فلصوته رنته الخاصة، ودفئه الخاص.
حين يحدثني عن ابنة عمه الوطفاء يصير
رجلاً آخر، يبكي أحياناً، يضرب عصاه في الفضاء...
يقول: ياعبد الرحيم لم أشعر أني أعمى لحظة واحدة في
حياتي إلا في تلك الليلة، ليلة زواجي منها.
ليلة كاملة ولم أستطع وصلها، لا زالت حسرة
تحرق صدري كلما تذكرتها،... الوطفاء ياعبد الرحيم
أرق من النسيم، وأكثر ليونة من عود الخيزران،
أنفاسها كأنفاس الحمام، أو كأنفاس الظباء
النائمة...
كان يقول لي ذلك كلما التقينا، يبوح بكل
مالديه من حسرات وأوجاع، وأبوح له بكل ماعندي من
حسرات وأوجاع.
... حبي لابنة عمي فاطمة الذي ظل مقتولاً
بين أضلعي حتى هذه اللحظة،... هجرتني طويلاً ولازالت
تقتحم علي هجعتي رغم زواجي من غيرها وامتلاء البيت
بالأولاد والبنات. حين كنتُ أقول له ذلك... كان يقول:
اصبر ياعبد الرحيم، الدم لا يصير ماء، حتى لو كانت
بعيدة عنك فهي قريبة، قريبة كقرب الهدب من العين،
كقرب سواد العين من بياضها.
ازداد شوقه لوضاح، فارت دماء الشباب في
عروقه... هيّجته الذكرى، حاول النهوض، تذكر أنه في
كمين، هبط مسرعاً وشدد قبضته على البندقية وأطلق
ناظريه من جديد...
فها قد زلّ القمر عن قبة السماء واختبأ في
قعر البحيرة، وعادت التلال والأشجار والصخور
والطرقات والمعابر إلى ظلال الليل، وبدت النجوم
أكثر سطوعاً من ذي قبل، وعادت أضواء
"الكبينات" وكأنها تشتعل من جديد.
تمنى لو يعود ذلك اليوم الذي انقضت فيه
طائراتنا على الزوارق المعادية، يوم دمرتها
وأغرقتها. هزته حرارة الذكرى، لامست أنامله
الزناد، والتهمت عيناه البحيرة بكل مافيها...
آخ لو كانت الحرب وجهاً لوجه.
ثم مالت عيناه المتعبتان نحو أجساد
الرجال وهم يحتضنون بنادقهم، وقد تداخلت أنفاسهم،
في انتظار اللحظة القادمة....
لا زالت خيوط النهار في قلب الليل... اصبر
ياعبد الرحيم، اصبر يابن الهايش... فالناس في القرية
ينامون على نور عينيك.
(4)
حين زلَّ القمر عن قبة السماء كانت مجموعة
من الرجال، ومجموعة من البنادق داخل تجويف صخري
تغطي أطرافه أشواك البلان والأعشاب البرية، وأعواد
القصب التي امتصت رطوبتها الأيام والشموس
الحزيرانية اللاهبة.
ومن أمامه تمر ساقية الماء التي ولدها نبع
عين أم العظام المتدفق من خاصرة القرية وعلى بعد
أمتار فقط من المنطقة المحرمة التي تفصل القرية عن
فلسطين المحتلة، ومن فتحات الصخور تبدو أمامه
بحيرة طبرية كبساط فضي تغتسل على جنباته أضواء
البيوت وظلال الجبال في عمق فلسطين يشع على أطرافها
الضياء، صفد وسمخ والمجيدل والغوير....
أنفاس وآهات وأوجاع وبنادق وعيون تكاد
تفر من محاجرها تحنو على الصخور الآن.
كانت عينا عوض المسعود تبرقان وسط الظلام
الذي خلفه غياب القمر.
....يرتفع حاجباه قليلاً تنفتح أهدابه فيصل
إلى قمم الجبال التي بدت كخيام سود على صدر الأفق
الغربي. أو كقافلة جمال تركض نحو الضياء الناهض على
جنباتها، ثم يستدير قليلاً ليمشط بناظريه كتل
الصخور والأعشاب والمعابر التي عرفها جيداً، وفي
كل الحالات ينتهي به المطاف إلى مياه الساقية التي
ولدّها النبع والتي تنحدر غرباً راكضة عبر تعرجات
الصخور...
مياه لها صفاء العين، ورقة الروح تلتمع
رغم ظلال الليل.
ظل يراقب الماء، امتد به النظر حتى كاد إن
يسبق الساقية، وما إن يصل إلى حالة انعدام الرؤية
حتى يعود من جديد ليغمس ناظرية في مياه الساقية
ويصيخ السمع ليدقق الأصوات المرافقة لخرير المياه.
كثير من الحيوانات البرية وردت المياه،
شربت وتمطّت ولعبت ثم نزحت إلى أعالي الصخور، وكثير
من الضفادع تقافزت فأحدثت صوتاً خاصاً لا يمكن لأحد
أن يحس به إلا من يعيش هذه اللحظة تماماً.
ليل ومياه ومعزوفات وحيوانات برية،
وأعصاب مشدودة وآذان تلتقط كل الأصوات،.... تفرزها،
تحللها، تعيدها إلى أصولها،... وعيون استولدت دمعها
نسائم الليل ونداه، وأضناها السهر، والتعب،
والعشق، والانتظار.
تمنى عوض المسعود لو يستطيع النهوض
قليلاً ليشرب براحتيه شيئاً من ماء الساقية كما كان
يفعل من قبل،... أحس بالعطش، امتص شفتيه، سوّى مكانه
جيداً، أراح عجيزته وانبطح على صدره، صار أخمص
البندقية ملاصقاً لوجنته،...
ثم تململ من جديد، رفع رأسه قليلاً، وعاد
إلى وضعية الاحتراس... أطلق ناظريه في الاتجاهات
كلها، ليستقر أخيراً كما في كل المرات السابقة على
سطح الساقية.
آخ... ماؤنا صار حراماً علينا!؟.
أنا عوض المسعود الذي عاش في هذه القرية
كما عاش أبوه وجده... لحم أكتافي من الأرض، ودماء
شراييني من مائها، أنا الآن لا أستطيع النهوض لأملأ
حفنتي من ماء النبع الذي يحتفظ بصورة وجهي كما كل
الوجوه في القرية!!.
خطر له أن أحداً ما على الطرف الآخر يحاول
الآن أن يشرب من نهاية الساقية، تمنى لو يستطيع في
هذه اللحظة، أن يمنع المياه من المسيل، تمنى أن
يجففها الآن، أو يحوّل مسارها شرقاً... أو يعكر
صفوها على أقل تقدير.
أمسك حصاة صغيرة ورماها في قلب الساقية،
أحدثت صوتاً ناعماً ضاع مع سقسقة المياه، ونقيق
الضفادع، أحس بشيء من الارتياح، انتابه شعور بأن
هذه الحصيّة قد عكرت صفو الماء ولو للحظة واحدة.
تداخلت في رأسه الكثير من الأفكار،
والكثير من الوقائع، والكثير من التساؤلات...
أليس كارثة أن يحتلوا أرضنا ويشربوا
ماءنا؟.
أليس مصيبة أن لا أستطيع النهوض الآن
لأروي جوفي من ماء بلادي!؟.
أنا الذي تعرفني الصخور والآكام والأشواك
والطرقات وتراب الأرض.....!
ما الذي حدث لهذا العالم؟.
إنهم الآن يمتلكون الطائرات والصواريخ،
والدعم الأمريكي، ولكن هل يستطيعون ذبح شعب
بأكمله،... هذا مستحيل.
الأميركان بكل قوتهم، لم يستطيعوا قهر
الشعب الفيتنامي.
والغريب في الأمر أنهم لم يستفيدوا من
دروس التاريخ، مازالوا يعتقدون أنهم قادرون على
ذبحنا بل حتى وإزالتنا من الوجود.
.... حين حاولنا تحويل روافد نهر الأردن
قصفوا بطائراتهم أعمال المشروع، وحين حاولنا إقامة
سد على نهر اليرموك فعلوا ذلك أيضاً،... إنهم يدركون
أننا لو نجحنا في ذلك لماتوا جفافاً... حربنا معهم
حرب مياه، وأرض، وتاريخ، ووجود، وكرامة، والأمر
الذي يحزن أن إخواننا العرب اكتفوا في كل مرة
بإصدار البيانات وبرقيات الاستنكار والغضب،
لماذا لايقاتلون معنا؟.
لماذا يتركوننا في وجه الغول وحدنا؟.
هل يعقل أنهم لم يدركوا حتى الآن أطماع
العدو ومخططاته؟.
جبهتنا لم تهدأ منذ حرب الإنقاذ، بل وحتى
قبل ذلك بكثير،....
في كل يوم اشتباك، وفي كل يوم قصف
متبادل،... معركة التوافيق التي قاتلنا فيها جنباً
إلى جنب مع أشقائنا المصاروة أيام الوحدة، ومعركة
تل النيرب، واشتباكات الطيران والاشتباك اليومي مع
الجرارات المعادية التي تحاول فلاحة الأرض في
المنطقة المحرمة... إلى هذه اللحظة التي نحياها
الآن... ألم يدرك العرب بعد، أن من أراد أن يأكل
الحديد يجب أن تكون أسنانه من فولاذ؟.
وفولاذ العرب وحدتهم وتضامنهم.
لامس زناد البندقية، وشدّ كوفيته حول
رأسه جيداً، وابتلع أنفاسه وعادت هواجسه من جديد...
ساعات الفجر هي الأكثر خطورة، هكذا
علمتنا التجربة، في مثل هذه اللحظات يهجم النوم،
وتسترخي الأجساد، وتمتد الأحلام، وترق الروح
وينكشف ستار الليل،... هم يعرفون ذلك كما نعرف نحن
تماماً.
حاول استنهاض همته كما كانت في اللحظات
الأولى لمهمته، استنفر حواسه، حاول مقاومة
الشرود،.... أرسل عينيه في بحر الصخور الذي يمتد
ويمتد حتى يصبح سهلاً فسيحاً على أطراف البحيرة،...
كل الصخور يعرفها، وكل المعابر خطاها بقدميه مرات
عديدة في الأيام الماضية، وكل الأعشاب البرية يعرف
أسماءها وطعمها،.... البسباس، والعكوب، والخبيز،
والقريص، والسنارية، والخرفيش، والدريهمة، وأشواك
البلان والسدر، والرتم، والقندول، والشومر،
وحجارة البازلت والصوّان، والحوّار والكهوف،
والأودية، والمداخل والمخارج ومراتع المواشي،
وأوكار الحيوانات البرية، وآثار خطاها، وأنفاسها،
وحالات نفيرها، وهجعتها، ولون جلودها، وبريق
عيونها، وفصول تكاثرها، وأوقات اصطيادها .... كلها
في ذاكرته الآن.
تمنى لو يركض حتى شاطئ البحيرة، ليغتسل
كما كان يفعل في الماضي.. هاجت به الذكرى، وازدادت
حواسه استنفاراً، واتقدت أكثر حين لاحت له من بعيد
أشباح سوداء، ترتفع حيناً وتنخفض أحياناً مع
ارتفاعات الصخور وانحناءاتها،... دقق النظر، ساورته
ظنون كثيرة، بدا متردداً إلى حين،... رد كوفيته
قليلاً، فبانت أذناه، أحس بشيء من رطوبة الليل...
التصق بالصخور، وضع يداه على الزناد، أحس برودة
البندقية، ارتجفت يداه قليلاً،... شدد قبضته أكثر...
دبيب أقدام متباطئة حيناً، ومسرعة
أحياناً، وما إن تغيب برهة حتى تعود من جديد، أحس
بجسده يرتعش، كل مسامات جلده صارت مستنفرة الآن،
اعترته قشعريرة لم يشعر بمثلها من قبل إلا في لحظات
خاصة جداً، انتصبت كل شعيرات جسده، جلدة رأسه كادت
أن تغادر جمجمته،....
اقتحمته أنفاس غريبة، عزز وضعية
الاحتراس، اتسعت حدقتاه إلى أقصى حد ممكن، ارتفعت
أشباح، ثم غابت، ثم ظهرت من جديد، لكنها هذه المرة
أكثر قرباً... خيّل إليه أن وجهه قد احترق، أدرك
بتجربته أن الخطر قادم لا محالة،...وقد عزز ذلك
التماعات الأسلحة التي فضحتها بقايا النجوم، وخيوط
الفجر الآتية من بعيد، والتي ستولد بعد قليل.
امتدت يداه سريعاً إلى أجساد الرجال
النائمين خلفه...
تململ بعضهم. ثم حاول النوم من جديد، لامس
وجوههم، أشعل اليقظة في أجسادهم، حتى تناهضوا
مذعورين أمام إصراره المتصل، أشار بيده، همس،...
تنفس في آذان البعض،... تداخلت جلبتهم، وأنفاسهم،
وحفيف أرديتهم وهم يأخذون مواقعهم المحددة.
ضغط على الزناد، فدوّى الرصاص ليثقب آخر
ستائر الليل، وامتد الصدى طويلاً مقطعاً، تبتلعه
الصخور، ثم تشكّله من جديد.
طلقات متلاحقة انصبت ناراً على المكان من
كل الكمائن المنتشرة على طول المكان، تعززها نيران
الرشاشات التي أطلقتها كمائن الحرس الوطني
المحاذية لكمائن المقاومة الشعبية على امتداد
الصخور.
... رصاص، وأضواء كاشفة، وحيوانات برية
تقفز مذعورة بين الصخور، وصرخات استغاثة، وأشباح
تفر نحو الغرب، وخيوط رفيعة جداً تفصل بين الموت
والحياة.
وحين لاحت أعمدة الفجر كانت رصاصات
متفرقة لا زالت تطلق من هنا أوهناك.
نفر الرجال عبر الصخور والأشواك، وظلال
الآكام، والممرات الوعرة، إلى حيث العيون الناعسة
التي أيقظها الرصاص، واضناها الخوف، والانتظار،
خلف الأبواب والنوافذ الخشبية الهرمة، تاركين
خلفهم حرارة أجسادهم، وأعقاب سجائرهم التي احترقت
تحت الأغطية، أو بين الأصابع الخشنة التي تكورت
حولها، لتمتص بصيصها،... والكثير من الفوارغ
النحاسية التي خلفها الاشتباك، والكثير من الآهات،
والأوجاع، والأحلام، والهمهمات، والمشاعر، وحين
بدأ صوت المؤذن يأتي مع ندى الفجر، شجياً، حنوناً
مقطّعاً، كانت أبواب البيوت المتخاصرة على جنبات
الأزقة تستقبل الرجال والبنادق، بينما بدأت الخيول
المشدودة إلى أوتادها في أطراف البيوت تصهل صهيلاً
رخيماً ناعماً طلباً لكلئها،.... ومن خلف أبواب
الخانات المغلقة ارتفع خوار متقطع خفيف لعجول
وأبقار، وهمهمات لخراف وادعة أيقظتها جلبة أصحابها
وشوقها لمراتعها على السفوح وعلى أطراف الأودية،...
وارتفع صياح الديكة في الأمكنة كلها.
وبعد أن استراحت البنادق على المسامير
المغروسة في جدران البيوت، أو في طيّات الفراش،
وخلف الأبواب، وفي الزوايا المعتمة، وهي لا تزال
تعبق برائحة البارود، بدأت الأحاديث تلوّن ساعات
الفجر، ومع تفاصيل الاشتباك وتهدجات الأصوات
استعادت العيون المتعبة صحوها ويقظتها وأحلامها.
وفي مكتب المقاومة كان قادة المجموعات
ورجال آخرون يتحدثون بالتفاصيل ذاتها للمرشح عبود
النايف، يحيط به العريف برهوم والعسكري سويلم وقد
تنكبوا مسدساتهم الرشاشة من نوع (سومبال) وقد بدت
على وجوههم جميعاً ملامح التعب، ومالت عيونهم نحو
الحمرة، والانتفاخ وبين الفينة والأخرى، كان جرس
الهاتف اليدوي الأسود القابض على طرف الطاولة
الخشبية المتآكلة ينهي لغط الجميع ويشعل يقظتهم من
جديد:
آلو.... حاضر سيدي، أنا المرشح عبود.
الجميع بخير، لحظات فقط وتكون كل
التفاصيل بين أيديكم.
نعم، نعم... كما أبلغتكم سابقاً.
حاضر، حاضر... سأبلغهم تحياتكم.
يتابع أبو العبد:
سيدي هذا الاشتباك كما أعتقد هو مقدمة
لاشتباكات قادمة، ربما تأخذ مسارات جديدة، وهو
متابعة لاعتداءاتهم السابقة.
ومحاولة التسلل التي حدثت اليوم لها
مخاطر كثيرة ينبغي التنبه لها جيداً.
.... مجَّ سيجارته، .... أراح بندقيته
جانباً...
الموقف كما أراه سيدي... غاية في الخطورة،
أتمنى أن تدرك الحكومة هذا الأمر.
الحكومة يا (أبو العبد) تفهم ذلك جيداً.
سيدي النواي الطيبة وحدها لا تكفي، وماهو
موجود على الأرض لا يكفي،... طبيعة الصراع معقدة،
أنت تعرف ذلك.
ومايخيفني سيدي... الوضع العربي... نحن
وحدنا... قد نصمد أياماً وربما أشهراً... لكن النتائج
قد تكون مروعة.
نحن وحدنا قد نقاتل، وسنقاتل حتماً لكن من
الصعب أن نستمر.
على أقل تقدير يجب أن تكون معنا مصر
والأردن باعتبارهما دولاً مجاورة، ولهما جبهات
طويلة مع فلسطين.
قلت لك يا(أبو العبد): الحكومة تدرك ذلك
جيداً.
سيدي أنا أعبر عن مخاوفي فقط، ... مخاوفي
التي ولّدتها التجارب السابقة.
وما أقصده أن نفهم جميعاً أن الأمريكان
والإنكليز والغرب كله ضدنا... هذا يعني أن الخطر
أكبر مما يتوقع البعض.
تمتم عبد الرحيم الهايش بعد أن سوّى
عجيزته على طرف السرير العسكري الصدئ.
(مابيجي من الغرب إلي يسر القلب).
أردف المرشح عبود :
الروس معنا، وهم يزودوننا بكل شيء كما
أعرف.
قال عوض المسعود:
عفواً سيدي، هذا صحيح... ولكن يجب أن نفهم
أن طبيعة علاقتنا مع الروس تختلف تماماً عن طبيعة
علاقة العدو مع الغرب والأميركان. وإن لم نستفد من
قدراتنا الذاتية فسيكون المستقبل مظلماً... العرب
إن لم يقاتلوا معنا فلن تكون النتائج مرضية....
بدأ عبد الرحيم يمج سيجارته بعمق وهو يرمق
(أبو العبد) وعوض والمرشح عبود ووجوه الرجال
المتعبة.
سيدي: أنا لم أعد أفهم ماتقولون، دعني
أتحدث وأنصرف فأهل البيت بانتظاري والمواشي يجب أن
تخرج لمراعيها الآن...
هات ياعبد الرحيم... قال المرشح عبود بينما
أسند مرفقيه فوق الطاولة وأشعل اليقظة في عينيه من
جديد.
أنا سأقول كلاماً قد لا يرضيكم، أو قد
تضحكون عليه... ماحدث معي هذه الليلة ياسيدي اللهم
صلي على النبي: قبل الاشتباك بوقت قصير وقد كنتُ كما
أظن بين الصحو والنوم كبست على رأسي أوهام كثيرة...
خيّل إلي أني أرى أشباحاً كثيرة، وأسمع أنيناً
وصراخاً،... ولا أنكر ياسيدي أني بدأتُ أفكر بالغول
والجن،... كانوا يقولون لنا إن الغول يظهر بأشكال
كثيرة، وأن الشهداء والقتلى يخرجون ليلاً... يصرخون
وينادون، ويطالبون بأخذ الثأر، وفي منطقتنا الكثير
من هؤلاء، فقد استشهد الكثيرون، وقُتل الكثيرون
أيضاً...
كل هذه الأفكار كبست على دماغي دفعة
واحدة، حتى فكرتُ في كثير من الاحيان إيقاظ الرجال
الذين ناموا بعد أن انتهت مهمتهم، إلا أني خشيتُ من
سخريتهم، وحاولتُ التغلب على مخاوفي فقرأتُ آيات
القرآن التي أعرف، ووضعت أصابعي على الزناد مرات
عديدة، وبقيت بين الوهم والحقيقة إلى أن دوّت
الطلقة الأولى... نعم ياسيدي الطلقة التي دوت أنهت
كل مخاوفي،.... كل الأوهام انتهت حين سمعت الرصاص،
وحين ضغطت على الزناد شعرت وكأني أولد من جديد،....
وكما تلاحظ لم يبق في جعبتي ولا في بطن بندقيتي طلقة
واحدة، أطلقتها جميعاً، ثم رفع بندقيته وشد
مغلاقها وسط مداعبة الرجال وابتساماتهم المتعبة.
.... هذا ماحدث ياسيدي،... الله يلعن الحرب
ويلعن الغرب، ويلعن الأيام التي صنعت لهم دولة
ومدافع وصواريخ.
والله ياسيدي: (عدو جدك لا يودَّك) وعلينا
أن نعرف ذلك ولا ننساه لحظة واحدة.
شد أطراف سترته وأحكم كوفيته على رأسه
جيداً واضعاً طرفها تحت زاوية العقال...
رشف آخر ماتبقى من كأس الشاي الموجودة
أمامه وسحق عقب سجارته بكعب حذائه الكاوتشوكي
المهترئ وهم بالوقوف.
قال المرشح عبود مداعباً: كم متسللاً قتلت
يابن الهايش؟
والله لا أعرف سيدي.... المهم أن بندقيتي
كانت تتجه غرباً... قال ذلك وقد تأهب للإنصراف.