قناديل الليالي المعتمة - علي المزعل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

استطراد

لوضاح الأعمى قصة يعرفها أهل القرية جميعاً.‏

هذا الرجل الذي ينهض على ساقين طويلتين وصدر ممتلئ، أحب الوطفاء ابنة عمه،... أحبها زمناً طويلاً حتى صارت حلماً يراوده في كل لحظة، وفي الليلة الأولى لزواجه الذي جاء تتويجاً لأفراح القرية التي استمرت سبعة أيام بلياليها، أوقدت فيها النيران، وذبحت الخراف، وعلا صوت المزامير، وأطلقت النسوة زغاريد رددت صداها صخور الجبال، وتعالى حداء الرجال حتى طاول النجوم، وتقافز الصبية حول أواني الطعام وهي مازالت فوق نيرانها، وتسابقت الخيول الأصيلة على امتداد السهول، وارتفعت أصوات الفرسان بالتحدي ولاسيما أولئك القادمين من القرى المجاورة.‏

في تلك الليلة، وبعد أن تلاشت ضوضاء القرية، وظلت أصوات الرجال والنساء والصبية في ذاكرة الوطفاء، وفي أعماق وضاح... لم يعد يسمع سوى أنفاسها، ووقع خطوّها من حوله.‏

قال لها ياوطفاء: لقد تأخر زواجنا كثيراً، وطال انتظارنا، ولم أعد قادراً على الاحتمال، ذاب جسدي وهمدت روحي، ولولا أملي بهذه اللحظة لجننت.‏

نعم ياوطفاء، لقد صرت على حافة الجنون أو الموت.‏

في ليلة ياوطفاء... وكان الليل قد أتى على القرية فأخمد صوتها، اشتعل صدري شوقاً... خرجتُ، مشيتُ طويلاً بين الأزقة، وقفتُ أمام نافذتك، درت واستدرت حول بيتكم، أحرقتني أنفاسك وأنت نائمة، تمنيتُ لو أجتاز الجدران لأصل إليك، وانتهى بي المطاف إلى أطراف الصخور العالية عند مدخل الوادي هناك ياوطفاء، لا أدري ما الذي حدث..؟ قررت أن أموت أحرقني الشوق، لم أعد أحتمل....، ألقيت بنفسي من فوق صخرة عالية، لكني نهضت، نهضت كما أنا الآن، وبيدي عصاي، وكأن شيئاً لم يكن... صخر البلاد حنون ياوطفاء...‏

آه ياوطفاء، مرة أراك حمامة بيضاء تطير وتطير ثم تعود لتهبط فوق سقفي، ومرة أخالك ظبية تنفر عن النبع إلى أعالي الصخور، ومرة أخالك قمراً يعيد إلي نور عيني.‏

وبعد أن نثر جوارحه بين يديها رفضت وصله، ركضت أمامه... ركض خلفها، راوغته كثيراً، لم تعد تحدثه، لم يعد يسمع صوتها، أنفاسها فقط ورائحة جسدها وعطرها ونداوة روحها، وحفيف أقدامها.، هذا ماكان يحس به أينما تحرك في حجرته الطينية العتيقة.‏

ظل طوال الليل ناثراً جوارحه، وحلاوة لسانه، ونار جسده، وأحزانه حتى غابت عنه تماماً.‏

قالت بعض النسوة يومها: إن الوطفاء طارت إلى سقف البيت ثم سحبت السلم نحوها.‏

وقال هو: رغم بعدها عني ظللتُ أحس بها تضيء المكان، وظل نور عيني طيّ صدرها.‏

ومنذ ذلك اليوم صار لوضاح عالمٌ خاصٌّ من الحزن والتأمل والرقة ولطافة الروح ونفاذ البصيرة، ويذكر بعض أهل القرية، أن وضاحاً بعد هذه الواقعة وحتى اللحظة... كان إذا مرّت الوطفاء في أزقة القرية وحواريها تنبه إلى خطوها، فيرفع جبينه، ويضرب الأرض بعصاه، ويظل كذلك إلى أن تبتعد، فيعود للحلم من جديد.‏

وثمة واقعة أخرى في حياته يرددها أهل القرية،.... يقول بعضهم:‏

إن وضاحاً وُلد ضريراً، ولم يرَ النور قط، إلا نور قلبه وعقله المتوقد دائماً.‏

ويجمع بعض كبار السن أن وضاحاً كان مبصراً كغيره من خلق الله، يروح، ويأتي، ويغني، ويرقص مع الراقصين...‏

وحين جاءت أيام السفر برلك دهن وجهه وعينيه بمستحلب لبعض الأعشاب التي لا يعرفها إلا هو، فذهبت بنور عينيه وتركت ندباً على وجنتيه.‏

وقال يومها:‏

إن هذا أهون علي من الخروج من القرية، إذا خرجت سأموت،... إذا خرجتُ سيذهب نور عينيَّ ولو كنتُ مبصراً.‏

وثمة قصص كثيرة حول وضاح تداني الخيال في بعض حالاتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244