|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أحْرُثْ وادْرُسْ لبطرس عجيب لهذا العمر كيف يمضي، تعب وشقاء، وركض وراء الرغيف، نركض ولا نلحق، في كل عام نرسم أحلامنا من جديد، نقول إن الدنيا ستكون بخير، وإن الناس كل الناس سيكونون بخير أيضاً، وإن رزق الله سيكون لعباده جميعاً، لكن الذي يحدث، أن الفقير يظل فقيراً، وأن الغني يزداد غنىً، والذي يحزن أن هؤلاء يعيشون على أكتافنا،..... نعمل ليلاً ونهاراً، نخرج مع الفجر، ونعود مع الليل، ننام وعرقنا لم يجف، نحلم بالزرع والمناجل، والمحاريث، والبنادق، وأهدابنا لم تغمض بعد. وإذا أغمضت فإنها تغمض على هموم العيال، وحاجاتهم، وهموم الديون، ومطالبة الدائنين. قال أبو العبد: مالك يا محمود؟.... أنت شاعر والشاعر لا يعرف اليأس،... يحلم حتى لو صارت الدنيا كلها سواداً، الأمل يامحمود سلاحنا الذي لا يموت، وإذا قُتل الأمل فينا فلن نعيش لحظة واحدة. أردف المختار: توكل على الله يارجل، كل شيء سيكون أحسن إن شاء الله،.... بعد أيام ستأتي لجنة من الحكومة، لتوزع الأرض من جديد، نعم سيتم توزيع الأراضي من جديد بعد أن صدر تعديل قانون الإصلاح الزراعي، كل فلاح في القرية سيكون له نصيب، وستكون الأحوال أحسن بإذن الله. صحيح يامختار إن هذا سيحل جزءاً من المشكلة، وهو أمر هام بلا شك، لكن هناك الكثير من المشاكل التي يجب أن تُحل... العلاقات الزراعية، حماية الفلاحين وحقوقهم وتسويق منتجاتهم، و تحديث أدوات العمل، وغير ذلك كثير...، تصور يامختار أنه بعد تعب وشقاء عام كامل لم يبق لي من الحصول مايؤمن مؤونة العيال. فها قد انتهت البيادر وامتلأت حواصل الدكنجية بالحبوب... القمح، والشعير، والكرسنة، والسمسم، والعدس.... كلها في حواصلهم، والمصيبة الأكبر أن كل مادفعناه لا يسد إلا الجزء اليسير من ديوننا ويظل الباقي مدّوراً للعام القادم، وحين نحتج على ذلك يقولون: كل أيام السنة وأنتم تأخذون ماتشتهون، وعند السداد تقولون لم نأخذ شيئاً... والمشكلة أن طول المدة ينسينا فعلاً ما اشتريناه، وطلبات العيال كثيرة لا تنتهي، ماهذه المصيبة. كل الحبوب التي اغتسلت بعرفنا نُقلت يوم أمس من حواصل الدكنجية إلى حواصل التجار في المدن،... البارحة مساءً اصطفت سيارات شاحنة كبيرة للعطار والسبيني، وحملت كل شيء... والله كاد قلبي يتقطع وأنا أرى العتالة يضربون شناكلهم الحديدية في بطون أكياس الحبوب. والله... كأنهم يضربونها في بطني ياجماعة... أولاد الـ.... ينهضون بها وكأنها ملكٌ للعطار والسبيني، منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها باطن الأرض؟! ... نقلوا كل الحبوب، أخذوها، ازدادت أموالهم على ظهورنا،.... ضرب محمود كفاً بكف وأردف قائلاً: عرقنا صار هناك، وأنفاسنا صارت هناك، وأحلامنا صارت في جيوبهم، ومستقبل أطفالنا مات هناك. هذه حياتنا... إلى متى ستستمر؟ أطرق قليلاً.... ، صمت الجميع، وفي عيونهم، السؤال ذاته، إلى متى ستستمر؟ استند عبد الرحيم وجثا على ركبة ونصف، بعد أن وضع جانباً وسائده التي يتكئ عليها. ياجماعة الخير، ماذا سيكفي البيدر؟. حصة للمختار هذا الذي نجلس في مضافته الآن، وحصة للحارس، هذا الذي يجلس أمامكم، وقد رقت شفاهه من تلك الصافرة التي تقلق راحتنا كل يوم، وحصة للشيخ، الذي لا يجد من يصلي وراءه في كثير من الأحيان، وخاصة في مواسم الحصاد،.... وحصة للمُحضِّر الذي يحرس الزرع، والباقي للدكنجية... الموضوع لا يحتاج للحساب ياجماعة... منذ أيام ذهبت إلى دكان الحاج أنور، ورأيت العجب، طار عقلي يا إخوان،... أخذ كل محصولي... فتح دفتره الأسود الكبير الذي تعرفونه جميعاً، وأمسك بقلم الكوبيا المربوط في زاوية الدفتر بخيط مصيص وسخ، وراح يكتب، ويشطب، ويتمتم، ويعد على أصابعه حيناً ثم يكتب من جديد، بعد أن يبل القلم بلسانه، ويرفع الحزام الساحل على كرشه، ويتطلع في وجهي حيناً ويعود للدفتر من جديد، ثم يستغفر الله، ويكتب... إلى أن قال: بقي في ذمتك ياعبد الرحيم... اللهم صلِ على النبي... حوالي العشرين مداً من القمح. طار عقلي ياجماعة، والله يا أخوان، لم أعد أرى أمامي شيئاً... عشرين مداً يا أنور؟!! ألا تخاف الله؟ من يسمع هذا الكلام، يقول إن عبد الرحيم، وعياله يأكلون المحشي كل يوم... صرخت في وجهه، قلت له: قل ماذا أخذنا من دكانك حتى وصلت ديوني إلى هذا الحد... قال: طيب سترى ياعبد الرحيم، ثم بدأ يقرأ: - باكيت شاي البنت عدد (2). - باكيت دخان جيشي عدد (2) بيد ولدكم صالح. ثم أردف: أسأل صالح وتأكد... يومها نفش هنا أمامي أكثر من خمس سجائر. - 4 كيلوتمر بيد ابنتكم صبحة. - كروز دخان جيشي بيد عبد الرحيم. - علبة حلاوة بيد زوجتكم حسنة. - بنطال عدد (5) للأولاد يوم جاء الحزم من الشام شتاء العام الماضي. - جزمة ربَّاطية بيد عبد الرحيم. - عقال مرعز أبو شرشوبتين. - حبل ليف أبو أربع جدلات بيد عبد الرحيم أيضاً. - قشاط أبو بزيمين بيد صالح. - شورة بوّال... وربما هذه التي تلبسها الآن ياعبد الرحيم. وقرأ أشياء كثيرة، والله ياجماعة، لم أرها ولم أذق طعمها. وحين حاولت التفاهم معه، صرخ في وجهي قال: هذا الدفتر أمامك، وأنا لا أقول شيئاً من عندي. قلت له: ياحاج، قد يكون أحد من الأولاد لعب بالدفتر. قال: أعوذ بالله.. وهل تحسب أن أولادي، مثل أولادك؟. هنا ياجماعة كان فيّ عقل!!، ...الديوث يعتقد أن أولاده أحسن من أولاد الآخرين، ونحن الذين نعرف أصله وفصله!!. كلكم تعرفون، حين جاء إلينا. كان يأكل ويشرب في بيوتنا، ابن اللعين ظل يتمسّكن حتى تمكّن، وصارت له دكاكين وحواصل. المهم ياجماعة... هجمت عليه فلاذ وراء النصبة وبدأ يتمسكن... وحد الله ياعبد الرحيم، نحن أهل ياعبد الرحيم، لا تغلط ياعبد الرحيم، وهل نسيت الخبز والملح ياعبد الرحيم؟. قلت: الله يلعن الشيطان وساعته، تراجعت نحو الخلف وجلست فوق شوال الملح في زاوية الدكان، أعوذ بالله من الشيطان، الله يلعن الطفر ويلعن أيامه... أشعلتُ سيجارة وصمت. وهل تعرفون ماذا قال بعد ذلك؟. قال: ستدفع ياعبد الرحيم ولا فائدة من كل ماقلت ثم رمى في حضني باكيت دخان جيشي، وصبّ لي كأساً من الشاي الغامق،.... والله ياجماعة سيجارة جيشي مع الشاي الغامق تعادل خمسين شوال قمح. ثم ضحك وعاد إلى جلسته. عقّبَ محمود الشاعر: الذي حصل معك ياعبد الرحيم، حصل لنا جميعاً، والمصيبة يا إخوان أن كثيراً من الشبان تأجلت أعراسهم للمواسم القادمة،... سيقتلهم الانتظار،... فتيات بعمر الورود ينتظرن، وشبان مثل الذهب ينتظرون، وآباء وأمهات يأكلون حسراتهم وأوجاعهم وتنهداتهم وضجرهم، وشكواهم. ماذنب هؤلاء؟. الحب صار مرتبطاً بالمحصول!! والزواج صار مرتبطاً برحمة الدكنجية التي لن تأتي يوماً!. والله لا أدري ماذنب هؤلاء؟ ظللنا نسمع بالمثل حتى رأيناه وعشناه: (احرث وادرس لبطرس). حتى في الأحلام يلاحقنا الشقاء والحظ العاثر يا إخوان: منذ أيام، الخير والصلاة على النبي رأيت فيما يرى النائم: إني مقبل من بعيد على جدار صخري عالٍ، عالٍ جداً يشبه إلى حد كبير هذا الحزام الصخري الذي يطوق القرية من الغرب،... ومن هذا الجدار المرتفع تنفر المياه غزيرة،... ينابيع تتفجر من قلب الصخور، وأمامها يقف حارس أشقر طويل اختلطت زرقة عينيه بالدماء، وعلى رأسه تاج من الذهب أو اللؤلؤ، وعلى أكتافه، نياشين، وشراشيب كثيرة، وفي قدميه بسطار من حديد معشق بالفضة، ويمسك بيده عصا طويلة لامعة لها لون النحاس...، ومن بعيد تخاله شبحاً من تلك الأشباح التي نسمع عنها. اقتربت منه، بادلته التحية، فحياني. قلت له وماذا تفعل هنا؟. قال: أحرس الينابيع التي تراها، كي لا يعبث بها أحد، كي تظل كما هي تماماً...، كما تشاهدها الآن. نظرت، دققت النظر أكثر... نبع متدفق غزير يكاد رذاذه يصل وجوهنا. قلت لمن هذا النبع؟ قال: للعطار. وأشرتُ إلى نبع آخر يماثله في غزارته واندفاعه. قلت: ولمن هذا؟ قال: للسبيني. وتابعت السؤال عن كل الينابيع، ... وهو يقول لي: هذا لفلان، وذاك لعلان،... كل وجهاء القرية لهم ينابيع متدفقة، وإن كانت متفاوتة في غزارتها. وحين نظرت في طرف الجدار الصخري، رأيت نقاطاً صغيرة من الماء لا تكاد تظهر إلا عنوة، تندفع واحدة، فتضيع على سطح الصخور، وبعد فترة تظهر أخرى، تلتمع قليلاً ثم تخبو... قلت للحارس الأشقر الطويل: وهذه لمن؟. قال: هذه لك يامحمود، ألست أنت محمود الشاعر؟. قلت: نعم. كرر قائلاً: هذه لك. ابتسمت، ضحكت، حتى كادت أحشائي تنفر من حلقي ولا أدري كيف تحول ضحكي غضباً، وتحدياً؟... هجمت عليه، حاول منعي بكل الوسائل، لكن إصراري، وغضبي كانا أكبر من طوله وجبروته... صرخت: سأصل إليه... إلى نبعي، سأضع إصبعي في فمه، حتى يصبح أكثر اتساعاً، وأكثر تدفقاً. تسلقتُ الصخور، أنشبتُ أظافري بأطرافها،... شدني من الخلف،... عاودتُ الصعود، ضربني بعصاه، صرخ: لا تفعل، لا تفعل،.... تابعت الصعود، رغم ضرباته الموجعة، وإصراره المتصل. وحين اقتربت من الوصول قذفني بالحجارة، وتابع الصراخ، لا تفعل... واستمر عراكنا إلى أن وصلت...، عندها وضعت إصبعي هذا، ورفع سبابته،... نعم هذا وضعته في فم النبع الصغير... ودفعته بكل قوتي... أطرق قليلاً وقال: وهل تعلمون ما الذي حدث بعد ذلك؟ حين اندفع إصبعي في فم النبع، نهضت من فراشي مذعوراً متألماً، ورأيته في وضع مخجل ثم أشار بيده..... ضحك، وضحكوا جميعاً حتى البكاء. * * * تلمظ المختار على آخر قطرة من القهوة المرة رشفها من فنجان صيني، أبيض معرق، هبش رأسه، وأسهم قليلاً خلف حلقات الدخان المتصاعدة من سيجارته وسجائر الآخرين... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ياجماعة شو قصة الأحلام هذه الأيام؟. ليلة الجمعة الماضية يا إخوان،... الخير والصلاة على النبي...، اللهم أعني على الصدق...، كنتُ أغط في نوم عميق، لا أدري أين سرحت روحي؟. نمت يومها متعباً، حيث عدت من مركز المنطقة مشياً على الأقدام بعد أن انتهى اجتماع المخاتير، فما أن وضعت رأسي على الوسادة حتى وجدتُ نفسي في عالم آخر، كنت ملتذاً بنومي لولا أن أيقظني صراخ زوجتي وهمهماتها،... نهضت خائفاً مرتبكاً مذعوراً، نظرت حولي، تعوّذت من الشيطان،... نظرت في وجهها...، لا زالت نائمة...، تصرخ وهي نائمة، تئن، تكز على أسنانها، تمسك بيديها أطراف الفراش، وكأنها تخشى أن تطير، ... بدأ العرق يتصبب على جبينها حتى كاد يغرق وجهها،... لامست جبينها، خطر لي أنها محمومة، ناديت بأعلى صوتي... خلايج... ياخلايج، خلايج، فلم تجب، قرأت سورة الحمد، وسورة الكوثر، والكثير من الأدعية، إلا أنها ظلت غارقة في كابوسها، هززتها هزاً عنيفاً، استيقظي ياخلايج، انهضي ياامرأة، ماذا حل بك الآن؟!. يارب سترك...، ومالكم بطولة الحديث،... وبعد جهدٍ جهيد نهضت كمن مسه الجمر،... ألقت لحافها جانباً، وقفت، نظرت حولها، ثم عادت إلى الفراش، وهي تنظر في وجهي ذاهلة وكأنها لم ترني منذ ألف عام حوقلت وبسملت، وهمهمت، ثم انهمرت دموعها... لا أكتمكم ياجماعة الخير أني خشيتُ عليها كثيراً، حتى خيل إلي أن الجن قد مسّها،... أحضرت لها كأساً من الماء،... شربت، ثم غسلت وجهها، وتابعت النظر في وجهي... أشهد أن لا إله إلا الله، اللهم اجعله خيراً، يارب دخيلك قالت ذلك واستوت في جلستها وكأن حملاً قد زلّ عن ظهرها. عندها انفرجت أساريري... كيف لا... وهي أم العيال... قلت لها مابك يا خلايج؟. تمتمت بكلمات لم أفمهما عاودني الخوف، لولا أنها تابعت الكلام... قالت: لقد رأيتُ شيئاً أرعبني يامختار... الخير والصلاة على النبي... رأيتُ نفسي أنا وكل أهل القرية، نطير في الفضاء،... نحن والبيوت والمواشي والحواصل، وحجارة الطرق، وسناسل الحواكير، وأعمدة الكهرباء، والفوانيس، وخوابي الماء والسمن والعسل، وكواير المؤونة، وكل شيء في القرية، ريح قوية يامختار عصفت بنا جميعاً، الدنيا كلها تبرق وترعد ثم تهب الريح، إنها ريح صرصر التي نسمع عنها، ظلت تدور بنا وتدور،... كلما اقتربنا من الأرض، ارتفعنا، وكلما ارتفعنا عدنا نحو الأرض، حتى لم نعد نعرف أين نحن؟... ضعنا يامختار، وضاع كل شيء،... صراخ وبكاء وعواء وناس ضاعت وجوههم، ونساء طارت شالاتها فانكشف سترها، ورجال طارت سراويلهم فانكشفت عوراتهم.. ثم بدأت تنشج من جديد. قلت لها: اهدئي يا امرأة، صلِ على النبي، تعوذي من الشيطان،... تماسكت قليلاً، وتابعت: رأيت فيما رأيتُ يامختار ياحفيظ العمر والسلامة. أن أوراق المخترة، وختم المخترة، والقنباز الأبيض الصيني المخطط الذي تلبسه حين تذهب للولائم والاجتماعات، والعقال المرعز المشرشب... رأيتها جميعاً تطير، الختم يامختار كان يتدحرج حيناً ثم تحمله الريح حتى لا يكاد يظهر،... وفيما رأيتُ يابعد عيني، طاقية المرشح عبود، وسترة العريف برهوم، وبسطار العسكري سويلم... رأيتها جميعاً تطير، ثم حدثتني عن أشياء كثيرة لم أفهمها، حتى ولا هي عرفت كيف تقولها... ومنذ ذلك اليوم يا إخوان وأنا محتار في تفسير هذا المنام، وخاصة طيران الختم وأوراق المخترة، والقنباز الصيني المخططـ، ثم مد يده إلى زيق قنبازه... مرة أقول: ولا تؤاخذوني بهذا الكلام، إن أحدهم طامع في خلافتي، ثم أعود للقول: لا يمكن أن يحدث هذا لأن كل الشبان في القرية يلتفون حولي، وكل الفلاحين يدفعون حصتي من الحبوب في الوقت المحدد، ثم استغفر الله وأقول: إن زوجتي خلايج بهلولة وهي تهلوس وتهذي من تعب البال ولعانة الوالدين،... ولكن يا جماعة ما الذي جعلها تفكر بالختم؟... يارب سترك ورضاك. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |