|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هدى حبيبتي وصلتني رسالتك، وقد كنتُ مرهقاً للغاية، حيث أمضيتُ الليلة الفائتة في حالة تأهب واستنفار، لم تذق أجفاني طعم النوم. لاشك أنك سمعت في الراديو أنبار الاشتباكات مع العدز.... كانت تجربة ياهدى لايمكن أن يشعر بها إلا من اكتوى بنارها،... ما أصعب أن يشعر المرء أن حياة الآخرين وقفٌ على بندقيته! هل تصدقين ياهدى أن وجهكِ لم يفارقني لحظة واحدة. كما كل وجوه الأهل والأحبة؟. في بعض لحظات الضعف كان يخيل لي أنهم سينجحون في اختراقنا،... وما إن أتصور أنهم سيدخلون بيوتنا ويقتلون أطفالنا، حتى أستجمع قواي من جديد وأمضي في مهمتي كما لو أني بدأتُ للتو. لقد حاولوا دخول القرية ياهدى،... هل تعرفين معنى ذلك؟. لكن الله كان معنا... فتصدينا لهم... الجيش، والحرس الوطني، والمقاومة الشعبية،... استمر الاشتباك حتى ساعات الصباح. وأحمد الله أن الجميع بخير. لا تخافي عليَّ، فقد أصبحت واحداً من أهل القرية، وصار صوت الرصاص شيئاً مألوفاً لدي،... حاجز الخوف ياهدى يسقط مع أول رصاصة، وأنا أثق لو كنتُ معي لانتابك الشعور ذاته. قولي للمدير أبو عاطف هذا الكلام،... قولي له أن عبود لن ينهزم... طبعاً سيهتز كرشه ويضحك كثيراً ويعود لتركيب حكايات جديدة. ... حبيبتي هدى: بعد هذه التجربة الحارة التي عشتها قائداً للمقاومة الشعبية في هذه القرية، ومالاحظته من إيمان الفلاحين وقدرتهم على المواجهة.. يلح عليّ السؤال: لماذا حين نتحدث عن الحروب الصغيرة أو الكبيرة فإنما نتحدث عن الجنرالات فقط؟!!. لماذا ننسى هؤلاء البسطاء الذين يصنعون في كل لحظة معجزة، وهم يمسكون بمناجلهم وبنادقهم في اللحظة ذاتها؟!.. فهل حقاً لا يتسع التاريخ للجميع كما يقول البعض؟. أيامي تسير كالمعتاد، عمل متواصل، وأحاديث مستمرة حول المنطقة وشؤونها، وحول المواسم، ومتاعب الفلاحين وحقوقهم وأحلامهم. لأحاديث الناس هنا.. طعم آخر... يتحدثون عن المقاومة، وتحرير فلسطين، وتاريخ الصراع مع اليهود. في كل يوم أسمع قصصاً جديدة تهز الوجدان، وتجعل المرء يتأمل كثيراً عظمة شعبنا... ماذا سأروي لكِ؟. البارحةِ حدثني فلاح اسمه عبد الرحيم، وهو رجل غاية في القوة، وغاية في البساطة، كل مايعرفه في هذه الدنيا أننا قادرون على طرد اليهود من فلسطين ولو بالعصي ويردد باستمرار: بلاد ليست لهم، فلماذا لا يعودون إلى بلادهم ويتركوننا نعيش بسلام؟. قال لي: كنت يومها شاباً في مقتبل العمر، وكانت ثورات فلسطين على أشدها... وذات صباح كانت شمس حزيران قد بدأت ترخي على التراب والصخور ضفائر من لهب... طارد الإنكليز عبر الحدود ثائراً اسمه سعد المرسال، وسعد هذا نعرفه جيداً، شاب أسمر طويل، له خصر غزال، لم نره يوماً وإلا وهو يتنكب بندقيته ويزين صدره بأمشاط الفشك... كان يمر بنا كالحلم، كالطيف الذي نحبه كثيراً... كنا مجموعة من الرجال نرقب عملية المطاردة من أعالي الصخور المطلة على فلسطين، ونحن نمسك قلوبنا بأيدينا وماهي إلا لحظات حتى لعلع الرصاص في مضائق الصخور المفضية إلى القرية، عرفنا عندها أن سعد المرسال قد استشهد. جرّوا جثته وألقوها في ساحة القرية، وظل سعد مبتسماً وهو يفتح ذراعيه لشمس حزيران حتى المساء. طلبوا منا أن نتعرف إليه للإيقاع بنا،.... لكي يعرفوا علاقتنا مع الثوار، وحين أفلسوا أمرونا بدفنه، وكنت واحداً من الذين حملوا الجثة. وأقسم أنه رغم وجود الجثة تحت لهيب الشمس طوال النهار إلا أن رائحة سعد ظلت مسكاً وعنبراً والدماء التي بللت ثيابنا أكسبتها نكهة خاصة لا أستطيع وصفها. دفناه على أضواء القناديل... وودعناه بدموعنا وغضبنا. هذه ياهدى قصة من قصص كثيرة نسمعها هنا في كل لحظة... وإذا قدر لكِ أن تأتي فستسمعين تفصيلات كثيرة لا يمكن ذكرها في الرسالة. حبيبتي: العم أبو الزين وزوجة وابنته فاطمة يهدونك السلام، وقد طلبوا مني أن أدعوك لزيارتهم. ... فاطمة لا زالت تنتظر المواسم القادمة والعم أبو الزين بدأت أعرفه أكثر... ذاكرته عامرة بكل أحداث المنطقة،... ورغم أحزانه البادية إلا أنه يمتلئ رقة وحناناً، ولا أكتمك أني استفدتُ من تجربته كثيراً،... يبدو أن قراءة الكتب وحدها لا تكفي ياهدى في كل يوم يحدثني عن أشياء كثيرة، عادات الناس، تقاليدهم صراعهم المستمر مع العدو والإقطاع وتعب السنين وشقاء الأيام... يبدو أني أطلت كثيراً ياحبيبتي، وبودي أن أظل أحدثك، أكتب لك عن كل شيء،... أرجو أن تحددي لي وقتاً مناسباً للقدوم إلى هنا ولو ليوم واحد....، أخبري والدي وهو سيتولى ترتيب الأمر مع أهلك، وسأكون في استقبالك في مركز المنطقة، إذا رغبتِ في المجيء... فقط أخبريني بالموعد المحدد. سلمي على الجميع المشتاق عبود. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |