قناديل الليالي المعتمة - علي المزعل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إشارة ثانية

جف عرق الخيول، وارتاحت النوارج، والشواعيب، والمذاري في زوايا البيوت والخانات، ولم يبق في البيادر إلا دوائر حمراء متربة، تسوّرها بقايا القش والتبن تلتهمها الحيوانات السارحة،... وبدأت قوافل الغجر والبدو بالرحيل، طلباً لمواسم أخرى في بلاد الله الواسعة.‏

سارت الحمير والجمال والخيول وهي تحمل على ظهورها الخيام وبيوت الخيش والشعر وأعمدتها الخشبية التي علقت على أطرافها أتناك الكاز والزيت وصرر المؤونة، وحزم الدجاج التي أحكم ربطها، وبدت الديوك التي نبتت أجنحتها وأعرافها على بقايا المحصول وهي تحاول الإفلات دون جدوى، وارتفع صياحها ورفرفة أجنحتها على نحو يستنفر الدواب ويحثها على مواصلة السير.‏

واعتلى الصبية وصغار السن ظهور الدواب تحيط بهم أمتعة كثيرة ذات ألوان وأشكال متنافرة.‏

حمير وجمال وخيام وكلاب وألوان تمتد وتمتد على الطرق الترابية تاركة خلفها آثار مواقدها، وفضلاتها، وأنفاسها، وضجيج رحيلها.‏

كان آخر المودعين الحارس (أبو سويد)... وقف في منتصف الدائرة الترابية، التي خلفتها خيمة الغجرية مريوم، دار حول نقرتها الممتلئة برمادها، ثم أرسل ناظريه في أفق الشرق، ظلل عينيه براحته، وهو يحاول عنوة الاحتفاظ بطولها، وألوان ثيابها، وجرس صوتها، وكلما تضاءلت، وتضاءل الركب تضيق حدقتاه، يصر عينيه، يفتحهما، يحاول أن يراها،... أن يضعها جانباً بعيداً عن الراحلين، الذين صاروا الآن كتلة متحركة في أفق الشرق،... تمتلئ مآقيه بالدموع، يمسحها، يتابع النظر حتى يغيب الركب في سراب السهول، يحاول مرة أخرى، فتضيع عيناه في سراب متكسر يأكل العيون.... يحاول من جديد، لا شيء في الأفق. إلا غلالات متلاحقة من غبار الطريق خلفتها مواكب الراحلين،... يخفق قلبه، وتخور قواه،... يجلس في الدائرة الترابية التي كانت قبل قليل خيمة لمريوم وأهلها، والتي مازالت تقبض على رائحة فراشها ووقع خطوها وأنفاسها، وصدى رطانتها....‏

يناجيها، يأتيه صوتها رخيماً صافياً، وتنداح رطانتها ولكنتها في أعماقه وهي تحمل جرسها الخاص... آه...‏

البارحة حين جئت لوداعها ليلاً قالت لي: يا (أبو سويد) أعلمك الكار، وأتزوجك، على أن ترحل معنا.. أنسَ كل شيء وتعال معي. وستكون في قلبي وبين أهدابي ماحييت... تعال معي يا(أبو سويد).... أعلمك الكار، ونفخ النار وملاحقة المواسم، ومداواة الخلق، ورطانة الغجر، وطقوس الرحيل، وأنغام الرقص.. قالت كل ذلك وهي تبكي... لا أستطيع يا مريوم، لا أستطيع،... أنا أحبك حتى الجنون هذا صحيح، لكني لا أستطيع الخروج من القرية... أنا يامريوم مثل سمك طبرية، إذا خرجت سأموت... سأموت يامريوم.‏

ولا حل أمامي إلا أن أدوس على قلبي وأبقى هنا... أنتظرك في المواسم القادمة، إن كانت لنا مواسم... فمن يدري؟.‏

تحامل على ساقين مرتجفتين، دار في المكان،... ظلل عينيه، عاود النظر في الأفق، صرّ عينيه مراراً، لم يعد يرى شيئاً، طار الركب، وطار غباره، وظلت الطريق تسبح في سراب الهاجرة.‏

عاود الدوران في المكان،... تحسس صفارته، تمنى لو يصرخ الآن، لو يطلق العنان لصافرته، ليعلن النفير العام في القرية.‏

يافلاحين... يا أهل البلد... أحس أن صراخه ظل في داخله ثم عاد أدراجه وقد رقت روحه، ولانت خطواته، حتى كاد أن يظل في المكان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244