قناديل الليالي المعتمة - علي المزعل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المرشح عبود

وضع يده على طرف الطاولة الخشبية الهرمة، ثم تحسس جهاز الهاتف اليدوي الأسود. دارت عيناه في أرجاء مكتبه المتواضع، حتى استقرتا على وجه العسكري سويلم.‏

اعتقد سويلم أن خللاً مافي هندامه قد لاحظه المرشح عبود، مرَّ بيده فوق أزرار سترته، ثم رمق سريعاً بنود بسطاره الأسود المتآكل، وأزرار أكمامه، إلى أن بدد حيرته سؤال المرشح عبود مداعباً:‏

كيف ترى الدنيا ياسويلم؟.‏

كيف ترى أحوالنا ياسويلم؟.‏

ابتلع سويلم ريقه وتمتمت شفتاه وكأنه يبحث عن إجابة مناسبة، ثم قال:‏

كما تراها أنت ياسيدي.‏

كما أراها!!.‏

ألقى بجسده فوق سريره العسكري المركون بجانب الطاولة، أحدث صريراً ألفه منذ زمن، وضع رأسه بين يديه.‏

... آه ياسويلم، متى كانت الدنيا كما أراها أنا؟.‏

معك حق، كلنا هكذا حين نُسأل، لا نستطيع أن نقول رأياً.‏

أنا نفسي قلت ذلك، حين سألني العقيد منذ أيام.‏

قلتُ له: الدنيا كما تراها أنت ياسيدي،...هذه مصيبتنا.‏

امتدت يده إلى أزرار سترته، حلها جميعاً، لامس شعر صدره المبتل بالعرق، أحس بشيء من عنفوان الشباب، تذكر هدى وأيام الدراسة، ووجوه الأصدقاء، والصديقات، والجيران والجارات، ووجوه تلاميذه في مدرسة القرية، تناهى إليه صوت جرس المدرسة من أعماق الذاكرة...‏

آه لو بقيتُ معلماً، كنت أتمنى ذلك، لكن مصلحة البلد اقتضت أن نلتحق جميعاً نحن أبناء العمال والفلاحين بصفوف الجيش لنحمي مصالح الفقراء من أبناء شعبنا... لستُ نادماً على كل حال.‏

تابع النظر في أرجاء حجرته، قلب سقفها خشبة إثر أخرى، توقف مرات عديدة في زاوية من زوايا السقف حيث تناثرت الأتربة الناعمة على السرير المقابل له تماماً إثر حركة سريعة أحسها وراقبها باهتمام.‏

...ربما كان ثعباناً أو جرذاً... لا أدري،... على أية حال يقولون في هذه القرية، إن الحيّة إذا جاورت لا تؤذي، كل الفلاحين الذين تعيش الحيّات في سقوف بيوتهم الخشبية يقولون ذلك، ... لا أدري كيف وصلوا إلى هذه القناعة،... أنا أعرف أن الحية حيّة إذا جاورت أو لم تجاور.‏

ثم مر في ذاكرته الكثير من قصص الفلاحين التي تؤكد جميعها أن الحية إذا جاورت لا تؤذي.‏

... غريب مايجري في هذه القرية... هناك الكثير من المتناقضات، بعضهم لا زال يؤمن بالأساطير وحكايا الغول والجن والشياطين، وخروج القتلى بعد موتهم وصراخهم ومطالبتهم بالثأر... يتحدثون عن ذلك وكأنها حقائق واقعة ومؤكدة، بل يذهب الكثيرون منهم إلى الحديث عن وقائع وقعت لهم...‏

سمعوها... وشاهدوها حتى أنك لا تستطيع مناقشتهم في مثل هذه الأمور،.... وفي الوقت ذاته في القرية الكثير من النابهين الذين يعرفون كل شيء. ويلتقي الجميع على قيم وعادات أصيلة يندر أن تجدها عند الآخرين،... كرم، وشهامة، وصدق، وتمسك بالأرض،... كثير من الفلاحين أرى في تهدجات أصواتهم وملامحهم... أصوات أهل قريتي حتى وضاح الأعمى هنا يقابله صطوف الأعمى في قريتنا، ولكن شتان بين الاثنين، صطوف قريتنا يوظف ذكاءه في البحث عن الولائم والأعراس، ووضاح هنا له اهتمامات أخرى... يحدثك عن الثوار والسلاح وفلسطين والعرب، والطرقات والمعابر والمستقبل.‏

.... يبدو أن الظروف تصنع الإنسان كما تشاء... الإنسان ابن حقيقي لظروفه ومعاناته.‏

قبل أن آتي إلى هنا كنتُ أسمع الكثير عن أهل المنطقة، كنت أعرفها على الخارطة فقط، أتابع أخبارها في الراديو أو من خلال الزملاء الذين أمضوا خدمتهم العسكرية هنا، إلا أن الوضع تغير الآن، ليس من يسمع كمن يرى، هنا الناس نضجوا على نار الحرب، نضجوا على نار فلسطين، فلسطين في مرايا بيوتهم منذ زمن بعيد.‏

وفي كل يوم معركة، وفي كل يوم اشتباك، وفي كل لحظة محاولة لتسلل الأعداء،... حياتهم كلها حرب،... حرب مع العدو، وحرب مع المواسم، وحرب مع بقايا الإقطاع، وحرب مع الرغيف، وحرب مع الدكنجية وتجار الحبوب...‏

قطع شروده رنين متصل للهاتف اليدوي الذي يقع على امتداد يده تماماً...‏

ألو... نعم سيدي... هز رأسه مراراً... نعم، هذا ماسيكون،... أربعون رجلاً يوزعون على عشرة كمائن، نعم... أمرك سيدي، كما تريد.‏

تناول قائمة كانت موضوعة أمامه على المنضدة، مرَّ على الأسماء الموجودة فيها مروراً سريعاً.... وضعها جانباً ثم عاد لشروده من جديد...‏

الأوضاع الآن ليست على مايرام،... المسألة كما يبدو ليست مسألة اشتباكات عابرة، هناك محاولات يومية للتصعيد،... وما أخشاه، أن نكون وحدنا في المعركة، وخططهم دائماً الاستفراد بكل جبهة على حدة...‏

والإخوة العرب، كما يبدو لم ينتبهوا بعد رغم كل التجارب السابقة، والمصيبة أن بعضهم لا زال يعتقد أن تحرير فلسطين يمكن أن يتم خلال أربع وعشرين ساعة... معظمهم يجهل حتى الآن أو يتجاهل تركيبة المؤسسة العسكرية الصهيونية، وطبيعة تحالفاتها الدولية ولاسيما مع الإمبريالية الأمريكية،... والمحزن أيضاً أن بعض الحكام العرب أصدقاء للأمريكان حتى هذه اللحظة، كما كانوا أصدقاء للإنكليز من قبل،... ألم يدركوا بعد أن هؤلاء هم أسباب الكارثة!؟.‏

العدو يعتمد دائماً على الحرب الخاطفة، وعلى الاستفراد بنا جبهة أثر أخرى.‏

آه.... والله لا أدري ماذا أفعل... أرجو ألا تكون مخاوفي في محلها... المشكلة حتى الآن لا يوجد شيء على الأرض بالقدر الذي نطمح إليه، وميزان القوى كما أعتقد ليس في صالحنا ولاسيما بعد صفقات الميراج والسكاي هوك الأخيرة، وصواريخ الهوك الأمريكية التي غطت معظم مساحة فلسطين...‏

صحيح أن لنا مواقع حصينة ورجالاً يأكلون الصخر وقد أثبتت الاشتباكات الأخيرة أن كل طيار من طيارينا يعادل عشرة طيارين من رجال العدو...‏

الشهيد غازي الوزوازي ورفاقه قاتلوا طائرات العدو وأغرقوا زوارقه بأجسادهم في مياه البحيرة... وفي المعارك الأرضية أيضاً برزت الكثير من البطولات الخارقة، حتى على مستوى الفلاحين البسطاء رجال المقاومة الشعبية.‏

الكثيرون منهم يصلون في كل يوم إلى شاطئ البحيرة دون أن تهتز لهم خاصرة،...سالم... منذ أيام دخل مزارع الخواجات وأتلف شبكة الري ثم عاد سالماً، حتى أنه غدا مادة لغناء الفتيات في الأعراس... أغنية جميلة سمعتها منذ أيام:‏

مطلعها: ياسالم ياشايل الرشاش... أتمنى لو أستطعت حفظها...‏

أنا أثق أنه لا تنقصنا الشجاعة ولا الحماس... النساء في هذه القرية ألقين القبض على بعض المتسللين... الحاجة فطيم منذ أيام ألقت القبض على أحدهم... اقتادته إلى هنا، إلى مكتب المقاومة بعد أن أدمت رأسه، وقفت أمامي كفارسة من فارسات العرب، وهي تقص على مسمع الجميع ماحدث لها في ذلك اليوم.‏

... شعبنا مقدام يمكن أن يعطي كل شيء، ولاسيما في اللحظات الحاسمة لكن ذلك لا يكفي، الحماس وحده لا يكفي... يجب أن يستند إلى قوة وخبرات عملية، وفهم علمي لموازيين القوى، وتحليل منطقي لشبكة العلاقات الدولية، وقدرة كافية لاستخدام تقنيات العلم والتكنولوجيا، والأهم من كل ذلك: وجود حد أدنى من التضامن العربي، وحد أدنى من الاستعداد لأية مفاجئة، يجب أن يفهم العرب أن عنصر القوة الأساسي لعدونا هو (فرقتنا وتمزقنا) ومثل هذا متوفر الآن... وهذا مايخيفني.‏

خطر لي مراراً أن أقول أشياء كثيرة في اجتماعاتنا مع القيادة، أن أقول ذلك بصوت عالٍ، لكني خشيت أن لا يسمعني أحد أو يفسر كلامي على غير ما أريد... فصمت... آه... الصمت أحياناً يصل إلى مرتبة الخيانة... نعم مرتبة الخيانة، اهتزاز الثقة وعدم احترام الرأي الآخر سيكون سبباً في تدمير مستقبلنا...‏

أحس بشيء من التوتر، نهض من سريره، الذي بدأت حفرته بالارتفاع شيئاً فشيئاً كلما تداخل صرير متقطع خفيف لحلقاته الحديدية الصدئة...‏

راح يذرع الغرفة جيئة وذهاباً...، يفرك جبينه، يصفق بيديه... يبدو أني أحمل الأمور أكثر مما تحتمل،... على كل حال ما أعرفه أنا، يعرفه الآخرون، وأعتقد أن كل مايمكن قوله لن يكون جديداً عليهم، فهم يحدثونا كثيراً عن تجارب الشعوب الأخرى، وحرب الشعب وغير ذلك...‏

ما شأني بذلك؟.‏

أنا مسؤول عن المقاومة الشعبية فقط، ‎... أنا رديف للجيش ولن أقصر إذا وقعت الواقعة... الآن صار بين أيدينا بنادق جديدة،... البندقية الفرنسية ذات عشرِ الطلقات، ومسدسات السموبال الرشاشة ذات الأربعين طلقة، وبعض رشاشات الهوجكيس، ورشاشات خفيفة من أنواع مختلفة... هذا أفضل من الوضع السابق وإن كان ليس كافياً... ما أستطيع فعله هو مواصلة التدريب، ورفع الروح المعنوية لدى الفلاحين في القرية صحيح أنهم لا يقصرون لكن الأمر يحتاج إلى الكثير من العمل، حتى أولئك الذين يتأففون من أعمال الكمائن والدوريات فإنما يفعلون ذلك لتعبهم وشقائهم،... في النهار عمل متواصل في الحقول، وفي الليل سهر متواصل على الحدود،... كان الله معهم.‏

من واجبي أن أبحث عن كل السبل التي توصلني إلى قلوب الفلاحين وعقولهم... هناك شبان يتفهمون الوضع تماماً، ويمكن أن يساعدوني في ذلك.‏

أبو العبد وعوض المسعود، يتحدثان كسياسين محترفين بل كعسكريين محترفين أيضاً، يمكن أن أعتمد عليهم في الكثير من القضايا.‏

حتى إني بدأت أشك أنهما يتلقيان تدريبات عسكرية وسياسية بطريقة ما، ولاسيما بعد أن عرفتُ مؤخراً أن سيارة لاندروفر حكومية تأتي إلى بيوتهم في ساعة متأخرة من الليل لتأخذهما إلى حيث لا يدري أحد... وقد تعززت شكوكي أكثر حين علمت من بعض الأصدقاء في القيادة أن هناك محاولات تدعمها الحكومة لتشكيل فرق فدائية على طريقة حرب العصابات... وهذا يدفعني للاعتماد عليهما أكثر من أي وقت مضى.‏

ووضاح الأعمى هذا الرجل المدهش يجب أن أظل قريباً منه، فهو روح القرية وجرس إنذارها.... وفي تاريخنا الكثير من أمثاله الذين أبدعوا الكثير كطه حسين وأبو العلاء المعري.‏

ومحمود هذا الشاعر الشعبي اللطيف له من خفة الروح وصوابية الرأي ماجعله رجلاً محترماً بين الجميع، حتى لا تكاد سهرة من سهراتهم تخلو من أشعاره وحكاياته... هؤلاء جميعاً يمكن أن يساعدوني في تصريف الأمور.‏

أحس بشيء من الدّوار، فرك جبينه، ثم نفض فتائل سوداء صغيرة علقت بأطراف أصابعه، شد طرفي سترته، أحكم أزرتها جيداً، توجه نحو الباب، طارت عيناه في فضاء القرية وأزقتها.‏

.... سحب نفساً عميقاً ثم استدار ليلقي بجسده مرة أخرى فوق سريره العسكري... صر السرير صريراً متلاحقاً يتناغم مع حركاته المتكررة ليكون جسده في وضع أفضل...‏

تثائب، وضع يده على فمه، فابتلت بندى صدره، عاوده التثاؤب من جديد، قلب يده فوق شفتيه، اغرورقت عيناه بدموع التعب والنعاس. همهم للنوم... لولا أن أطل العسكري سويلم والعريف برهوم... اجتازا عتبة المكتب...‏

هانحن هنا سيدي...‏

مسَّ وجهيهما بنظرة جانبية منداة بدموع النعاس...‏

طيب ياشباب... صمت برهة، .... تثاءب...‏

بعد أيام يجب أن يجتمع عناصر المقاومة في حقل الرمي لاختبار البنادق الجديدة، ولإجراء التدريبات المعتادة التي تعرفونها وعلينا أن نجهز كل مايلزم لذلك... الأهداف،... الأعلام الحمراء، الفشك، والبطاقات الخاصة بشؤون التدريب...‏

والأمور الأخرى التي تعرفانها...‏

أمرك سيدي،... كل شيء سيكون جاهزاً في الوقت المحدد، وسنبدأ الآن.‏

تناهض متباطئاً، وأسلم خطواته لفضاء الزقاق الموصل إلى منزله.‏

جلس العريف برهوم خلف الطاولة، دفع صدره قليلاً نحو الأمام وراح يداعب سماعة الهاتف بعد أن تأكد تماماً أن المرشح عبود قد أوغل في تعرجات الزقاق.‏

بينما بدأ العسكري سويلم يدك وابور الكاز الأصفر المتسخ ليغلي كأساً من الشاي الغامقة كدم الرعاف التي اعتاد أن يقدمها للعريف برهوم ليرشفها مع سيجارة الجيشي بعد أن يبلها بلسانه ويمر بها بين شفتيه.‏

الجيشي إذا طاله الندى صار أطيب من دخان (ستار).‏

أفهمت ياسويلم؟.‏

دك الوابور.. دك.‏

يدكُ سويلم الوابور، فيرتفع هديره، وتتعالى تارة حتى تطال مقبض إبريق الشاي الأسود...‏

ودكي وابورك على يالله ويالله.‏

مثل وابورك ماخلق الله.".‏

اخرس ياولد، أنت في المكتب، ولست على البيدر، قال العريف برهوم... ثم انقلب على ظهره واضعاً أقدامه على أطراف الطاولة، حتى بانت جلدة بسطاره المنفرط، ثم أطلق صوته بالعتابه...‏

أوف... حبيبي...‏

حبيبي هات رشيشك تعبِّيه‏

من عظم ضلعي إن عزّ الفشك لعبِّيه‏

أوف... حبيبي...‏

وتداخلت قرقرة الشاي وهدير الوابور مع الغناء والعتابا إلى أن بدأ الصبية يطلون برؤوسهم، ثم يفرون وقد خلفوا وراءهم سيلاً من القهقهات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244