قناديل الليالي المعتمة - علي المزعل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عوض المسعود

حين أقبل باص الطيب الأخضر من بعيد تنفسنا الصعداء، وزالت مخاوفنا في التأخير عن الاجتماع الذي دعينا لحضوره في مركز المنطقة، أنا وأبو العبد وسالم، ومحمود الشاعر وآخرون...، ورغم ذلك فقد مرت الدقائق الأخيرة ثقيلة مضنية... الباص قادم من بعيد، لكنه لا يكاد يتحرك من مكانه، وكأنه قد التصق بإسفلت الطريق، أو غرق في سراب السهول الذي يبدو أمامنا الآن لامعاً كالمحيط.‏

قال أبو العبد:‏

باص الطيب هرم ياجماعة علينا أن نصبر قليلاً، ومادام قد اجتاز مرتفعات الحمة فسيصل حتماً،... هذا الباص ياجماعة كان يعمل فيما مضى على خط يافا-القدس، وهاهو يتابع العمل هنا... وماذا نفعل إذا كان هو الباص الوحيد الذي يأتي إلينا؟.‏

تبادلنا أحاديث كثيرة إلى أن ضاقت المسافة بيننا وبينه،... صار هديره يصل إلينا مقطّعاً حيناً، ومتصلاً أحياناً، إلى أن صرَّت عجلاته أمامنا صريراً ساخطاً خشناً، نهض على إثره الجميع... صعد بعضهم على سلمه الخلفي المرتجف، وارتفعت الأمتعة، والخراف الموثقة، وحزم الدجاج، والسلال، وحزم الفراش، وأطباق القش، وأتناك معدنية ملأى وفارغة، وصرر قماشية أُحكم ربطها، وشوالات منتفخة بالحبوب،...‏

ومع ارتفاع صوت المحرك، وارتجاف الباص المتسارع ارتفعت جلبة الناس ونداءات الصبية:‏

هاتوا لن خبزاً أبيض،... هاتوا عجوة وحلاوة...‏

أريد بنطالاً يا أبي، وصندل جلد، والله هذا الذي ألبس قد تخزق حتى بان لحمي... أنظر... أنظر.... وأريد حزام جلد أبو بزيمين، وكركاع نحاس للبقرة الصبحاء،... لا تنسَ يا أبي.. الكركاع يا أبي...‏

وقبل أن تدور العجلات دورتها الأولى... ارتفعت صيحات ونداءات وتلويحات لرجال وصلوا للتو وكادت أن تفوتهم فرصة الركوب...‏

استمر تدافع الناس، رجالاً ونساءً وصبية تزحمهم السلال والصرر بأحجام مختلفة، وكوفيات علق بعضها، وزلّ بعضها عن رؤوس أصحابها، فانكشفت الهامات الخشنة التي تلاقت على أطرافها خطوط الزمن، واستمر صراخ الصبية:‏

يا أبي.. يا أبي...‏

تقول لك أمي لا تنسَ أن تشتري لها ملفّعاً من الجورجيت الأسود من عند الدكنجي أبو نصوح...‏

يا أبي: تقول لك الخياطة الجمحاوية:‏

هات لها كراكر خيطان أسود وأبيض للماكينة.‏

وستخيط لك سروالك مجاناً كلما انفرط.‏

وتقول لك أمي: لا تنسَ أن تذهب لعند المجلخ لسن السكين وساطور الحطب، وإذا ظل معك مصاري اشتر لها الغرض الذي أوصتك عليه.‏

صرخ الطيب بعد أن رمى قدمه على دعسة البنزين:‏

خالص، يالله ياولد، يالله ياولد.. انصرف.‏

يالله ياميسر الأمور...‏

ركض بعض الصبية على الجانبين وواصلوا الصراخ...‏

ومن خلف الزجاج المهشم، والنوافذ العارية اهتزت رؤوس، ونهضت ابتسامات ولوّحت أيدٍ...‏

وكنتُ آخر الصاعدين.‏

والذي أغضبني وجعل الدنيا تقلب في عيني أن حمدان الكلب يجلس في المقعد الأول، ويضع رجلاً على رجل ويهز جزمته اللامعة حتى تكاد أن تلامس وجوه الصاعدين على عجل.‏

قلت له:‏

إلى أين ياحمدان؟.‏

قال: أنا ذاهب معكم للاجتماع... اليوم سنبحث توزيع الأراضي.‏

قلت: وماشأنك بذلك؟.‏

قال: اخرس ياولد وتأدب،' منذ متى صرت رجلاً؟.‏

ومنذ متى صرت وصياً على الحكومة؟.‏

قلت له: أنا أسأل فقط.‏

قال غاضباً:‏

هل نسيت ثوب أمك المرقع؟.‏

وهل نسيت أنها لا زالت تزحف على ركبتيها لكي تؤمن لك سم الهاري؟.‏

ثم ارتفعت عقيرته بالسباب والشتائم...‏

لو كان معك أكثر من السرتفيكة، ماذا ستفعل يابن اللعين؟.‏

اذهب واكشف عن ظهر أبيك،... مازالت السياط على ظهره حتى الآن.‏

منذ متى ياعوض الزفت صرت تحكي باسم الحكومة؟.‏

لو كان لك طول الرجال لخربت الدنيا يابن الديوث؟.‏

ألم ترّ وجهك في المرآة يابن الهليك؟.‏

أنت والحمار ثمرة لخصية واحدة.‏

وهل نسيت مداس أبوك يابن ....؟‏

ها... المداس الذي لم يغيره منذ أيام آدم...‏

حاولت إسكاته بشتى السبل دون جدوى...‏

تابع السباب وتابع الشتائم:‏

والله عال ياجماعة، (حكم ولاد، وشيخة كراد) عوض الذي لم يشبع الرغيف في حياته صار زلمة!!.‏

على مين... على حمدان...!!.‏

صار عوض يحل ويربط....(رباط عجلي صار رَجلي).‏

تفه على ها الأيام...‏

قال كل ذلك على مسمع الجميع...، عندها طق عقلي يا إخوان رغم محاولتي ضبط أعصابي.‏

صرخت في وجهه:‏

لن تذهب معنا،... والله لن تذهب إلا إذا كنتُ ميتاً ياحمدان الكلب.‏

نهض من مقعده، رفع عصاه في وجهي، ...هجمت عليه ولكمته، قام العديد من الشبان، ولكموه أيضاً، وتصالبت فوق رأسه الكثير من الأيدي، والكثير من شراشيب عقل المرعز التي التفت على رأسه ووجنتيه.‏

صرخت بالطيب صاحب الباص، قلت له:‏

والله لن تتحرك قيد أنملة مادام هذا اللعين هنا.‏

واستمر العراك حتى ألقيناه خارجاً.‏

وحين دارت عجلات الباص كان الكلب ينهض عن الأرض وهو ينفض التراب عن عجيزته، ويأكل الباص بعينيه المنتفختين اللتين نبتتا في وجه كوجه شيطان.‏

سار الباص بطيئاً لاهثاً وبدأ يعوي وهو يحاول الصعود بعد أن تجاوزنا انحدار الجسر الذي ينتصف الطريق الإسفلتي الضيق المؤدي إلى مركز المنطقة.‏

في هذه الأثناء، كان حمدان يعدو على ظهر فرسه، وهو يحاول اللحاق بنا،... رأيته بأم عيني، وأنا أنظر من الزجاج الخلفي للباص.‏

قال سالم ضاحكاً:‏

أخشى أن تنجح فرس حمدان في سباقها مع باص الطيب ياعوض.‏

قلت: حتى لو حدث ذلك سأضربه مرة أخرى، ولن يدخل الاجتماع إلا على جثتي.‏

قلت ذلك متردداً: وقد بدأتُ الخروج من فورة الغضب... تذكرت ماقاله لي وضاح الأعمى ذات مرة.‏

قال: ياعوض انتبهوا، الشجرة عندما ترتفع في السماء تكون أكثر عرضة للرياح العاتية،... وجسر الخشب مهما كان قوياً فهو في كثير من الأحيان، يحمل سوسه في داخله...، حتى جسر الحديد، يظل معرضاً للصدأ إن لم يجد من يصونه ويحميه...‏

انداح في داخلي صوت وضاح... لذت بالصمت وفي داخلي ثارت أسئلة كثيرة:‏

أيكون لحمدان الكلب علاقة ببعض الشباب؟.‏

وهل هناك من يتعاطف معه حتى الآن؟.‏

تذكرت وليمته الأخيرة... يومها وَقَفْتُ أمام عمارته سيارات كثيرة، ذات أشكال وأحجام مختلفة....‏

أحسستُ أن رأسي يمتلئ بالصراخ، وضاعت عيناي في بطون الجبال، والأشجار، والأودية، والسهول التي تركض بطيئة على الجانبين.‏

هرج، وجلبة، وأصوات رجال ونساء وأطفال، ورؤوس تندفع من النوافذ للتأكد من ثبات الأشياء على ظهر الباص، ثم تعود سريعاً لهرجها ومرجها الذي ازداد مع دخولنا مركز المدينة.‏

ومالكم بطولة الحديث... فقد دخلنا قاعة الاجتماع، وتحدثنا عن أشياء ومواضيع كثيرة،... تعديل قانون الزراعي، وتحديد سقف الملكية، وتشكيل لجان توزيع الأراضي. وتحديث أدوات الرزاعة.‏

إذ لا يعقل أن تعتمد القرية كلها على جرارين فقط رغم اتساع السهول ووفرة المحاصيل... وحتى في قرى أخرى لا يوجد ولا جرار واحد،... تحدثنا كذلك عن محو الأمية، وتوزيع الأسلحة على عناصر المقاومة الشعبية، وتحدث بعضهم عن تجارب الشعوب الأخرى في الثورة الزراعية، وحرب العصابات وقضايا كثيرة تحدثنا عنها أيضاً... كانت عيناي، واحدة داخل الإجتماع، والأخرى على مدخل القاعة، وفي داخلي مرجل يغلي، ماذا لو دخل حمدان الكلب؟.‏

ماذا سأفعل؟... كيف سأتصرف...؟‏

وحين انتهى الاجتماع عدنا سيراً على الأقدام وقد طوّينا طول الطريق، وغيّبنا التعب بنقاشنا المتصل وأنفاسنا، وأصواتنا التي ظلت عالية حتى دخولنا ساحة القرية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244