قناديل الليالي المعتمة - علي المزعل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رصاص في فضاء الصخور

لأول مرة يشعر أبو سويد أن الهواء في صدره لا يكفي لإطلاق صافرته، وأن الأنفاس في حنجرته لا تكفي لإنهاض صوته الذي عرفه الجميع مدوّياً...‏

صوته الذي يستنفر عليه الجميع، والذي يعرفه الجميع، يبدو الآن وكأنه حبيس أضلاعه، أو كأنه أضاع دروبه السابقة.‏

فم الصافرة بين شفتيه يبدو جافاً يابساً وكأنه يمسك بها لأول مرة،... ومع ذلك فهو يحاول الآن إطلاقها، فالأوامر تقضي بذهاب الفلاحين إلى حقل الرمي صباحاً كما هي العادة في المرات السابقة.‏

كان الفلاحون قد خرجوا إلى مصاطبهم الحجرية أمام بوابات بيوتهم الهرمة حيث صارت الظلال تقبض على تباشير الندى الذي حملته ساعات المساء.‏

مصاطب حجرية صارت ملساء بمرور الزمن، ثياب الفلاحين، وأجسادهم آباءً وأجداداً وأحفاداً أكلت نتوءاتها، فأكسبتها شيئاً من الألفة والحنان، وصارت شاهداً على أجيالهم المتعاقبة، في حالات سمرهم واسترخائهم، وأحاديثهم، ومشاجراتهم، وشكواهم، وبوحهم.‏

...في هذه اللحظات تماماً، كانت الصافرة اللأولى على عتبة بيت المختار، وكان النداء الأول على زاوية الزقاق المؤدي إلى ساحة القرية، حيث يجلس وضاح الأعمى وثلة من الفلاحين.‏

حاول أبو سويد أن يسترجع قدرته على إطلاق صوته كما كان سابقاً... يا فلاحين، يا أهل البلد...، غداً صباحاً...‏

التواجد مع أسلحتكم في حقل الرمي.‏

وما إن استكمل النداء حتى عمرت حنجرته بالسعال:... الذي جاء جافاً جارحاً مؤلماً، ... ابتسم وضاح الأعمى وضرب عصاه في التراب :‏

مابك يا (أبو سويد)؟!‏

صوتك اليوم ذاوٍ كأنه يخرج من بئر عميق، وصافرتك بالكاد تطلق صراخها.‏

قال أبو سويد:‏

آخ ياوضاح .. ماذا أقول ؟‏

ذبلت الروح، وجفت الشفاه، فماذا أفعل؟‏

مريوم راحت ياوضاح، ولم يبق إلا عجاج الطريق، وحجارة المواقد، والأمل بالمواسم القادمة.‏

ومن يدري فهل تأتي المواسم؟‏

قال وضاح:‏

المواسم القادمة يا (أبو سويد) علمها عند الله، ومالنا سوى الصبر،... أخشى يا(أبو سويد) أن تفقد كل شيء، صوتك هذا ، وصفارتك هذه ، من يدري؟‏

قد يأتي وقت لايسمعها،... ليس صوتك فقط، أصواتنا جميعاً قد تضيع،... لاأدري لماذا تبدو الدنيا مثل كحل العين؟‏

الدنيا ياوضاح ، ياخوي مثل خرم الإبرة، ضاقت كثيراً حتى لم أشعر بطعمها...‏

قال ذلك وهو يحاول ابتلاع ريقه، حيث ارتفعت تفاحة عنقه وانخفضت سريعاً وهو يطلق صوته:‏

يافلاحين... ياأهل البلد...‏

صوته ، وصافرته وندى المساء، ولغط الفلاحين، وجلبتهم على مصاطبهم الحجرية. وأسراب من الطيور تدف فوق البيوت ثم تابع مسيرها نحو أشجار الكروم.‏

يغيب الصوت ثم يرتفع من جديد عبر تعرجات الأزقة، والدروب الضيقة التي حفظها جيداً، وارتسمت في داخله صوتاً متصلاً منذ زمن بعيد.‏

وأسئلة وأجوبة تتردد على حواف الطريق، وصبية يركضون خلفه، يرددون صدى صوته... يافلاحين... يا أهل البلد...‏

وما إن توقف نداؤه عند آخر بيت في القرية، حتى التوى في الطريق المتربة إلى بيادر القرية.‏

كان يعرف أن البيادر أقفرت، ... لكنّ النجوى والحنين تدفعانه عبر الطريق الذي اعتاده في الأيام الماضية.‏

وقف، أجال النظر في فضاء السهول، والدوائر الترابية التي كانت يوماً تحتضن أكداس القش وخيام الراحلين عبر دروب القرية وشعابها.‏

استدار نحو خيمة مريوم،... خيمتها التي أدمت ذاكرته وابتلعت صدى صوته، وعبير أنفاسه.‏

أحس أن صوته عاد كما كان، قوياً مدوياً...‏

كانت مريوم تطل من خيمتها عند سماع الصافرة... أما الآن فلا أحد... صورتها فقط، ظلالها، صدى ضحكاتها، وحجارة المواقد، وحنان الأرض التي كانت تحتضنها يوماً.‏

حاول أن يصرخ، يافلاحين....، مات الصوت في داخله ابتلع حرارة الدمع، وماء الأنف، ولاك لسانه في بحر من العلقم.‏

استدار نحو المكان، ثم طارت عيناه في فضاء الطريق، فبدت أمامه قوافل الراحلين.‏

ماذا لو ذهبت معهم؟.‏

ماذا لو تعلمت الكار وصرت واحداً منهم؟.‏

أسئلة كثيرة تنازعته الآن... أعادت إليه صحوه وتماسكه.‏

لا لن أخرج من القرية، الخروج من القرية موت.‏

ومن يقبل أن يموت؟.‏

ثم استدارت قدماه ليدخل القرية من جديد...‏

يافلاحين... يا أهل البلد...‏

وراح صدى الصافرة يندمج مع صدى الصوت ليُنهضا معاً همم الفلاحين، واستعداداتهم للقاء في صباح اليوم التالي.‏

صباحاً كانت الأعشاب اليابسة لا زالت تحتفظ بندى الليل والطرقات المتربة تعود إلى يباسها كلما ارتفعت الشمس قليلاً من خدرها المشرقي،... وحواف الصخور لا زالت تحنو على دوائر الندى الآخذة بالتبخر، أو الاختباء حتى حلول المساء، وقطعان الماشية تجر أطرافها على أنغام أجراسها وزجر رعاتها، ونباح كلابها، وأسراب الطيور تفر من شقوق الصخور، ومن بين الأشجار لتتجه إلى بقايا المحاصيل في أطراف القرية وسهولها.‏

في هذه الأثناء كانت الأعلام الحمراء تخفق على امتداد الطريق المحاذي تماماً لحقل الرمي، حيث يشكل الانهدام الصخري الحاد صدراً متيناً لاستقبال الرصاص، وأصوات تندّ من هنا وهناك لتحويل المارة إلى طرقات أخرى بعيداً عن الخطر المحتمل لرصاصات طائشة في فضاء الصخور.‏

وفي الطرقات الوعرة التي تمتد متعرجة بين حواكير الزيتون والصبار والعنب والتين، بدت جموع الفلاحين تتجه نحو المكان، وبدت فوهات البنادق لامعة تحت شعاع الشمس الذي بدأ يمتد حيّياً عبر خضرة الحواكير، وألوان الصخور الرمادية الداكنة.‏

بعضهم يضع البندقية على كتفه، وبعضهم يضعها على ظهره، وبعضهم يحملها بيده، ثم ينقلها لليد الأخرى، وأصوات متداخلة يصعب فرزها... قهقهات، وتعليقات، وأصوات أحذية تعارك حصى الطريق، وغلالة من الغبار الناعم تضيع فيها خيوط دخان السجائر التي لفظتها أفواه هرمة وشابة ويافعة، وكوفيات تشكل خطوطاً بيضاء متعرجة ومتداخلة، فتبدو من بعيد كنوارس تدخل في خضرة البساتين، وبحر الصخور، في البعيد بدأت نوافذ البيوت في طبرية تلتمع أحياناً، ثم تخبو أحياناً أخرى، وثمة خطوط بيضاء متعرجة تركتها طائرة الاستطلاع المعادية التي يعرفها الفلاحين (بأم كامل) والتي تحفظ الوجوه، والطرقات والصخور في صباحاتها وأمسياتها ولياليها المقمرة، وساعات نفيرها ونومها.‏

قال بعضهم: أم كامل تستعد لتصويرنا يا إخوان.‏

وقال آخر: المشكلة ياجماعة أنه لا يوجد شيء يبيّض الوجه...‏

معظمنا قد لا يرى الأهداف، وطلقاتنا قد تضيع في شقوق الصخور.‏

قال عبد الرحيم:‏

آخ لو تقترب أم كامل قليلاً، والله سأفرغ في بطنها مشطاً كاملاً وليكن مايكون، ... قال ذلك وهو يصر عينيه ويلتهم الأفق الغربي فوق بحيرة طبرية، التي بدأت زوارقها تلعب فوق أمواج هادئة تحركها نسيمات الصباح الطري البليل.‏

ومن الطرقات البعيدة بدت مجموعات المسلحين القادمين من المزارع المجاورة كتلاً سوداء متحركة يعقبها غبارها، وتسبقها أصداء أصواتها فتلتقطها الصخور حتى تظن أنهم أوشكوا دخول المكان،... وحين تدقق النظر تعرف تماماً أنك مخدوع بالصدى، ولا زالت الطريق أمامهم.‏

في المكان المخصص للاجتماع، تبدو لك الصخور، وقد اكتسبت أشكالاً جديدة، حيث تطاول بعضها، وصار لبعضها ألوانٌ تختلف عن ألوانها، وما أن تقترب حتى ترى الكثير من الفلاحين وقد أراحوا أجسادهم فوق أطرافها، وكلما جاء قادم جديد تكتسب الصخور أشكالاً متبدلة إلى أن تأتي لحظة البدء...‏

بينما بدا المرشح عبود، والعريف برهوم، والعسكري سويلم، وأبو العبد وعوض المسعود، ومحمود الشاعر وغيرهم وهم يتفقدون الأهداف،... يغرسونها في الأرض، يثبتونها، يحرصون على ظهورها،... ينظرون إليها من بعيد، ثم يعدلون أوضاعها، ويركضون نحو المساند الترابية التي ستنام فوقها البنادق، وتختفي خلفها وجوه الرجال،... يعدونها، ويزيلون الحصى الكبيرة من أمام مسارات الرصاص المفترضة، ويحسبون المسافة بينها، .... ثم يجتمعون من جديد، يتبادلون الرأي، ويعدون أمشاط الفشك، ويستعرضون معاً قوائم الأسماء، ومفردات اللوائح الخاصة بالتدريب.‏

وخلف المساند وعلى بعد أمتار فقط تجمهر الصبية والرجال في حلقات متداخلة...، ومن بعيد بدا وضاح الأعمى يغذ السير مسرعاً يضرب بعصاه أطراف الصخور، وتند عنه همهمات متلاحقة إلى أن اقتعد صخرة وتحلق حوله العديد من الرجال والصبية.‏

لماذا جئت ياوضاح؟‏

أنت لا تحمل بندقية!؟.‏

قال وضاح: أنا لا أحمل بندقية، لكني أعشق صوت الرصاص، سأرى الآن أولئك الرجال الذين يتحدثون كثيراً عن السلاح، والحرب والكمائن، والاشتباكات... سأرى أين سيكون رصاصهم؟.‏

في شقوق الصخور، أم في الأهداف المحددة؟.‏

صرخ العريف برهوم:‏

يا إخوان، ياشباب، ياسامعين الصوت...‏

اجتماع... اجتماع... هيا تحلقوا هنا، وأشار بيده إلى المكان... اجتماع يا إخوان...‏

وأردف العسكري سويلم... يا إخوان، كل واحد يبلع لسانه ويتحرك فوراً، ثم اتبع ذلك بصافرة طويلة تقطع صداها في بطون الصخور وأطرافها.‏

تقافز بعض الرجال عن حواف الصخور، بعضهم قفز سريعاً، وبعضهم وقف على مهل، ثم استدار ليتناول البندقية التي أراحها في الظلال.‏

.... وبعضهم نفر من خلف الصخور العالية وهو لا يزال يربط حزام سرواله بعد أن بلل التراب، أو الشقوق التي لاذ خلفها، وآخرون وصلوا للتو فتسمروا في المكان، وعلى امتداد الطرقات بدا البعض يركضون نحو المكان، وقد كبسوا أيديهم فوق كوفياتهم وعقلهم التي طارت شراشيبها فوق أكتافهم.‏

وقف المرشح عبود فوق صخرة وسط الدائرة التي شكلتها أجساد الفلاحين وبنادقهم، حاول التناهض قليلاً كي يراه الجميع..‏

امتص شفتيه بانتظار العسكري سويلم الذي تحرك بين الصفوف، يشير أحياناً، ويهمس أحياناً أخرى، ويشد البعض من أكتافهم لتسوية الصفوف،..‏

تنحنح مرات متلاحقة، ثم بدأ مرحباً بالجميع، أحس أن صوته لم يصل للجميع، فكرر العبارة ذاتها، بعد أن أعطاها مزيداً من هواء صدره وصلابة حنجرته... ثم تابع القول:‏

البنادق بين أيديكم جديدة، فهي بالكاد خرجت من شحمها، ولدى كل منكم معلومات كافية حول استخدامها وآلية عملها،.. تدريبنا اليوم أمر هام جداً، إذا نجحنا الآن، سننجح غداً في ساحات القتال،... العدو على بُعد أمتار كما تلاحظون..‏

سرت همهمات وحركات لرؤوس وأرجل وأجساد، أحدثت جلبة خفيفة ما لبثت أن تلاشت حين تابع المرشح عبود حديثه..‏

.. النظام والانضباط ملح المقاومة.. صمت برهة..‏

ارتفعت طقة واضحة لقداحة بنزين قديمة، ثم تبعتها غلالة من دخان، .. مدّ المرشح عبود عنقه قليلاً، تحامل على رؤوس أصابعه،..‏

يا إخوان بلا دخان الآن، اصبروا قليلاً، ماذا جرى لكم؟‏

سيدي.. دخيلك، صار رأسي بوزن الذبابة، لم أعد أحتمل..‏

قال عبد الرحيم.‏

تابع المرشح عبود بعد أن تلاشت همهمات وقهقهات مخنوقة..‏

المطلوب معرفة الهدف قبل كل شيء، ثم التأكد من وضعية الجوار، وصلاحية المسند، ووضع البندقية، وعدم إطلاق النار إلا بإيعاز.. صمت برهة.. حين تطلق الصافرة يعني.. نار.. صمت مرة أخرى.. ثم كرر من جديد عندما تطلق الصافرة يعني.. نار..‏

أمسك الصافرة، ونفخ.. ومع صوت الصافرة. انطلقت رصاصة من الصفوف الخلفية.. طاخ..‏

ركض العريف برهوم والعسكري سويلم، وصرخ المرشح عبود:‏

يا أخي، يا أخي، نحن نشرح الآن،..‏

عفواً سيدي: أنت قلت، صوت الصافرة يعني نار،‏

ولك يا أخي انتبه لما نقول أرجوك، ثم ومن أين جئت بالرصاص، ألم نقل إن البنادق يجب أن تظل فارغة حتى نبدأ التنفيذ.‏

قال العريف برهوم وقد بدت عليه علامات السخط والانفعال:‏

العمى،.. شوها الأمة، ما حدا فهمان عحدا..‏

همس أحدهم: برهوم صاير زلمة.. تفو..‏

حاول برهوم تحديد مصدر الصوت فلم يستطع.. كظم غيظه وتسمر مكانه حين تابع المرشح عبود:‏

الآن سنجري تمريناً أولياً يعرف كل منكم دريئته ومسنده دون أن نطلق النار.. أكرر: دون أن نطلق النار،‏

.. إطلاق النار سيأتي في الخطوة اللاحقة.. هيا..‏

حسب الأسماء والأرقام.. ثم بدأ بالقراءة:‏

المسند رقم (1) إبراهيم الزين.‏

المسند رقم (2) عواد أبو عتابا.‏

المسند رقم (3) ذيب الخلف‏

المسند رقم (4) جبر الصحن.‏

هيا يا جبر.. تحرك.. خذ مكانك.. قلت رقم (4) فلماذا تذهب بعيداً.. قلت رقم (4) يا أخي..‏

المسند رقم (5) أحمد الشواهين.‏

عوض الشيني، أحمد القصقيص، ضيف الله العودة، سرحان السرحان، عبد الله القزق، محمود المصري، خليل العليوة، محمد النهار، عبد الرحمن العالم،.. علي أقون، محمد الفنطولي، مزعل الدرويش، رجا الرهبان، خزعل الفاعوري، هلال البشتاوي، مرشد المشتولي،..،..‏

ومع كل اسم جديد بدأ الرجال يقفون على خط واحد مستقيم وهم يمسكون أعناق بنادقهم بانتظار اللحظة الحاسمة.‏

وفي الخلف بدا وضاح الأعمى متحفزاً مستنفراً، وقد رد كوفيته حتى بانت أذناه تماماً، وارتفع حاجباه، وبدت عيناه وكأنهما تقبضان على الفضاء الذي سيحترق بعد قليل برصاص الفلاحين ونيرانهم، وأنفاسهم وبريق عيونهم.‏

جاء الإيعاز الأول:‏

وضعية الرامي منبطحاً.‏

هبط الرجال، تطاولت قاماتهم خلف مساندهم، وتوازت الرؤوس والبنادق، وتدلت بعض أطراف الكوفيات وشراشيب العقل حتى لامست الأرض، وانكشفت الكثير من الجباه.. بينما تفاوتت الأرجل في أوضاعها وأطوالها،.. بعضها ناف عن الجوار وبعضها لاذ خلف قامات الجوار، وبدت المداسات العتيقة وجزمات الكاوتشوك المهترئة، والشواريخ التي شدت إلى أقدامها بمطاط أسود قديم، ونعال مثقوبة باتت من خلالها بطون الأرجل الميتة،.. وتفاوتت الأرداف في ارتفاعها وانخفاضها، وبدا بعض الرجال وقد ضاقوا بكروشهم.. تارة يميلون نحو اليمين، وتارة يميلون نحو الشمال، وبعضهم صار مثل نشافة الحبر المعدنية، وهو يحاول عنوة تثبيت جسده خلف مسنده، وظهرت.‏

أطراف القنابيز المشكولة تحت أحزمة الجلد المهترئة.‏

بينما كان المرشح عبود والعريف برهوم، والعسكري سويلم يتفقدون أوضاع الرجال، في حركة دائبة مستمرة خلف الأرجل المقذوفة خارج أجسادها.‏

تتابعت الإيعازات.. واقفاً.. منبطحاً.. واقفاً.‏

ثم جاء الإيعاز الأخير:‏

.. نار..‏

تداخلت أصوات الرصاص، حتى أن الصخور لم تعد لديها الفرصة الكافية لابتلاع الصدى وترجيعه.. طاخ.. طاخ..‏

طخ طاخ طخطاخ..، وتوحد الصوت مع الصدى في دوّي متصل، اهتزت له أكتاف الرجال ورؤوسهم، وفوهات بنادقهم، وثار الغبار، وتحرك الكثير من الحصى ومالت سيقان القش اليابسة أمام المساند، وقد احترقت ذؤاباتها وترمّدت.‏

كان المرشح عبود ومجموعته يقفون على بُعد أمتار خلف الرجال حيث يجلس وضاح الأعمى متحفزاً يميل بأذنيه قليلاً نحو صدى الرصاص، ثم يعاود ضرب عصاه في التراب أو فوق الحجارة الصغيرة المتناثرة أمامه.‏

ويغلق الصبية آذانهم بسبابات أصابعهم، وهم يتضاحكون ويتقافزون، يقتربون حيناً، ويبتعدون أحياناً..‏

ركض صبي حافي القدمين، يكاد قميصه لا يستر صدره، رغم الأزرة التي بدت وكأنها تحاول الإمساك بأطراف القميص من خلال خيطان سود استطالت قليلاً وتقطع بعضها..‏

قال:‏

يا عمي برهوم، خليني أقوّس طلقة.. مشان الله.. نهره العريف برهوم.. اذهب يا ابن.. قال ذلك على استحياء وهو يكز على أسنانه.‏

عاود الصبي مرة أخرى: يا عمي برهوم، مشان الله، بس فشكة واحدة. قال برهوم متحفزاً: ألم أقل لك أغرب عن وجهي؟‏

أبوك قبل أن يموت لم يكن فيه خير.. أنت الآن،‏

.. ماذا ستكون؟‏

مدّ الصبي لسانه، ثم فر أمام برهوم الذي جرى خلفه وهو يحل زناره الكتاني الأخضر الباهت..‏

بدي ألعن أبوك، ابن الداشر..،‏

صرخ وضاح: اترك اليتيم يا برهوم، أصلاً لو كنت تفهم أنت والأكبر منك لعلمتم الصغار قبل الكبار، ولكن من أين يأتي لكم الفهم، وأنتم لا ترون أبعد من أنوفكم؟‏

قال ذلك وهو يدرك أن المرشح عبود مصغٍ إليه تماماً،‏

.. ثم أردف.. بعد قليل يا برهوم سنرى نتائج تدريبكم...، أقسم أن معظم الرصاص قد جاوز الحاجز الصخري وضاع في الفضاء.‏

سأل المرشح عبود: وكيف عرفت ذلك يا وضاح؟‏

يا بني.. يا سيادة المرشح: نحن أهل البلاد، وقد مر على رؤوسنا الكثير،.. الرصاص حين يصب في قعر الصخور له صدىً نعرفه جيداً، وحين يطير في الفضاء له أصداء أخرى نعرفها أيضاً، بل حين تصيب الرصاصة هدفها لها صدىً خاصٌّ حفظناه بالتجربة.. أقول لك، معظم الرصاص طار في الفضاء.. الله يجيب العواقب سليمة... يا رب سترك ورضاك.‏

طاخ.. طخطاخ.. طاخ.. حاول المرشح عبود أن يصيخ السمع أكثر، استنفر حواسه كلها، وهو يراقب رؤوس الرجال، وأكتافهم، وأردافهم، وحركة أقدامهم، وصدى رصاصهم.‏

.. رفع حمدان يده..‏

استعصاء، استعصاء.. خربت البندقية..‏

همس برهوم: لعنة الله عليك، والله أنت خربتها يا ابن الحمار، ثم صاح آخر بعد أن ثارت أمامه زوبعة من تراب كثيف..‏

دم سيدي.. دم.. يسيل من وجهي..‏

وقال ثالث: خلص الفشك يا جماعة..‏

وعلق آخر: لو كانت أم العيال خلفي الآن لزغردت لي ولكم..‏

طاخ.. طاخ.. طاخ.. ط.. اخ‏

ثم توقف الجميع، وفي الفضاء ظلت دائرة الصدى تركض نحو منتهاها نهضوا.. تراجعوا خلف مساندهم.. وهم ينفضون الغبار عن صدورهم، وأطراف قنابيزهم.. ويسوون كوفياتهم، وأحزمتهم..،‏

ركض سويلم وهو يحمل كتلة من القطن، وزجاجة الدواء.. نحو الحاج محمد..‏

خذ يا حاج.. خذ، هذه.. ضعها فوق جرحك.‏

ضعها فوق الجرح تماماً.. أصلحك الله يا حاج.. كان يجب أن ترفع البندقية قليلاً يا رجل...‏

قال الحاج محمد:‏

لا أريد دواءً، سأضع تراباً ناعماً،.. نعم التراب يا سويلم منه خلقنا وإليه سنعود، قال ذلك: وهو يهز بين راحتيه حفنة من تراب..، ترابنا يا سويلم أكثر طهارة من الدواء، ثم كبس يده على الجرح، ودفع خطاه خلف الرجال الراكضين نحو الأهداف وهم يحملون دفاترهم وأقلامهم، وتوقعاتهم وقبل أن يصل بادره خليل العليوة:‏

شو يا حاج، كأنك لم تقوس ولا مرة في حياتك!!‏

ما الذي جرى؟‏

لا والله يا خليل، قوست كثيراً..‏

يوم الجمعة الفائتة الله وكيلك قوّست فوق رأس العريس ابن الشيني مشطاً كاملاً، حتى أن الفرس جفلت، ورحنا نخسر الولد، أي والله.‏

وفي مرة سابقة قوست أكثر من مشط على الطيارات التي مرت فوق القرية.. ألا تذكر؟‏

وآخر مرة قوست فيها اللهم صلي على النبي.. على الولد الداشر ابن عيوش،.. يوم نط على سياج الكرم وهو يملأ صدره عنباً وتيناً، وأشياء أخرى.. ويومها، الله كتبه من السالمين،.. لكني أجزم أن لن يجوز على أنثى في حياته كلها.‏

لا والله يا خليل.. ليست تلك المرة الأخيرة.. فقد قوست كثيراً يوم انهالت عشائر القرية على بعضها، ألا تذكر ذلك اليوم؟‏

.. رفعت بندقيتي في الفضاء، وظللت أقوس حتى فرّ الرجال بين أشجار الحواكير.. الله يلعن الشيطان، ويلعن ساعته، والله لا أدري لماذا يتقاتل الناس، وهناك من يريد قتلنا جميعاً؟!‏

ثم تتابعت مجموعات الرماة.. الرشاشات الخفيفة، ورشاشات الهوجكيس، ومسدسات السموبال، وظلت طائرة الاستطلاع (أم كامل) ترسم خطوطاً دخانية متعرجة في فضاء المنطقة حتى أوغلت الشمس في صحن السماء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244