|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
صراخ في فضاء الليل حين صاحت فاطمة المحمود والدة عوض: هابين الريح وين راحوا.. كان عوض المسعود مكتوف اليدين، وقد ألقي على وجهه وامتلأ فمه بالتراب. صراخ فاطمة في عتمة الليل لم يسمعه أحد، لولا تلك القدرة الهائلة التي ولدها الخوف في جوفها، ودفع صراخها ليجتاز النوافذ المغلقة في الحارة الجنوبية من القرية،.. دخل صوتها بيوت الجوار رغم نومهم العميق ورغم تعب أجسادهم الغارقة في ساعات نومها الأخيرة من تلك الليلة المظلمة. صراخ فاطمة ظل يدق مسامع الليل كلما ارتفع أنين عوض، وصراخه المكتوم بالتراب.. حتى جاءت الطلقة الأولى من بندقية عزيز السعيد، الذي أطلقها وهولا يكاد يفتح عينيه...، أطلقها في فضاء الصراخ قبل أن يعرف الأمر.. وألحقها بطلقات كثيرة في فضاءات الجنوب،.. وصل دويها إلى كل البيوت في القرية وجاء الجواب سريعاً من كل البيوت، ومن كل الحارات،.. من فوق الأسطحة، ومن فوق أسيجة الكروم، ومن تحت البوابات الهرمة، ومن فتحات النوافذ التي لا زالت مرتجة على أنفاس الصغار.. .. من القرية كلها انطلق الرصاص نحو الجنوب حيث بيت عوض، وحيث دوّت الطلقة الأولى، وكلما ازداد الصحو في البيوت ازداد الرصاص ضائعاً في فضاء الجنوب. وبين الدوي والصدى امتلأت الأزقة، وأسطحة المنازل وبوابات البيوت بالهمهمات، والهمس، والصراخ، والنداءات، وتداخلت الأصوات، والأجساد المرتجفة على هول المفاجأة. ما هي القضية؟ ولماذا إطلاق الرصاص؟ ومع كل الأسئلة ظلت البنادق تطلق رصاصها.. إلى أن وصل عزيز السعيد، صاحب الطلقة الأولى إلى مكتب المقاومة: .. صراخ فاطمة أيقظني، صراخ فاطمة هزني، أشعل نخوتي فأطلقت النار قبل أن أرى أحداً، وحين وصلت رأيت عوض المسعود موثوقاً ووجهه في التراب، ولا زال حتى هذه اللحظة يا سيدي. نعم يا سيدي.. فمه مملوء بالتراب، ويداه موثوقتان إلى ظهره. .. هذا ما رأيت. ومع كلماته الأخيرة، كان العريف برهوم، والعسكري سويلم، يركضان في الأزقة المعتمة وهما يصرخان بإخراس البنادق. ومع آخر الطلقات كان المرشح عبود وأبو العبد، وسالم، ومحمود والمختار، وعبد الرحيم، وعدد كبير من الفلاحين قد بدأوا بالوصول إلى الحارة الجنوبية، حيث عوض موثوقٌ كما وصفه عزيز السعيد، وحيث شفاه فاطمة لا زالت تنفرج أحياناً وتلتصق أحياناً أخرى، وقد استحال صراخها فحيحاً مبحوحاً جافاً، وبدت عيناها وكأنما توقفت أهدابها عن الحركة. تناهض عوض على أذرعة الرجال، وطارت عيناه المغبرتان المذهولتان في وجوههم،.. يغمضهما حيناً، ويفتحهما أحياناً. بينما تحاول شفتاه المكتنزتان التخلص من التراب الذي يلفظه لسانه بصعوبة بالغة. أسئلة كثيرة انهمرت عليه في لحظة واحدة.. لم يتكلم.. لم يجب، كأنما لم يسمع شيئاً، أو كأنه في عالم آخر. علق بعضهم:... الولد على حافة الموت.. الله يستر. وقال آخر: لا يعقل أن يكون هذا عوض الذي نعرف!؟ مسكين صار كالديك الذي خرج للتو من عراك خاسر!! وهمس بعضهم همساً ربما لم يتجاوز حناجرهم.. معلوم.. عوض صار أفندي،.. صار يحكي نحوي، كأنه بالع راديو الحكومة لنرى ماذا سيفعل الآن.؟ وبلع آخرون ألسنتهم خشية الوقوع فيما لا تحمد عقباه. وقبضوا على أعصابهم بانتظار معرفة الأمر. صرخ عبد الرحيم: عوض..، يا عوض.. قل شيئاً يا رجل. ما الذي جرى؟ ولو يا رجل، أنت عوض، هل نسيت حالك؟ حاول عرض أن يهز رأسه، وقد بدت على ملامحه محاولة باهتة لإطلاق ابتسامته. تنهد عبد الرحيم... وتابع: أقسم أن الذي فعل ذلك هم اليهود، لا أحد يفعلها سواهم .. أولاد الفاطسة فعلوها،.. ولكن والله لو بقي من العمر يوم واحدٌ، لن يفلتوا من العقاب.. آخ من العرب. آخ.. رد برهوم. بعد أن رمق المرشح عبود الذي بدا متوتراً وقد أقلقه الإنتظار.. وحد الله يا عبد الرحيم.. من أين يأتي اليهود، والكمائن في كل الطرقات والمعابر؟ هذا صحيح يا برهوم، لكن النوم يغدر أحياناً.. النوم سلطان يا برهوم.. وبمرور الوقت، وتشعب الأحاديث، واختلاط الأسئلة والتوقعات، وعودة البعض إلى دفء فراشهم، وحرارة أنفاس زوجاتهم،.. ومحاولات عوض المتكررة للتماسك مع كل شراب ساخن جديد يقدم إليه.. انطلق لسانه متباطئاً بكلمات الشكر والإمتنان،.. ومع كل كلمة جديدة كان المرشح عبود يحاول التقاط الخيط الذي طال انتظاره..، وأبو العبد متحفزاً مستنفراً، وهو يعاين المكان تارة، ويتفحص ملامح عوض، ويقرأ الوجوه تارة أخرى. وبدا محمود الشاعر ساهماً شارداً متأملاً في سقف البيت الخشبي العتيق، والمختار يحاول عنوة مقاومة النعاس الذي لا زال عالقاً بدفء قنبازه.. قال عوض وقد انتظمت أنفاسه قليلاً، وراق الدمع في مآقيه: مجموعة من الرجال، ليس لهم ملامح واضحة.. ثلاثة أو أربعة، ربما أكثر لا أعرف.. حاولت المقاومة فلم أستطع..، ومع كل تفصيل جديد كان الصحو يثب في عينيه، وحركات يديه، ومخارج الحروف على شفتيه. أسئلة كثيرة حاول الإجابة عليها، نافياً حيناً، ومتيقناً أحياناً. هز أبو العبد رأسه، وأومأ للمرشح عبود.. بحركة سريعة، خرجا على إثرها عائدين إلى مكتب المقاومة. قال أبو العبد وهو يحاول أن يظل على توازنه المعهود: أنا أجزم أن أقارب حمدان الكلب هم الذين فعلوا ذلك. المسألة ليست مسألة متسللين، ولا مسألة يهود. أقارب حمدان هم الذين فعلوها. منذ أن وقع الشجار في باص الطيب توقعت هذا..، إن ما وقع ذلك اليوم كان خطأ جسيماً رغم أني تورطت كغيري من الفلاحين.. استخدام العنف لتصفية الحسابات السياسية أمر مرفوض.. كان علينا أن نفهم أن حمدان وأمثاله سيسقطون أمام التحولات القادمة..، حمدان بالذات سيسقط عندما توزع الأراضي على الفلاحين، ولم يكن مبرراً لنا أن نستخدم العنف.. أخطأ عوض، وأخطأنا جميعاً. وها نحن نحصد النتائج.. كان علينا أن نفهم أن هناك من الفلاحين من يتعاطف مع حمدان، رغم السياط التي ألهيت ظهورهم.. هم يفعلون ذلك بحكم رابطة الدم، ولأنهم لم يدركوا بعد مصالحهم الحقيقية.. كان علينا أن نتصدى لهذه المسألة، وأن نفهم طبيعة المرحلة التي نعيش.. قال ذلك وقد ارتفع صوته، وبدا وكأنه يخرج عن طوره للمرة الأولى. .. من أراد تغيير الناس عليه أن يفهم الناس أولاً عليه أن يفهم طبيعة التركيب الاجتماعي والاقتصادي وإلا فلن ينجح. الرصاص الذي أطلق في الفضاء.. لمصلحة من؟ ما حدث لعوض.. لمصلحة من أيضاً؟ آلاف الطلقات ضاعت في فضاء الجنوب، وهناك على بُعد آمتار فقط من يريد التهام الأرض،.. ومن يريد ذبحنا جميعاً.. كيف يمكن أن نفهم هذا الإطلاق العشوائي للرصاص؟! نخوة الرجال؟!.. حماسهم، إندفاعهم!؟ جهلهم!!، كل ذلك لا يمكن أن يكون مقنعاً. صمت برهة.. ما حدث في باص الطيب كان خطأ، رغم نبل المقاصد، علينا أن نعترف..، وعلينا أن نفهم أن تعميق وعي الناس هو وحده الكفيل بإسقاط حمدان وأمثاله.. ابتلع لسانه، وأطبق شفتيه على نار ثورته، وراح ينتظر ما سيقوله المرشح عبود الذي ظل يقلب الأمر تاركاً الباب مفتوحاً لكل التوقعات والاحتمالات. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |