|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
محمود الشاعر في ذلك اليوم الذي امتدت به أفراح الناس إلى عمق الليل، حتى تحولت البيوت، والساحات إلى حالة من الحلم في عمق المواسم القادمة. رأيت وضاح الأعمى وهو يجلس على مصطبته الحجرية أمام بيته، ويلقي بظهره إلى جدار حجرته التي شهدت موت أحلامه يوم زواجه من ابنة عمه الوطفاء وقد لفه صمت عميق، وبدت أهدابه كأنما تحتضن الفضاء بكل ما فيه. قلت: ما بك يا وضاح.. القرية كلها في حالة من الفرح، وأحلام الفلاحين قد تحققت، ووثائق التراب صارت طي صدورهم، والمواسم القادمة ستكون شاهداً على فرحنا ووهج أحلامنا وأعراس أبنائنا المؤجلة. قال وضاح: الفرح والحلم شيئان جميلان،.. المهم أن نعرف كيف نحافظ عليهما، علمتني التجربة يا محمود أن أحلامنا تطفو سريعاً ثم تخبو كزبد السيول التي تجتاح الأودية والصخور ثم ما تلبث أن تستكين بانتظار الأمطار القادمة. أنا وضاح الذي أجلس أمامك الآن، طار فرحي وانتهى في الليلة ذاتها التي اعتقدت فيها أن حلمي قد تحقق.. طار فرحي ولم أستطع الحفاظ عليه، عاد حلماً أركض إليه من جديد. وفي أيامنا الغابرة، كانت لنا أفراح كثيرة، ثم ما لبثت أن طردتها الأحزان،.. أحلام كثيرة بنيناها بدمائنا وعرق أبنائنا سرقت أمامنا ولم نستطيع الحفاظ عليها. ألا تذكر يا محمود أيام الوحدة؟ فرحنا كثيراً وتطاولت أحلامنا حتى السماء، صارت سدوداً، وقطارات، وجيوشاً تجتاح فلسطين، ثم ما لبثت أن انهارات يوم الإنفصال. .. يوم بكينا جميعاً،.. ذهبت الوحدة، طارت يا محمود، ولم يبق في ذاكرتنا إلا دماء المصاروة الذين قاتلوا معنا بالسلاح الأبيض في معركة التوافيق وغيرها...، وأعلام الوحدة التي طويناها في صدورنا كي لا تضيع ألوانها. وقبل ذلك فرحنا كثيراً حين أصبحت قناة السويس ملكاً لنا، وجرت مياهها في عروقنا سهولاً خضراء وخبزاً أسمر، فما الذي حدث بعد ذلك؟ هجم اليهود والفرنساوي والانكليز، وجرى ما جرى، سالت الدماء، ودمرت بيوت، وصار فرحنا ممزوجاً باحزاننا... وكان لنصرنا ثمنٌ غالٍ دفعناه من قوت يومنا وأجساد أبنائنا. وحرب الإنقاذ يا محمود.. ألا تذكر تلك الأيام؟ كدنا نطير فرحاً، امتدت أحلامنا إلى عمق فلسطين، وظلت الأعلام والبنادق ترقص على حدائنا.. وماذا كانت النتيجة؟ وفي الماضي البعيد، أنت تعرف، كما أعرف أنا تماماً، كيف كانت أحلامنا يوم انطلقت الثورة العربية الكبرى، ورحل الأتراك عن بلادنا.. ولا زالت الرايات تخفق في ذاكرتي حتى هذه اللحظة.. وماذا كانت النتيجة؟ حتى فرحنا بالمحاصيل كان ينتهي على أوراق دفاتر الدكنجية، أو حين تأتي شاحنات العطار، والسبيني، لتنقل محاصيلنا وعرقنا إلى بطون الآخرين وجيوبهم، ورخام قصورهم العامرة. أفراحنا يا محمود لا يمكن أن تستمر إلا إذا استطعنا حمايتها، لأنهم لا يريدونا أن نفرح، أو نحلم.. وما دام اليهود وشركاؤهم على بُعد أمتار منا، ستظل أحلامنا وأفراحنا مؤجلة، ستظل مسيجة بالخوف من الأيام القادمة، بل من الساعات القادمة.. وحتى حين نضحك، لا ندري هل سيكتمل ضحكنا؟ قال ذلك، ثم سوى جلسته واضعاً مقبض عصاه بين يديه، وصمت قليلاً عبر غلالة الدموع في مآقيه: لا أدري يا محمود، أهي هواجس تنمو في داخلي؟ أم أن ما رأيته حلمٌ؟ يوم أمس استيقظت مواجعي ورأيت فيما يرى النائم، أو فيما يرى الساهر وجعاً.. الخير والصلاة على النبي: أن سهولنا قد امتلأت بالمحاصيل، وأن السنابل قد تطاولت حتى وصلت رقاب الخيل، وقبل أن يهم الناس بالحصاد، اشتعلت النيران فأكلت كل شيء، واستحالت السهول إلى رقعة سوداء، تطاير رمادها حتى غطى بيوت القرية كلها، وارتفع صراخ الناس حتى ضاع وسط النيران وهي تلتهم سيقان القش. ورأيت الوطفاء، وهي ترتفع في السماء بثوبها الأبيض الزاهي، ترتفع قليلاً، ثم تهبط، وكلما اقتربت منها ألسنة اللهب ارتفعت أكثر، وظلت هكذا إلى أن غابت عن ناظري... وأحمد الله أن ألسنة اللهب لم تطلها، وظل ثوبها زاهياً مرفرفاً إلى أن غابت بعيداً، لم أعد أراها يا محمود..، صارت لوحة في خيالي، فازداد تعلقي بها من جديد، وكأني أعرفها الآن وكأني أراها لأول مرة في حياتي،.. تجدد حبي لها كما كان أيام شبابي وشبابها. عادت حلماً جميلاً كما كانت، أركض خلفها، أشتم أنفاسها، أحاول النهوض ثم أسقط، فأحاول مجدداً.. وها أنا الآن أحلق معها. تهدج صوته وامتزج بنار أحزانه، ونفرت عروق وجنتيه وطارت عيناه في فضاء القرية.. ثم لفه الصمت من جديد. انتقل إلى حزنه ودموعه، وأحلامه... تحسست وثيقة التراب في صدري ومضيت مسرعاً.. تذكرت أن مهمتي اليوم ستكون في الكمين (10) وعلي أن أكون جاهزاً في الوقت المحدد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |