قناديل الليالي المعتمة - علي المزعل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكمين (10)

صارت بيوت القرية خلفنا وقد لفها غبش المساء برائحة الصيف، وكلما ابتعدنا قليلاً تتداخل أشكال البيوت في الظلال الداكنة للصخور والأشجار، فتبدو كتلة واحدة وقد تراقصت من جوانبها المطلة على طبرية ذبالات الأضواء الباهتة وهي تلوح لنا كنجوم ولدت للتو على صدر الليل، أو كأنها صدىً للنجوم التي بدأت تطل حيية من صحن السماء.‏

وأمامنا بدت الطرقات والمعابر ظلالاً سوداء ملتوية تختزن أطراف العتمة التي تشكلت الآن تحت أقدامنا، وظلال الأعشاب البرية اليابسة الموشاة بكوفيات الرجال وحرارة أنفاسهم والتماع بنادقهم التي بدأت تختزن ندى البحيرة.‏

وكلما انحدرنا قليلاً تبدو أمامنا جبال فلسطين وقد انفلقت قممها إلى نصفين فلامست أطراف السماء على صدر الأفق، وارتمت في قاع البحيرة ظلالاً متكسرة تنوس على جنباتها حزم الضياء المنبعثة من المدن والقرى والمستوطنات المتشبثة بأطرافها، وبين الفينة والأخرى تمر في قعر البحيرة أضواء راكضة لسيارات تخترق السفوح فتطير معها قلوبنا إلى حيث المدن والقرى التي لا زالت تحتفظ أجسادنا وصدى أصواتنا.‏

وبدأت الحيوانات البرية تفر أمام جلبة الرجال وحفيف أرديتهم، وتطلق أصواتها في بحر السكون الذي بدأ يلتف بالسواد، ومن أطراف الصخور البعيدة تستجيب حيوانات أخرى فتلتقي الأصوات وتتداخل أصداؤها على وقع أقدامنا.‏

ها قد اقتربنا من المكان، الزحف على البطون هو المطلوب الآن،..‏

قال عبد الرحيم:‏

لا زال الطريق أمامنا يا محمود فلماذا نبدأ الزحف الآن؟‏

العدو على بُعد أمتار، ولا مجال للمناقشة، هيا..‏

ارتكزت البنادق فوق سواعد الرجال، وفتحت أجسادهم خطوطاً وطرقات جديدة بين الأعشاب البرية اليابسة وفوق حصى المعابر المعتمة..‏

تارة ترتفع الرؤوس، وتهبط تارة، فتبدو كوفيات الرجال كسرب من طيور تلج أوكارها.‏

صار الكهف على مرمى العيون، وبدت فوهته رقعة معتمة في جسد ليل معتم. دخل محمود وتبعه الآخرون، وتوحدت الأنفاس والأجساد والبنادق والعيون، واستدار الرجال في أمكنتهم بحثاً عن فراغ أجسادهم وبنادقهم وحمالات ذخائرهم، وصارت العيون حزماً من ضوء يجتاز بوابة الكهف إلى حيث فضاء الليل المحمل بوهج المدن والقرى والمستوطنات والتماع المياه، والأضواء التي بدأت بالظهور على أطراف البحيرة التي بدت وكأنها تحتضن فوق شطآنها فلسطين كلها وعيون الرجال، وقلوبهم المتعبة.‏

استمرت حركة الرجال بالتباطؤ حتى استقرت أجسادهم في فراغاتها المناسبة.‏

همس محمود: أنا الآن سأتولى المهمة، ولينم الجميع استعداداً لمهماتهم القادمة، ثم تلوى جسده قليلاً حتى صار رأسه في فضاء الليل، سحب بندقيته قليلاً نحو الأمام، صارت على امتداد ناظريه تماماً، بدأ يسوي المكان، ويضرب برفق رؤوس الأعشاب البرية النابتة في حلق الكهف في محاولة لاتساع مدى النظر إلى حيث فلسطين، التي أصبحت الآن في عمق الأهداب العامرة بالحذر والترقب.‏

صارت أجساد الرجال صخوراً في قلب الكهف لولا أنفاس وهمهمات ابتلعتها عتمة الليل، وأحلام تعلقت على فوهات بنادقهم التي تلامس وجوههم الآن.‏

تعلقت عينا محمود فوق ضياء صفد ثم جالت الجبال شمالاً وجنوباً وفي عمق البلاد، واستقرتا أخيراً على ضفاف البحيرة حيث الأضواء الحمراء الخافتة تلتمع بين الأشجار ومن خلف التلال الصغيرة، وهدير الآليات كعادته يولد إهتزازات متلاحقة في عمق الصخور، وثمة ومض في أفق البلاد ينبعث خلف هدير الطائرات التي تعبر فضاء الليل.‏

آه.. تدريباتهم وحشودهم، وجلبتهم في أزياد، والأيام القادمة ستحمل المزيد،.. يبدو أنهم لن يكتفوا بما فعلوه حتى الآن، قصف يومي، واشتباكات يومية، حتى وصل بهم الأمر إلى قصف ملاجئ المدنيين، كما فعلوا في نيسان الماضي بملجأ المدنيين في قرية سكوفيا المجاورة،.. عْرق ربيع البلاد بحمرة الدماء، وامتدت المقابر لتأكل خضرة السهول في أطراف القرية.‏

كيف لنا أن ننسى وجوه الأطفال التي استحالت رماداً أسود؟‏

وكيف لنا أن ننسى أجسادهم التي التصقت بالجدران؟‏

وكيف يغيب عن ضمائرنا الكثير من الرجال والنساء الذين خرجوا من قلب الدخان وهم يركضون بلا رؤوس، وبلا أكتاف، وبلا سواعد؟!‏

بعضهم زحف وقد طارت أقدامه، وانتشرت خيوط الدماء في كل معابر القرية وطرقاتها، وتصدعت البيوت ونفقت الكثير من المواشي؟!‏

كيف لنا أن ننسى تلك القبور التي فتحناها مرات متلاحقة لأنّا كنا نعثر في كل يوم على أشلاء جديدة متناثرة في أطراف القرية وسهولها؟!‏

آخ:، ما ذنب هؤلاء الأطفال الذين لم يدخلوا الحياة بعد؟!‏

وما ذنب النساء اللاتي صرن ثكالى أو شهيدات، أو مشوهات في غمضة عين؟‏

عجيب لهؤلاء، أليسوا بشراً مثلنا؟‏

وإن لم يكونوا كذلك فماذا يكونون إذن؟!‏

وحوش، نازيون جدد، حيوانات لا تملك عقلاً؟!‏

يبدو أنهم كل ذلك، جاءوا من أصقاع شتى، تركوا بيوتهم هناك ليحتلوا بيوتنا هنا!!!‏

انهمرت دموعه فوق وجنتيه، سالت حتى غسلت شفتيه بعد أن توحدت مع سيل أنفه -أحس مرارتها.‏

... شد قبضته فوق بطن البندقية، مسح دموعه بطرف كوفيته المتدلي فوق صدره،.. ثم سرحت عيناه الغائمتان بالدموع فوق الأكام والأشجار والطرقات.‏

بدت الأضواء أمامه، وقد اغتسلت بالدموع، فرك عينيه من جديد..‏

هؤلاء، لا يمكن أن يفهموا إلا لغة الرصاص، دخلوا فلسطين بالقتل والتدمير، ولن يخرجوا إلا بالطريقة ذاتها.‏

وإلا ستضيع أحلامنا وأحلام البشرية كلها كما قال وضاح‏

.. معك حق يا وضاح، يبدو أنك ترى ما لا نراه..‏

ستضيع أحلامنا إن لم نجيد الدفاع عنها، وسنفقد كل شيء إذا لم نعرف كل شيء.‏

مد يده إلى جيب سترته الداخلية، تحسس وثيقة التراب أحس بشيء من الإرتياح، وانتابه شعور خاص، لا يمكن لأحد أن يتصوره إلا من عاش سنوات الشقاء والحرمان والعرق والكد.‏

تمنى لو يطلق النار الآن، لو يركض نحوهم لينفجر بينهم، ليفعل بهم كما فعلوا تماماً بالمدنيين في ملجأ سكوفيا.‏

والله يا ناس لا أحب لون الدماء، ولكن ما العمل إذا كان هؤلاء يعشقون قتلنا، وتشريد أطفالنا.؟‏

نظر خلفه، كانت دائرة من ضوء القمر المتسلل عبر فوهة الكهف قد ارتسمت فوق أجساد الرجال.. يبدو أننا أوغلنا في قلب الليل، لا أدري كيف مر الوقت؟‏

طارت عيناه مع أهداب القمر الذي بدأ بالارتفاع نحو قبة السماء.. هدأت أنفاسه قليلاً، وراح يتمتم بمطالع الكثير من القصائد الشعبية التي نسجها في مناسبات عديدة..‏

يوم معركة التوافيق أنشد لأبطالها:‏

يا سالم يا شايل الرشاش‏

يا منْحدر عتّوافيق"‏

آه.. سالم ذاك الشاب الذي كان بطلاً من أبطال معركة التوافيق ليس سالم وحده، كلهم كانوا أبطالاً، مصريين وسوريين، رجالاً ونساءً... ما أحوجنا اليوم لمعركة أخرى مثل التوافيق، ولكن هيهات،.. مصر صارت في جانب ونحن الآن في جانب آخر، يبدو أن ما قاله وضاح ليس عبثاً، الفرح يحتاج إلى حماية، والحلم يحتاج إلى سياج من قوة، هم لا يريدوننا أن نفرح، ولا يريدوننا أن نحلم.. ولكن رغم ذلك سنظل نحلم إلى أن يتحقق الحلم.‏

عبد الناصر الآن ورغم كل الخلافات يحاول أن يكون معنا، وبوادر اللقاء كما أراها تلوح في الأفق، حتى أنه قد يطرد قوات الطوارئ كما يقول البعض، .. يا ريت تعود الأيام كما كانت أيام الوحدة لا أمل لنا إلا بها، ولا انتصار لنا إلا بها. فهل فهم الحكام العرب؟‏

اختزن بين أهدابه شيئاً من خيوط القمر، ثم عاد ليجوس المكان من جديد، مستنفراً آذانه، وذاكرته، وقلبه، ونور عينيه..‏

.. الأضواء الحمراء الخافتة في ازدياد، تلتمع ثم تنطفئ،.. وهدير الآليات والطائرات في ازدياد أيضاً على نحو يفوق المرات السابقة،.. وارتجاج الصخور بدا واضحاً وكأنها تحمل في طياتها نداء.. يا فلاحين يا أهل البلد.‏

وفي البحيرة ثمة أصوات لقوارب تشق الماء على أطراف القمر المتدلية من أطراف السماء، وبين هذا وذاك يتصاعد الومض في أفق البلاد.‏

هل يفعلونها الليلة؟‏

ربما.. فهذه الحشود لم تأت اعتباطاً،‏

وقد يكون ذلك تلويحاً بالحرب لا أكثر...، أو ربما يخططون لعملية محدودة كما فعلوا في مرات سابقة،.. يوم تسللوا عبر البحيرة وضربوا بعض الكمائن المتقدمة لقواتنا.‏

وما الذي يمنعهم من ذلك؟... إذا كانت مواشي القرية لم تسلم من بطشهم؟!‏

يومها كانت قطعان الأغنام تلج السفوح على أنغام أجراسها، وثغاء طلائها، وناي راعيها يتردد شجباً في شقوق الصخور، وبعد لحظات بدأت رشاشاتهم تعوي مسعورة من خلف التلال.. كانت مجزرة بشعة خسرنا فيها الكثير من المواشي.‏

فياض السالم خسر نصف مواشيه، وغالب الحمد لم يبق له شيء منها، ورجا الرهبان صار على الحصير تماماً، والأرملة هليل خسرت نعجتها الوحيدة.‏

وحين هرعنا لإنقاذ المواشي المتبقية كانت رائحة الصوف المحروق، ورائحة البارود تزكم الأنوف،... وعلى مقربة منا كان كبش جريح يجرجر أطرافه، وقد أطلق لسانه بالثغاء حتى خر صريعاً وهو يرتجف، وعيناه شاخصتان نحو القرية وبيوتها.‏

ووليد صغير ارتفع ثغاؤه وهو يحمل نصف جسده فقط بينما أودى الرصاص بنصفه الآخر،.. حتى اللحوم التي حاول البعض أكلها تسللت إليها رائحة البارود وأفسدتها.‏

إذا كان هذا شأنهم مع المواشي فما عسى أن يفعلوا بنا نحن الذين نحمل البنادق دفاعاً عن وجودنا ومستقبل أطفالنا، وتاريخ أجدادنا؟!‏

اشتعل جسده بالحذر واليقظة،.. رمق أجساد الرجال النائمين خلفه داخل الكهف، حيث بدأت دائرة النور التي رسمها القمر تضيق وهي آخذة بالإنسحاب.‏

بعضهم يتنفس بعمق، وبعضهم ينام نوماً قلقاً، والبعض الآخر لا زال يغالب النعاس.‏

رفع عبد الرحيم رأسه، حاول أن يشير بيده، ثم همس:‏

محمود..، محمود...، ألم تتعب؟ أنا جاهز الآن.‏

مد محمود رأسه داخل الكهف وهمس: لا بأس حين أتعب سأوقظك وما زال لدي بعض الوقت لإنهاء مهمتي.‏

حاول أن ترتاح، ولا تنسى أن المناجل في انتظارك عند الصباح.‏

أرخى عبد الرحيم رأسه فوق راحتيه في محاولة يائسة لاقتناص أطراف النوم.. آخ من العرب إلى متى سنظل هكذا؟‏

الحرب هي الحرب،.. فلنحاول، وليكن ما يكون، ملايين العرب يحيطون بهؤلاء الأوباش فلماذا نسكت إذن؟‏

هل ننتظر حتى يحدث لنا ما حدث لعرب فلسطين؟‏

يومها قلنا أن العرب لم يكونوا مستعدين، واليوم ما هو عذرهم..،‏

وقد صارت السكين فوق رقاب الجميع؟!‏

أقسم أنهم لو تركوني الآن لذهبت وحيداً إلى فلسطين..‏

تململ قليلاً، حاول مرة أخرى أن يغيّب هواجسه ولو إلى حين، لكن أهدابه ظلت تقبض على تلك الأيام التي عاشها في هذه المنطقة.‏

.. استدارت عيناه في أطراف الكهف، تفحص سقفه، وجوانبه المظلمة،‏

.. هنا في هذا الكهف كنا نرتاح ساعات طويلة حين كانت تحاصرنا الأمطار ونحن نرعى الماشية. أو نحن في الطريق إلى فلسطين، كنا نشعل النيران، ونشوي اللحم والخبز.. الآن صرنا ندخل متسللين خائفين!!،.. لعنة الله على هذه الأيام التي صار فيها أبو الحصين يحل ويربط.. اليهود صار لهم دولة؟!‏

وها أنت يا عبد الرحيم تختبئ في جوف الكهف، ولا تستطيع أن ترفع صوتك.. جاءوا من بلاد الله الواسعة ليسرقوا كل شيء..‏

وها أنت يا عبد الرحيم لا تستطيع أن تسعل أو حتى تتنفس على راحتك!!‏

أحسن برغبة بالسعال، تمنى لو يشعل سيجارة ليخمد بها نار شهوته التي بدأت بالإشتعال.. حاول عنوة أن يبتلع قلقه فأصدر همهمة مكتومة..‏

التفت إليه محمود، أدرك أنه لم ينم حتى الآن..‏

مسكين عبد الرحيم، لا زال يعتقد أن اليهود كما عرفهم سابقاً.‏

آخ يا عبد الرحيم، لو تعلم أية قوة يمتلكون، وأي دعم يتلقون.‏

.. الإنكليز والأمريكان والغرب كله معهم، كلهم يطمعون في خيراتنا.‏

.. عبد الرحيم شجاع، لكن الشجاعة إن لم يضبطها العقل، سيكون لها نتائج أخرى.‏

التفت نحوه مرة أخرى وأشار إليه هامساً..‏

ثم التوّى داخلاً، بينما ظهر رأس عبد الرحيم من عتمة الكهف وهو يفرك عينيه ويدفع بندقيته نحو فضاء الليل،.. انفتحت أهدابه ثم ضاقت..‏

التهم الجبال والأضواء، وأطراف الصخور، والأشجار التي تختفي خلفها الحشود والتحصينات. ثم راح يمسح المكان من فوهة الكهف وصولاً إلى شاطئ البحيرة، فبدت أمامه البلاد على نار ذاكرته المشتعلة بكل أيامها ولياليها..‏

أشجار الدوم تبدو الآن كتلاً سوداء متناثرة بين الصخور...‏

الدوم.. الذي كان غذاء طيباً لذيذاً.. ليتني أستطيع الوصول إليه الآن...، إلى جانب تلك الصخرة العالية بئر عميقة، كنا نضع فيها الأسلحة لثوار فلسطين، وفي هذه البئر القينا يوماً جثة الضابط الإنكليزي الذي اعتدى على نسائنا في موسم الجني.‏

سلمت يداك يا (أبو العبد).. يومها ناوله خنجراً في خاصرته واستولى على بندقيته بعد أن حذره مراراً من سوء أفعاله..‏

.. دفعناه إلى حافة البئر وألقينا به كجيفة نتنة ويومها خرج الإنكليز بعسكرهم، وكلابهم، وخيولهم، وبنادقهم واعتقلوا المئات من أبناء القرية، حتى شيوخها لم يسلموا من بطشهم.‏

أخذونا جميعاً إلى مقر الحاكم العسكري الإنكليزي في طبرية، وهناك قتلوا من قتلوا، وعذبوا من عذبوا.‏

الحاج جابر ظل مربوطاً بالحبال، ورأسه يتدلى على صدره، وقد سالت دماؤه إثر طلقة مسدس أفرغوها في رأسه، رحمك الله يا جابر، لقد مت وارتاحت نفسك، وتركت الشقاء لنا.‏

.. أنت قتلك الإنكليز، وقد كانت لهم صولة وجولة في ذلك الوقت.. أما نحن الآن فقد يقتلنا أولاد الفاطسة،‏

.. اليهود الذين لم نعتقد يوماً أنهم سيكونون هكذا كما نراهم اليوم.‏

آخ على أيام زمان.. هذا العكروت اليهودي ابن الكبي كان يعيش معنا، يحضر أفراحنا، ويشارك في مواسمنا، لم نؤذه يوماً، كان يأكل ما نأكل، ونعطيه كل ما يريد،.. كان واحداً منا...، وحين صار لليهود دولة اختفى ابن الديوس،.. ومن يدري ربما هو أو أحد أبنائه من يقابلني الآن على الطرف الآخر؟!‏

ومثله اليهودي ابن مطرود كان ينام بيننا، ويأخذ نصيباً من محاصيلنا..‏

كيف لم ننتبه لهم من قبل؟.. كانت قلوبنا نظيفة كماء الينابيع،.. لكن آخ لو يدور الزمان مرة أخرى.‏

قطع شروده صوت مرعب لطائر البوم، وهو يدف بجناحيه حول الكهف ثم وقف على صخرة مقابلة وهو ينعب..‏

سترك يا رب، اليوم إذا نعب فنعيبه شر،.. حاول أن ينهض قليلاً ليبعده فما استطاع...، أمسك حصاة صغيرة، ألقى بها في فضاء التشاؤم، الذي ابتعد تاركاً خلفه صداه يتردد في أعماق الكهف.‏

حاول أن يستنفر ذاكرته مرة أخرى، طارت عيناه في وهج النجوم المزدحمة في السماء.. درب التبانة، وسهيل، نجمة الصبح، والقمر الذي كفكفت أطرافه الآن.. وندى الحصاد المعقود على صحو النجوم وظهورها في مآقي الفلاحين الساهرين على أطراف الحقول..‏

"يا نجم يلي بالسماء واسمك سهيل‏

سلم على حبيبي بديرة حوران"‏

حوران بلاد الخير، تذكر ذاك الشاب الذي استشهد فوق دبابته في مزرعة عز الدين المجاورة..‏

الشاب الحريري رحمه الله.. لم أعد أذكر اسمه الآن، قالوا يومها أنه من حوران..،... في ذلك الإشتباك ظل الحريري ورفاقه يقاومون العدو حتى ساعات المساء، حين جاءه صاروخ فأحرق دبابته، وتدلى جسده فوق برجها وقد فاحت منه رائحة الشواء،.. نضج لحمه،.. نضج على نار الحديد.‏

من تتذكر يا عبد الرحيم الآن؟‏

شباب بعمر الورد من كل أنحاء البلاد دماؤهم هنا، ويعلم الله متى سنلتحق بهم؟ فالأيام القادمة أدهى وأمر.‏

ماذا سنفعل إذا هاجمنا العكاريت؟‏

هل سنهج إلى الأودية كما كنا نفعل في كل مرة؟‏

ماذا سنفعل بالأطفال والنساء والمواشي؟‏

وهل سنترك الجيش وحيداً في المعركة؟‏

معاذ الله أن نفعل ذلك،..‏

سنقاتلهم حتى الموت، وأرجو من الله أن يقع بين يدي واحد منهم،.. أقسم أني سأثأر لكل الذين استشهدوا..‏

كيف لنا أن ننسى كل ما فعلوه بنا؟‏

أنا أبوك يا صالح.. والله سيشهد على ما أقول.‏

آخ.. الصخور أكلت عظامي...‏

حاول أن يسوّي وضعه من جديد، بينما غرقت عيناه في ظلال الطرقات والمعابر والتلال..‏

حين وزعت الأراضي، وأخذنا حقوقنا، وخلصنا من حمدان الكلب، وسيده مدحت بيك، وقلنا سنرتاح من عناء السنين، ولكن من أين تأتي الراحة، وهؤلاء على مرمى عيوننا؟!...‏

مدحت بيك، لعنة الله عليه أينما حل، وأينما كان وجهه الآن...، كان ابن الكلب حين يدخل إلى بيت أحد الفلاحين يأمر بوضع الفراش، فرشة فوق أخرى، حتى يرتفع بجلسته إلى الحد الذي يجعل جزمته في الفراغ، ثم يقوم رجاله بذبح الخراف أو الدجاج، ويوضع الطعام أمامه، فيلتهمه وحيداً،‏

.. يأكل حتى ينتفخ، والجميع وقوفاً أمام ناظريه.‏

وكان إذا انتهى، يغسل يديه بالماء والصابون فوق ما تبقى من الطعام حتى لا يأكل منه أحد، ثم ينصرف بعد أن يكون رجاله قد خرجوا ونهبوا كل شيء.‏

ذاك الكلب، ما الفرق بينه وبين هؤلاء الذين يريدون ذبحنا كل يوم؟‏

يا رب جيب العواقب سليمة،.. نظر خلفه حيث أجساد الرجال وأنفاسهم، وغرق من جديد في بحر اليقظة والترقب، بينما زاغت عيناه في مواجهة الأنوار الكاشفة التي شقت ظلمة الليل وراحت ترقص مذعورة فوق الصخور بحثاً عن أهدافها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244