قناديل الليالي المعتمة - علي المزعل

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إشارة أخيرة

في الآونة الأخيرة تلاشى أبو سويد،.. تلاشى تماماً، لم يعد أحد يسمع صفارته، أو صوت ندائه: (يا فلاحين يا أهل البلد) صار ظهوره نادراً، يكاد يقتصر على مضافة المختار وفي أيام محددة، أو على الطرقات المؤدية إلى بيادر القرية.‏

قال بعضهم: إن صوت أبي سويد وهواء صافرته قد تلاشيا أمام مكبرات الصوت الجديدة التي دخلت مسجد القرية.‏

وأمام صافرة الإنذار نصف الآلية التي تعمل بحركة دائرية من مناويل يدوي، والتي وصلت مكتب المقاومة الشعبية في الآونة الأخيرة...، حيث لم يعد أحد بحاجة إلى صوته وهواء صافرته..‏

ورغم تصريحات بعض الفلاحين المتكررة بأن لا بديل لصوت أبي سويد، لأنه صوتنا، إلا أن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً، فقد تلاشى جسده، حتى أنه لم يعد قادراً على إطلاق صوته ولا سيما بعد أن فقد دربته التي اعتادها زمناً طويلاً، الأمر الذي جعل بعض الفلاحين يشطبون اسمه نهائياً من قائمة المختار وشيخ القرية والمحضر عند نهاية مواسمهم.‏

أما هو فلم يأبه لذلك، ولم يحدث أحداً بهذا الشأن، حتى علاقته مع المختار صارت فاترة،.. وحين يُسأل عن سبب تلاشيه وهزاله يجيب:‏

أنا أنتظر المواسم القادمة،.. أنتظر مريوم التي أراها في كل يوم، وقد أسلمت خطوها للطرقات القادمة إلينا.‏

لست الوحيد في ذلك.. الطرقات المتربة، والسهول والسنابل، وينابيع المياه، وسمر الناس، وضحكاتهم، وأحلام العاشقين، ونبض قلوبهم، وساحات الأعراس.. الكل ينتظر المواسم القادمة.‏

حين أدرك عبد الرحيم أن طلقات بندقيته لا تصل للطائرات المعادية حيث استمرت في ذهابها وإيابها دون أن يهتز لها جانب،.. ركض في ساحة القرية وأزقتها وهو يصرخ:‏

اليوم يومكم يا أولاد الفاطسة،.. أني أبوك يا صالح، طاب الموت يا عرب، ثم رمى كوفيته وعقاله في فراغ الظهيرة الحزيرانية اللاهبة وهو يصعد إلى أعلى بناء في القرية ويواصل إطلاق النار في فضاء منهوب بهدير الطائرات ودوي الانفجارات.‏

صرخ المرشح عبود وصوته مبتل بالدموع:‏

لا تغامر يا عبد الرحيم، اهبط سريعاً،.. العدو غادر..‏

صرخ عبد الرحيم وقد جحظت عيناه، وتورمت أوداجه بالغضب:‏

.. لا تخف، اذهب واتركني إذا شئت.. والله لن يدخلوا إلا على جثتي.. بقي لدي مشط واحد وبعدها ليكن الموت.. طاخ.. طاخ.. طخطاخ.. صرخ المرشح عبود، وصرخ عبد الرحيم، وصرخ آخرون ثم غاب الصراخ في قلب الانفجارات المتلاحقة التي حملت أشلاءهما مع حجارة البيوت الطينية العتيقة..‏

وفي الفضاء أسراب من عصافير تفر مذعورة من ظلال أشجار الحواكير.. ترتفع قليلاً ثم تتفرق وسط سحب الدخان التي غطت القرية وحواكيرها في الإتجاهات كلها، ثم تعود مرة أخرى لأسرابها في بقع الفضاء التي لم يطلها دخان الحرائق، وما أن تحاول العودة إلى أعشاشها حتى تضيع وسط سحب الدخان وألسنة الحرائق.‏

وفي الأزقة المجاورة، لا زالت أجزاء مختلفة لأجساد آدمية ترتجف وهي تودع آخر خيوط الدماء التي امتزجت بالتراب ولوّنت أطراف الحصى.‏

وبين رماد البيوت بدت بنادق عديدة، وقد تقوست وهي تلفظ خيوطاً من دخان أسود يتصاعد متعرجاً من أطرافها الخشبية التي تفحمت بعد أن خمدت نارها.‏

وفي بعض الزوايا الضيقة تجمعت طيور الدجاج وقد ارتفعت أعناقها، وانتصبت أعرافها محمرة مستنفرة وقد بدت عليها علامات القلق والحيرة والترقب وانفتحت أهدابها في فضاء الحرائق.‏

وعلى الطريق الترابي المؤدي إلى بيادر القرية كان أبو سويد يحاول دفع خطوه وسط ذيول الدخان، وهباب الحرائق.‏

رفع رأسه، حاول الصراخ.. يا فلاحين يا أهل البلد..‏

تباعدت شفتاه، ثم التصقتا من جديد على جفاف لعابه، ظل صوته حبيس أضلاعه، لم يسمعه أحد، ثم تكوم على الأرض جثة هامدة، وفي أعماقه ينداح النداء:‏

يا فلاحين يا أهل البلد..‏

وظلت عيناه تلوبان في فراغ السهول، وعلى الطرقات المؤدية إلى القرية، وشفتاه تتباعدان تارة وتلتصقان تارة أخرى..‏

يا فلاحين..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244