حكاية عشق ممنوع - مظهر الحجّي

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إنّي سَأَلْتُكِ أَنْ تَبِينِي

بِيْنِي... سَأَلْتُكِ أَنْ تَبِينِي‏

كَسَّرْتُ صَلْصَالَ الفؤادِ على اختلاجاتِ الظُّنونِ‏

غَلَّقْتُ أَبْوابي، وعَمَّيْتُ الدُّروبَ إلى حَنيني‏

تأتينَ أوْ لا، لم يعدْ هَمّاً، وإنّي مُفْرَدٌ منذُ الوِلادهْ‏

منذ انفجارِ البَيْضَةِ الأولى عن الولدِ الجميلْ‏

وأنا تُنَازِعُني المَغَاورُ والمَخَافِرُ،‏

أَشْتَهي زَمَناً يُداهمني بِمَنْشُورِ البَراءَةِ والأمانْ‏

ماذا تَبَقَّى في الدِّنانْ؟‏

أَرَشْفَةٌ أَمْ رَشْفتانِ‏

والرُّوحُ تغرقُ في النِّشيجِ،‏

وتفتحُ الأبوابَ للآتي فَضاءً... من دُخانْ‏

سَقَطَتْ قِلاعٌ، وانطوى عَلَمٌ، وهاجرتِ البلادُ من البلادْ‏

هذي مَفاتيحي...‏

فمنْ يستقبلُ الولدَ المُغَرَّرَ أَوْ يدسُّ إليه كأساً...‏

ثمَّ ينكسرُ الفؤادْ‏

- أنتَ الذي أمعنتَ في البُعْدِ المُمِضِّ وفي التَّجنّي‏

وسَرَقْتَني، وخنقتَ بعضي، واختلستَ ضِياءَ عَيني.‏

- بل أنتَ أغويتَ البنفسجَ فازدهَى عَجَباً، وعافتهُ السَّواقي‏

خمسونَ عاماً في الفراغِ ولا أريجَ ولا تُرابْ‏

خسمونَ تسرقُهُ الغوايةُ ثمَّ يوقظُهُ السَّرابْ‏

وَطَنٌ ولا وطنٌ، وراياتٌ ترفُّ ولا نجومْ‏

كُسِرَتْ سَواريها، وألقاها الجنودُ على التُّخومْ‏

ماذا تَبقَّى من بقايا ذلك الولدِ المُقَسَّمِ بينَ أحلامِ المدائنْ‏

لم يبقَ ما أخشى عليهِ قد تسرّبَ خافقي مزقاً‏

وضاعَ الكلُّ مِنّي‏

فَلْيبْكِني بَعْضِي،‏

وبَعْضِي يَرْقَأُ الدَّمْعُ الهتونَ على تُرابي‏

ماتتْ أنا شيدي العِذابُ وماوصلتُ إلى صِحَابي‏

الدَّرْبُ وَعْرُ المُرْتَقى والسَّالكونَ إلى العِتابِ‏

يَتَهافتونَ إلى سَنَاكَ، وما بَدَوْتَ، ولا إشارهْ‏

لكنَّها ظُلَمٌ على ظُلمٍ، وهذا الوقتُ قد أَعْمَى المنارهْ‏

ياسيّدي إنّي إليكَ،‏

ولستُ من هذا القطيعْ‏

أَمْ أخطأتْ دربي إليكَ،‏

ولا شَفِيعَ إلى الشَّفيعْ‏

ياسَيّدَ العشّاقِ أَمْهِلْني إلى أَجَلٍ مُسَمَّى أوْ مُعَمَّى‏

عَلّي أراكَ تهلُّ في صدرٍ من الصّلصالِ والوجَعِ المُدَمَّى‏

إنّي على الأعتابِ مُذْ أَبَدٍ‏

فهلْ يَرْضَى رِضَاكْ‏

ياسيّدي...‏

إنّي أراكَ‏

ولا أراكَ‏

فهلْ أراكْ...؟؟‏

***‏

كُونِي.. سألتُكِ أَنْ تكُوني‏

حُمَّى وعاشقةً وسِرّاً في عُيوني‏

أوْ أقْبِلي جُرْحاً على صَدري ونافذةَ انتصارْ‏

عَلِّي أجوزُ من الحصارِ إلى فضاءاتِ النهارْ.‏

عَبَقَتْ أريجاً، فانتشَى، الكونُ الخجولُ، ومالَ سُكْرا‏

وأفاقَ ذاكَ المارقُ الصُّعلوكُ في صَدريْ، وأَعْرَى‏

سُرَرَ النُّخَيْلاتِ الصّغارِ مُهَتّكِاً سِتْراً فسِتْرا‏

جالَتْ أَكُفِّي في سَرائِرِها، وتُجْفِلُ ، أَوْ تَردُّ عليَّ صَدْرا‏

سِرْبُ القَطا يَزْقُو، وينهضُ في يَدِيْ جَمْراً وجَمْرا‏

هي سَرْوَةُ السَّرواتِ، بلْ هي لَوزتي وَجْداً وعِطْرا‏

من أَينَ يبتدئُ الجَنَى والمائساتُ عليه تَتْرَى؟‏

ضاءتْ عيونُ اللّهِ في وَجْدِي فَضاءَ الكَوْنُ شِعْرا‏

وأفاقَ في وَجَعِ القصيدةِ شاعرٌ قد ماتَ دَهْرا‏

ضاعَتْ عيوني في الزّحامِ فلا الوجوهُ هي الوُجوهُ‏

كَلاَّ.. ولا الجدرانُ تُفْصِحُ عن هَوايَ لها،‏

ولا أَلْقُ الحَوارِي‏

نارِنْجَةٌ عَمِيَتْ هناكَ من النّحيبْ‏

أَقْعتْ على سيفِ الرّصيفِ تُلَمْلِمُ الأزهارَ ذاهلةً،‏

ويأخذُها النُّواحْ‏

لا الإلْفُ يرجعُ من عمايَتِهِ ولا وجعُ الوجيبْ‏

ماتَتْ يداي على قلوبِ الأصدقاءْ‏

لكنَّ أبوابَ الأحبَّةِ مُوصَداتٌ،‏

لم تُلِنْ أقفالَها في وجهيَ المحروقِ،‏

وانفجرَ البكاءْ‏

هتفتْ من الجدرانِ نافذةٌ...‏

تَأَكَلَّهَا بلاءُ الجوعِ والخوفُ المروِّعُ فاسترابتْ‏

- يا أيُّها الولدُ الغريبْ‏

إنّي أخافُ عليكَ غائلةَ التَّوحُّدِ وانكساراتِ الدروبْ‏

إنّي..‏

وداخَلَها التَّوَجُّسُ، أَسْدَلَتْ أجفانَ وحشتِها‏

وماتتْ في الظَّلامْ.‏

حَطَّتْ على صدري المُتَعْتَعِ بُومةٌ‏

كانتْ توسوسُ في هدوءٍ:‏

إنّه زمنُ التَّفتّحِ فانفتحْ للقادمينْ‏

لا فرق مابينَ انفتاحِ أوْ فُتوحْ‏

كُلُّ البيارقِ تنحني‏

وتَطيشُ أوسمةُ البلادِ على مَواطِئهم، وتَسْتَخْذِي النُّجومْ‏

زورٌ هو التَّاريخُ....‏

لا فَتْحٌ.. ولا صَوتُ الأَذَانِ يرنُّ في أعلى التُّخومْ‏

كَلاّ... ولم يَخْتَلْ على الآفاقِ خَيَّالٌ، ولم تَصْهَلْ خُيولْ‏

لم يَبْكِ "قيسٌ" حُبَّهُ يوماً ولا لثمَ الطُّلولْ‏

و "أبو الفوارسِ" كِذْبَةٌ كُبْرَى‏

يُردِّدُها المُغَنّي في المقاهِي السَّاهِرَهْ‏

ماكانَ يوماً "عَنْتَرٌ" أو "شَنْفَرى"‏

ماكنتَ شيئاً...‏

إنّك ابنُ اليومِ...‏

فاخلعْ قلبَكَ المحشوَّ بالسمِّ القديمِ وتُرَّهاتِ السّالفينْ‏

وَلْتَنْخَلِعْ من أَسْرِ ماضيكَ الملوّثِ بالمخاوفِ والحروبْ‏

إفْتَحْ لأسرابِ الحمامِ فإنّه زمنُ السّلامْ.‏

أَطْرَقتُ مَحْموماً أُلملمُ ماتَبَقَّى مِنْ قَدِيمي‏

أَخفيتُ قُرآني وسَيفي واشْتَمَلْتُ على كُلُومي‏

وكَفأْتُ كأسِي، وانطلقتُ مُصَعِّداً‏

مُتدثّراً بالوجدِ والأحبابِ والحُمَّى ولأْلاءِ النُّجومِ‏

رمْلٌ على رملٍ، ولألاءٌ وسُمٌّ في الهواءْ‏

وَمَفَاوِزٌ تقتاتُ أقدامي ولا نخلٌ وماءْ‏

لا وقتَ للتّذكارِ والأشعارِ أَوْ رَجْعِ النّداءْ‏

-ثَكلَتْكَ أُمُّكَ...‏

هل ستلقَى الكونَ صُعلوكاً وحيداً...؟...‏

ليسَ ذا زمنَ الألوهةِ أَوْ صعودَ الأنبياءْ‏

- إنّي أَرى زَمَني الأكيدَ مُضرِّجاً كَبِدَ السماءْ‏

***‏

إنّي سألتُكِ أَنْ تَبِيني‏

لا وقتَ للعشقِ المهوِّمِ في فضاءِ الياسمينْ‏

هل يعشقُ العبدُ المُدّجَّنُ بالسلامْ؟‏

هل يُنْشِدُ الأشعارَ مَنْفِيٌّ بأجنحةِ الَحمامْ؟‏

لا ترقصُ الأشعارُ إلاّ في فضاءٍ من جُنون‏

خمسونَ أحملُ خَشْبتي وقُروحَ أجفاني ودِيْنِي‏

بَلْ... منذُ بَدْءِ الخَلْقِ تحملني السَّواري في فضاءِ الرِّقِّ...‏

مكسورَ اليقين‏

- هَلْ تَرْتَقي عرشَ الألوهةِ في فضاءٍ من ظنون؟!‏

-إني سَأَلْتُكِ أَنْ تَبِينِي‏

لا وقتَ للعشّاقِ في ليلٍ،‏

يطاولُ نطفةَ الخلاّقِ في صَدري‏

ويقتلعُ المنائرْ‏

ويهزُّ أَسْواريْ وأَشْعاري وأعوادَ المنابرْ‏

لا وقتَ للعِشْقَ المبرِّحِ والتَدَلُّهِ والجنونِ‏

ياسادةَ الكونِ الجديدْ‏

شُدُّوا وثاقَ العبدِ لا يُفْلِتْكُمُ‏

شُدّوا النوافذَ والحَواري، بَلْ جذورَ البيلسانْ‏

قَدْ يَعشقُ العبدُ الحرون‏

قد يعرفُ الدربَ المُعَمَّى ،‏

أو يجوزُ إلى مَضيقِ الآدَمِيَّهْ‏

شُدُّوا فقدْ يستيقظُ الإنسانُ فيهْ‏

شُدّوا..‏

فهذا العبدُ -في الماضي- أَضَاءَ الكونَ بالحُمَّى...‏

ونارِ الأبجديّهْ‏

فاضَتْ على الدُّنيا معارِفُهُ وكانَ اللهُ فيهْ‏

"بَعْلاً" و "إنْلِيلاً" و"إِيلاً"،‏

واحداً أحداً سويّا‏

كانتْ مراكبهُ تجوبُ الكونَ، يخضلُّ الزّمانْ‏

يَسري، ويَسري في مراكبهِ بَهِيُّ الأُرجوانْ‏

هُوَ خالقُ الخمرِ الكريمةِ والمواجِدِ والسهرْ‏

هو ساكبُ الخمرِ الألوهةِ في مَغَاليقِ البشرْ‏

هو سيّدُ الأكوانَ -كانَ- النُّطْفَةُ الأُولى،‏

وربُّ الطّينِ يعجنُهُ بأسرارِ السماءْ‏

شُدّوا...‏

فمازالتْ بذورُ النارِ تَلْظَى في ظُنونهْ‏

مازالَ مفتاحُ المَعَارِفِ في يَمينهْ‏

مازال هذا العبدُ يَعْلَمُ ...‏

أنَّ ذاكَ الخالقَ المخلوقَ فَيْضٌ في عيونهْ.‏

***‏

مَلَّتْ تَفاصيلُ القصيدةِ واشتكَى الحرفُ المروَّعُ...‏

في منافي الجملةِ الثَّكْلَى وأنساقِ النّحيبْ‏

مَلَّتْ تضاريسُ الحروفِ، وصوتُها يمضي مَعَ الأنغامِ...‏

يطرقُ مُلْحِفاً بابَ الحبيبْ‏

هذا مِنَ الهَزَجِ الحزينِ وذا من الرّجزِ الطروبْ‏

لكنَّهُ مُتَمَنِّعٌ لا يستجيبْ‏

فمتى يَقَرُّ بصدرِها هذا الوجيبْ‏

ومتى يُجيبُ المُسْتَريبْ؟؟‏

إنّي على قلقٍ أُسارِرُ آخرَ الجُزُرِ العصيّةِ في الضّميرِ‏

إنّي وأنْتِ على شَفَا نَهْرٍ فهلْ غَرِقَتْ طُيوري‏

إنّي على قَلقٍ أُدندِنُ آخرَ اللّحنِ القصيرِ‏

إنْ كان طِيني قد أضاعَ دَمي، فوا خَجَلَ المصيرِ‏

طِيري طُيورَ الرّوحِ من عَدَمٍ إلى عدمٍ... وطِيري‏

طِيري...‏

فهذا خَافِقِي مِزَقٌ وأنغامي نَذِيري‏

إنّي سألتُكِ أنْ تطيري‏

طِيري إلى أبَدِ المَصيرِ‏

أَوْ حَلِّقي بفضائِكَ الدَّهريِّ‏

وانْتَظِري... نُشُورِي..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244