حكاية عشق ممنوع - مظهر الحجّي

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

وَمَا عُدْتَ تُزْهِرُ فيهمْ خَلِيلاَ

إلى روح الحاضر الغائب د. عبد اللطيف الراوي‏

غَرِيبٌ..؟!‏

بَلَى يا صديقي.. غريبٌ‏

وهذا الهواءُ.. غريبٌ‏

وهذا الذي أَرْهَقَتْهُ القصيدةُ‏

دَلّتْ عليهِ، فأغْرَتْ بِعَوْراتهِ الوالغينَ‏

أَشاطتْ بأسرارهِ والدّماءِ‏

وهذي البلادُ التي تستضيءُ بروحيْ‏

تضيقُ بوَجْدِ الغريبِ وهمسِ الوجيبِ‏

وهذي الحَواري التي ساكَنَتْنِيْ‏

تُغَلِّقُ أبوابَها الواجفاتِ، وتمسحُ آثارَ عشقٍ قديمٍ‏

وأغدو مُحِبّاً مُمِلاًّ، مَلُولا‏

وهذي الخفافيشُ تاهَتْ صُقوراً‏

تُنقِّرُ حبّاتِ قلبٍ تَشَظّى‏

تناثرَ في لؤلؤاتِ الخليجِ‏

وكانَ بوهرانَ صَبّاً عَليلا‏

فأيَّ العواصمِ سوفَ تُصافي؟‏

وأيَّ المنابرِ سوفَ تُجافي؟‏

وأيُّ الشّعاراتِ يَعلو شهيقَ الضّلوعِ؟‏

وهذي السّفاراتُ تَتْرَى إلى الرّومِ‏

تَرمي مَفاتيحَ عكّا، وخمسينَ عاماً تَرَدَّتْ هَباء‏

وهذي الأهازيجُ تستنفرُ الموتَ،‏

أيُّ البيارقِ يعلُو،‏

يُجَمِّعُ أشتاتَ هذي القبائلِ، ينجو بها مِنْ بَلاءِ الوَبَاء‏

لقد غادرَ القلبُ أحلامَهُ‏

وغادرتِ الرُّوحُ هذا الفَضَاء.‏

غريبٌ..؟‏

بَلَى يا صديقيْ‏

ودارُ التي كنتَ تَهوى على وَمْضَةِ القلبِ تَغْفُو‏

ولكنْ.. لقد أَوْصَدَ الأهلُ بابَ التّراحمِ،‏

ماذا يفيدُ اقترابُ الدّيارِ‏

وأيُّ الدروبِ سَيُفْضي بهذا المُحِبِّ الخَليعِ الذي أَسْلَمْتُه الدّروبُ‏

وأيُّ المناهلِ يَروي الجيادَ‏

وهذي البلادُ سرابٌ كذوبُ؟!‏

أَكُنْتَ تريدُ لقاءَ العواصمِ؟!‏

كيفَ؟!‏

وهذي الطَّواغيتُ في كلِّ فجٍّ،‏

صلالٌ تُطَوِّقُ حلماً،‏

تَماهَى معَ الطفلِ ثمَّ استفاضَ على مَيْعَةِ العمرِ..‏

شِلْواً خَضيلا‏

تُرى.. أخطأَ الدَّربُ يا صاحِ‏

أَمْ أنَّ ذا السَّطْرَ خانَ الرَّسولا؟‏

إلى أينَ يا صاحِ..؟!‏

هذي الرمالُ تماهَتْ معَ الماءِ،‏

لا أرضَ للمرهقينَ الجياعِ‏

فأينَ ستركُزُ رُمْحَ الجَسَدْ‏

وأيُّ التّلاعِ سترضَى برأسٍ،‏

تَصَدَّعَ بالحلمِ والشّعرِ، حُزْنِ الرّواياتِ، وَهْجِ الطّواسينِ،‏

حَلاّجِ عَصْرٍ، تَرَدَّى بهِ العَصْرُ حتّى اخضلالِ العُيونِ،‏

وأَعْراهُ مِنْ وِرْدِهِ والمَدَدْ.‏

تَراني حَزِيناً..‏

بَلى.. يا صَديقيْ‏

ولكنَّ مَوْتَك أَكْرَمُ من عيشِ طِينيْ، وموتِ يَقينيْ‏

كأنّكَ ما طِقْتَ أن تشهدَ الموطنَ المستباحَ،‏

يُغَالُ على طاولاتِ التّفاوضِ، يَغدو طُلولا‏

وكنتَ تُصلّي إلى مطلعِ الشّمسِ‏

حيثُ الفضاءُ يَضُوءُ نَخيلا‏

ودجلةُ يزهرُ في القلبِ وجداً‏

ويلتفُّ في الجِيدِ وَعْدا قتيلا‏

معَ الفجرِ تنسابُ نحو الفراتِ‏

وتلقاكَ بغدادُ في السرِّ عَجْلَى‏

يحاصرُهَا الخوفُ والرّاصدونَ‏

تُبَرقِعُ وَجْهاً جميلاً بَسَعْفِ النّخيلِ فتبدُو نَخيلا‏

وكَمْ مرّةٍ أُبْتَ تبكي‏

وتنشُجُ، تنشجُ حتّى الهلاكِ‏

- أَلَمْ تلقَ بغدادَ ذا اليومَ؟‏

-كَلاّ.‏

وَتَذْوِي على الجِسرِ، يَرْتَدُّ طَرْفُكَ دَمعاً كَليلا‏

فماذا سترقبُ؟..‏

يوماً مَضى؟!‏

ويوماً على الكَرْخِ خلفَ الحدودِ‏

ينوءُ بأوجاعهِ والقيودِ‏

وما بينَ حمصَ وبغدادَ وَعْرٌ‏

فكيفَ سَيَدْرُجُ قلبُكَ بينَ تضاريسِ هذا البلدْ؟‏

تَصَبَّتْكَ أمُّ الكتابِ وأمُّ العراقِ وأمُّ دُرَيْدٍ‏

فَهِمْتَ..‏

وكانَ الهُيامُ طَويلا.‏

أنلقاكَ في النّخلِ؟‏

أَمْ جُزْتَ وحدَكَ‏

تَنْداحُ في العشقِ طفلاً أميراً‏

أباحَ له الوَجْدُ، والسَّالكونَ إليهِ، السَّبيلا‏

أنلقاكَ في قاعةِ الدّرسِ، في سُورةِ الغَرْسِ،‏

في سفْرِ بابلَ، طيراً يُرَتِّلُ للذّاتِ والسَّهْروَرْدِي؟‏

أضاقتْ عصافيرُ روحِكَ بالطّينِ،‏

ضاقَتْ بأقفاصِ هذي الطَّواغيتِ،‏

أَمْ كنتَ مُهْراً‏

تدافعَ من مطلعِ الشّمسِ حتى المحيطِ،‏

وآبَ إلى الشّام جُرحاً كَسيراً أضاعَ الصَّهيلا؟؟‏

أَروحُكَ هذي الطّواسينُ أَمْ سَورةُ الموتِ،‏

تَرْجِيعُ ذاكَ المُغَنّي الذي ماتَ فيهِ الفناءُ‏

فأطلقَ من قُبَّةِ الصَّدرِ أسرابَهُ‏

وغابَ بأحبابهِ والغَناء‏

أَضِقْتَ بأغلالِ هذي العروشِ،‏

فلملمتَ أوراقَ عُمركَ سِرّاً،‏

وغافلتَ أبوابَ هذا الفَضاء؟‏

لماذا تَخَوَّنْتَ خُبزيْ ومِلْحيْ، تركتَ النَّدامى الحَيارى‏

يهيمونَ في حانةِ الموطنِ المستباحِ، يَعُبُّونَ خمرَ الهزيمةِ‏

حتّى الهزيعِ الأخيرِ، وغادرتَنا مُفْرَدَا!!؟‏

تَخَيَّرْتَ دربَكَ نحوَ النّجاةِ،‏

كأنّكَ أدركتَ أن الحياةَ بهذي العواصمِ باتتْ سُدَى‏

كأنكَ أَيْقَنْتَ أنَّ الحقائقَ باتتْ صَدَى‏

وأنَّ الحروفَ التي أَشْعَلَتْها دماؤُكَ أَوْ أَطلقَتْها‏

على غافيات المدائنِ، آبَتْ رَمَادا‏

ودلّتْ عليكَ، وأَغْرَتْ بطينكَ أربابَ طينكَ،‏

هذي الضَّواري التي لم تجدْ غيرَنا مَوْرِدا‏

فأجفلَ سِرْبُ السُّنونُو‏

وغادرتَ طينكَ تضربُ في مُطْلقاتِ المَدَى.‏

غريبٌ..؟ بَلَى يا صديقيْ.‏

حزينٌ..؟ بلى يا صديقيْ، ولكنْ عَلَيَّ،‏

على هؤلاءِ النَّدامى اليَتامَى‏

على الهالكينَ الذينَ أباحُوا الكُرومَ وآبُوا أَيَامَى‏

على عُصْبَةٍ غالَهُمْ خَوْفُهُمْ‏

فألقوا مفاتيحَ بَيتي، وقالوا: سَلاما.‏

تَخَوَّنْتَ خَمْريْ ومِلْحِيْ‏

وأَدْلَجْتَ في دهشةِ اللّيلِ فَرْداً،‏

يضوءُ معَ السالكينَ،‏

وخلّفتَ فَرداً،‏

ينوءُ بآثامٍ طينٍ غَرورٍ، نَبَتْهُ المضاجعُ، مَلَّ المقاما‏

أَنَلْقَاكَ؟‏

أَمْ أَنّنا من سَرابٍ‏

وهذا الذي كانَ في الصَّدرِ قَلْباً‏

تَعاوَرَهُ الرُّعْبُ والحالكاتُ‏

فعادَ تُرابا‏

وأنتَ البَصيرُ الذي قَدْ نَجا‏

وجَازَ إلى العُدْوةِ المُسْتَحيلا‏

لقد صَوَّحَ الحانُ، يا صاحِ،‏

وَانْفَضَّ شَمْلُ النَّدامى‏

وما عُدْتَ تُزْهِرُ فيهمْ.. خَليلا.‏

الهوامش‏

1- الطواسين: من آثار الحلاّج التي حققها الراوي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244