حكاية عشق ممنوع - مظهر الحجّي

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

العَارِفُ

السّاعَةُ تالِفَةٌ‏

والحانَةُ تَغْلي بالرُّوّادِ جُموعاً عَطْشَى‏

تتدافعُ نحوَ السَّاقي أَيْدٍ راعِشَةٌ‏

أَلْسِنَةٌ يَعْقِلُها ما يعقلُها.‏

من أَيِّ الخمرِ سنشربُ هذا اليومَ،‏

لقد جَرَّبْنَا أصنافَ الرَّاحِ لَيالٍ إِثْرَ ليالٍ‏

لكنَّ الرَّاحةَ لا تَحْضُرُنا‏

والرُّكْنُ المعهودُ سُكُونٌ‏

يَتَلفَّعُ بالصّمتِ وأَسْدافِ العَتْمَةِ،‏

فالأكوابُ انكفأتْ ساهمةً،‏

ونَداماكَ غيابٌ.‏

هَلْ أخطأتُ الوَعْدَ؟‏

أَمْ أنّي جُزْتُ ببابٍ لا يُفْضِي؟‏

أَمْ أنَّ الحانةَ ليستْ حانَتَنَا،‏

فالسَّاقي يَرْمُقُني خَلْساً‏

والرّيبةُ في عينيهِ سؤالٌ جَزِعٌ.‏

-لكنَّ الليلَ يكادُ يضيعُ وأنتَ تجوبُ‏

ففي أيِّ الحاناتِ تركتَ نداماكَ؟!‏

صاحَ الحَسَنُ المبهورُ مَغِيظاً:‏

هذي ليستْ دارَ نَداماكَ، فترحَّلْ عَنّا‏

مَصْحوباً بالوحدةِ والخسرانِ،‏

فقد أيقظتَ الهاجعَ في القلبِ وصدرِ الصَّحبِ.‏

فإلى أيِّ الحاناتِ سنمضي يا ربُّ؟‏

-اِمْضِ إلى الدّارِ الأُخْرَى‏

دارِ نداماكَ المنذورينَ لليلِ الهَجْرِ‏

تَرَكُوا في صَدْرِ المجلسِ آثارَ الزِّقِّ، وبعضَ الشّعرِ،‏

وأغصانَ الرّيحانِ الذّاوِي،‏

وَمَضوا.‏

فإلى أينَ تَخِبُّ مَطاياهُمْ ويَخبّونَ،‏

وفي أيِّ الحاناتِ سألقاهُمْ،‏

وأَنَا المكسورُ المُوثَقُ بالطّينِ وأوزارِ القلبِ؟!‏

***‏

هَسْهَسَ صَوْتُ الوالدِ في صَحْنِ الدارِ رَضيّاً: يا فَتَّاحُ‏

جاوبهُ صوتُ الجارِ يُلَعْلِعُ: يا رزّاقُ‏

وتناغمَ رَجْعُ المئذنةِ الهاطِلُ،‏

يطرقُ أبوابَ النُّوَّامِ‏

تَفْتَحُ بعضُ الأبوابِ برِفْقٍ‏

يَتَلقّاها البردُ ولَذْعُ المطرِ المجنونِ، فهذا كانونُ‏

يتقلّبُ في الحضنِ الدافئ طفلٌ فَزِعٌ‏

تحضنُهُ الأمُّ مُعَوِّذَةً ومُحَصِّنَةً بالآيات وأسماءِ اللّهِ الحُسْنَى.‏

أَقْبَلْتَ على صَدْرِ الشّارع ظلاًّ‏

يتطوَّحُ تحتَ شبابيكِ السَّحَرِ‏

يتوكأُ جُدراناً مائلةً أوْ تتوكّأُهُ‏

يصدحُ تحتَ الشّباكِ الهاجعِ ما يحفظُ من شعرِ الحبِّ‏

وأخبارِ الغَزَلِ‏

يتداعَى العشقُ على قَدَمَيْ رَبَّتِهِ، وتصيحُ:‏

يا ربَّ العُشّاقِ جَميعاً،‏

أَلْهِمْ هذا الآبِقَ بعضَ العِفَّةِ،‏

واسكبْ في عينيهِ قليلاً من ماءِ الصّبرِ.‏

تَنْصَبُّ عليه اللّعناتُ، من نافذةٍ، لا تهجعُ أبداً،‏

تصرخُ زاجرةً:‏

يا ديكَ الجِنِّ لقدْ أقلقتَ النَّومَ، تَرَحَّلْ عن حارَتِنَا‏

فرجالُ الحيِّ مَغِيظُونَ، وهذا شعرٌ شَبِقٌ،‏

يَنْسلُّ عَمِيقاً،‏

يفضحُ مَكْنُونَ الصّدرِ، ويُوهِي أَسْدافَ العِفَّةِ عندَ الفتياتِ،‏

تُشْعِلُ في الجَسَدِ الغَضِّ النارَ، ولا تَدريْ.‏

-بَلْ أَدْرِيْ‏

أدريْ أنّي أَتَطوّحُ فوقَ الجَمْرِ.‏

-أَقْصِرْ يا ديكَ الجنِّ وغادِرْ..‏

صُعْلوكاً مقطوعَ الجَذْرِ‏

هذي بئْرٌ غادرةُ القَعْرِ‏

صحراءٌ موحشةٌ لا يقطعُها إِنْسٌ أو طَيْرُ.‏

فإلى أيِّ الحاناتِ ستسلُكُ هذا اللّيلَ، وهلْ تقبُلكَ الخَمْرُ؟!‏

وَسْوَسَ في زاوية الشارعِ ضَوْءٌ مَبْهُوتٌ،‏

تَعْتَعَهُ السُّكْرُ،‏

ناداكَ: تَعَجَّلْ‏

فالخَمَّارُ سَيُقْفِلُ بعدَ قليلٍ،‏

والعَسَسُ المُتَرَبِّصُ يصطادُ من الرأسِ خُمارَ الخمرِ .‏

قلتُ: شربتُ ثلاثَ كؤوسٍ، كيفَ يكونُ السُّكْرُ؟‏

-حَدُّ السُّكْرِ ثلاثُ دِنَانٍ صِرْفٌ.‏

-ساكَنْتُ الحانةَ دَهْراً، وسرقْتُ ثيابَ الخَمَّارينَ‏

أَسْلَسْتُ لكفِّ السّاقي رأساً حَرِداً‏

لكنَّ السُّكْرَ ضَنينٌ مُمْتنِعٌ،‏

كيفَ يجيءُ السُّكْرُ؟‏

-لن تعرفَ طَعْمَ السُّكْرِ‏

لن يعرفَ هذا الطّينُ جلالَ الخمرِ‏

دَعْ روحَكَ تشربُ كأساً من خَمْرِ المحبوبِ‏

تُبْحِرْ في النشوةِ حتى فَجْرِ الفَجْرِ‏

***‏

لاحتْ في البُعْدِ مَطَاياهُمْ‏

كانتْ تَتَهادى فوقَ السَّيفِ الفاصِلِ‏

بين الظُّلماتِ وبينَ الفجرِ‏

صاحَ صديقٌ قَلِقُ النَّبْراتِ: تَعَجَّلْ‏

فالرَّكْبُ سيعبرُنَا بعدَ قليلٍ، فاصْعَدْ‏

قلتُ: انْتَظِروا‏

فالدَّرْبُ سَرابٌ‏

والزّادُ هَزِيلٌ، فانْتَظِروا‏

عَلِّي أَخطفُ بعضَ الخُبْزِ وزيتوناتٍ خُضْرٍ.‏

ضَحِكَ العَارِفُ،‏

وامْتَدَّتْ نحوَ الغَيْمِ خُطاه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244