حكاية عشق ممنوع - مظهر الحجّي

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الرِّحْلَةُ الأَخِيرَةُ

-1-‏

لم نبتعدْ عن ليلِ رِحْلَتِنا الأخيرةِ بَعْدُ‏

كانَ القلبُ يلفظُ آخرَ الذِّكرى،‏

وينفضُ ما علاهُ من عَياءِ الدَّربِ،‏

ينفضُ ما تَعلَّقَ في ضُلوعي من مَباهِجِ واحةٍ،‏

كانتْ ترفرفُ في فضاءاتِ المفازاتِ التي تَلِدُ العَرَبْ‏

كانَ الفَضاءُ يضيقُ ثُمَّ يضيقُ مُخْتَنِقاً‏

ويبتدئُ العَطَبْ‏

والقلبُ يُرسِلُ في الظَّلامِ بَريقَ باصرتَيْهِ مُرْتَعِداً‏

ويسقطُ في اللَّهبْ‏

لَهْفَانَ.. يعلمُ أنَّ قافلةً ستنهضُ بعدَ حينٍ‏

أنّ راحلةً ستحملهُ إلى وَجَعٍ جَديدٍ أوْ نَصَبْ‏

مُتهالكاً.. يردُ الطّريقَ إلى الوراءِ مُلَوِّحاً‏

لا النّيلُ ينهضُ للوداعِ ولا الحجازُ ولا حلبْ‏

والرّوحُ في وادي الدَّواسِرِ، تَقْتَفي أَثَرَ المِهَارِ‏

فكيفَ يَدْفَعُني الأَمامُ إلى الأمامِ‏

ولَمْ يُوَدِّعْني النَّخيلُ، ولم يُزوِّدْني الرُّطَبْ؟!‏

-قُلْ إنَّهُ حلمٌ وإنَّ اللّيلَ يقطعُهُ الصباحْ‏

قُلْ إنّهُ وَهْمٌ وإنَّ الماءَ يطفئُ دهشةَ الخمرِ الصُّراحْ‏

قُلْ إنَّهُ....‏

-قَدْ طالَ وَهْمُكَ يا صديقي، واستطالَ الحلمُ‏

وانقرضَ العربْ‏

-2-‏

يا سَيّدي..‏

إنّي ببابي منذُ أَنْ طارتُ طُيورُ الوَجْدِ في فَجريْ،‏

وكانَ الكونُ طَلاَّ‏

ضاعتْ على الحاناتِ أَوْرادي،‏

وغابتْ في الكؤوسِ الزُّرْقِ سُؤلا‏

وتَلَجْلَجَتْ في سُورةِ الوَجَعِ النّبيلِ، ترومُ وَصْلا‏

غامَتْ حروفُ الصّفحةِ الأُولى،‏

وغابتْ في ابتساماتِ السَّرابْ‏

وتضرَّجَتْ بدمِ الدِّنانِ‏

ولم تبحْ سِرَّ الشَّرابْ‏

إنّي قَرَأْتُ وما قرأتُ،‏

فكيفَ ينكشفُ الحِجَابْ‏

بل كيفَ يقرأُ ما كتبتُ‏

وكيفَ يُلْهِمُني الجوابْ‏

وأَنَا ببابي..‏

أقرعُ الزَّمنَ المُحَصَّنَ بالملائكةِ الغِضابْ‏

إنّي انبسطتُ على البساطِ، وطاشَ في الوجدِ الصَّوابْ‏

قَدْ بَلَّلَتْني..‏

بلّلتْ أنفاسيَ الحَرَّى خُمورُكَ،‏

أَيُّها السَّاقي، فَزِدْني‏

زِدْني.. فعلَّ الصَّحْوَ يَذْكُرُني‏

فَأُدْرِكُ بعضَ ما ضَيَّعْتُ.. مِنّي‏

أَوْعَلَّني أَغدو -كما شاءَتْ ليَ الأورادُ- طِفْلا‏

فَرْداً.. يَهيمُ‏

وقَدْ غَدا وَطَناً.. وأَهْلا.‏

-3-‏

لم نبتعدْ عن ليلِ رحلتِنا الأخيرةِ بعدُ‏

كانَ البعضُ يرسمُ في رمالِ الحلمِ خارطةً‏

لتنهضَ في ظِلاَلِ الوقتِ مَمْلَكَةٌ‏

وعَرْشٌ من ظلالِ المِلْحِ يَجْمَعُ تائهَ الأَعْرابِ،‏

في أرضٍ، سَتَجْرِي تحتهم عَسَلاً وَخَمْرا‏

وَطَنٌ تُسَيِّجُهُ الملاحِمُ والزُّنُودُ‏

وَطَنٌ تَتِيهُ على سَواريهِ البُنُودُ.‏

مُسْتَيْقظُونَ..‏

وهذه الأحلامُ تَصْخَبُ في حَنَايانا‏

ويأخذُنا الشُّرودُ‏

نَنْدَاحُ في بَحْرٍ من الشَّوقِ اللَّجوجِ‏

فكمْ نُرِيدُ، ولا نريدُ‏

كَمْ شاعِرٍ..‏

عادَتْ نوارسُهُ إلى الشُّطْآنِ راعفةً، وقدْ عادَ البريدُ،‏

يَدْمَى، وقد ضاعتْ قَصائِدُهُ على رُعْبِ المفاوزِ والشَّواطئ‏

وابتهالاتِ العبيدِ‏

كَمْ عاشقٍ..‏

عادتْ حمائمُهُ مُكَسَّرَةَ القوادِمِ، والدِّمَاءْ‏

صَبَغَتْ بياضَ القلبِ بالفَزَعِ المُدَوّمِ في المسالحِ،‏

والمذابحِ، وارتجافاتِ الدُّعاءْ‏

من أَيِّ فَجٍّ تنفذونَ‏

وهذهِ الأبوابُ مُوْصَدَةٌ، وقَدْ رُهِنَ الهَواءْ؟!‏

مُستيقظونَ..‏

وحالمونَ بعالمٍ أَنْقَى وجَنَّاتٍ وماءْ‏

مستيقظونَ..‏

وحُلْمُنَا المجنونُ يلهثُ في انفجاراتِ الطّفولةِ والصَّخَبْ‏

تَعْلُوا مدائنُهُ على مِلْحِ الرَّغائبِ، ثُمَّ تعلَو،‏

ثم تسقطُ في مُحيطِ الصَّدْمَةِ الأُولى،‏

ويوقِظُهُ الخَرابْ‏

فَبَيارِقُ الوطنِ المُمَزَّقِ تملأُ الأفقَ المُوَشَّى‏

بالإماراتِ الصَّغيرةِ والممالكِ والسَّرابْ‏

في مِصْرَ مَمْلَكَةٌ، وفي تَطْوانَ عاشِرَةٌ، وأُخْرَى في حَلَبْ‏

وَطَنٌ.. يسوقُ به الدَّليلُ إلى العَطَبْ‏

يَحْدُو بهِ أَعْمَى البصيرةِ في دروبٍ من لَهَبْ‏

وَطَنٌ تُطَرِّزُهُ الممالكُ والبيارقُ والنّياشينُ الكبيرةُ،‏

والخُصوماتُ الخطيرةُ، وانتصاراتُ البَيادِقِ أَوْ هزائِمُها‏

على ماءٍ وَمَرْعَى،‏

أَوْ حَقْلِ قمحٍ داهمتْهُ الرِّيحُ والغَنَمُ العَدُوُّ‏

فَسَعَّرُوا غَضَبَ "الشبَّابْ"‏

وهناكَ في القُدْسِ الجديدةِ،‏

يَرْقُبُ "المختارُ" فَوْرَتَهُمْ‏

ويُؤلِمُ للسِّفاراتِ التي وَفَدَتْ على عَجَلٍ‏

ويَصْطلحُ "الصِّحابْ".‏

-4-‏

لم نَسْتَفِقْ‏

مِنْ دهشةِ العشقِ القديمِ، ولم يَثُبْ‏

قلبٌ توزَّعُ بينَ أوهامِ المواعيدِ العطاشِ، ولم يَتُبْ‏

عن حبِّ زاهرةِ العُيونِ، ولم تَؤُبْ‏

من رحلةِ الوَجَعِ المُدَوِّمِ في سَماواتِ العَتَبْ‏

هي قُبْلَةٌ أولى، وطفلٌ ليسَ يَنْسى‏

لَذْعَ الحليبِ على الشّفاهِ البِكْرِ، أَمْسَى‏

وَشْماً من الوَجَعِ الشَّفيفِ،‏

على يسارِ الصَّدرِ، يَأْسَى‏

هي وَعْلَةٌ أُولى، وخيطُ النّارِ يَسْرِي في ظُنوني‏

أو يَنْبُتُ الخَدَرُ الحنونُ على مُحِيطِ الصَّدْرِ‏

يَطوي صفحةَ الزَّمنِ الطَّروبِ‏

ليبدأَ الزّمنُ المُدَوَّنُ بالجنونِ‏

هو مارِدٌ‏

غابتْ مَعَ الأحلامِ أُنثاهُ فغابَ بألفِ أُنثى‏

مُتَدَثِّراً بِغُلالَةِ الشِّعْرِ المُعَرْبِدِ وانفجاراتِ المُجونِ‏

مُتَرَبِّصاً بَعِبيرِهِنَّ على المَعَابِرِ والنَّوافِذِ‏

يَنتهي مِزَقاً‏

وأَجْمَعُ ما تَبَدَّدَ منهُ في وَجَلِ العُيونِ‏

لكنّ خيطَ النارِ يَخْنُقُهُ، فما زالَ الفؤادْ‏

يَهْفُوا إلى الأُنْثَى، إلى لَذْع الحليبْ‏

هي وَعْلَةٌ أَوْ لَدْغَةٌ أُولى‏

وآخرُ ما سَيَكْتُبُهُ على بابِ المدينةِ‏

آخرُ ما سَيُنْشِدُهُ، ويدخلُ في المغيبْ‏

-5-‏

لم نبتعدْ‏

عن ليلِ رحلتِنا الأخيرةِ، بعدُ، يا أبتاهُ،‏

والأطفالُ ما زالوا بقاعِ الجُبِّ‏

ينتظرونَ سيّاراتِ من يَأْتي لينْشُلَهُمْ‏

ويُسْلِمَهُمْ إلى ربٍّ جَديدٍ‏

لا إخوةٌ يتدافعونَ إليكَ بالكذبِ المُخَاتِلِ‏

لا قميصَ يردُّ فيكَ الرُّوحَ والبَصَرَ المُرَدَّدَ‏

بينَ أبوابِ العواصمِ،‏

والدّروبِ إلى مَزاداتِ السِّياسةِ والنخاسهْ‏

ودليلُنا أَعْمَى‏

يَجُرُّ جماعةَ العُميانِ نحوَ الهاويهْ‏

يَتَوكّأونَ على مَزاعِمِهِ فيندفعونَ قطعاناً،‏

وتبتسمُ المراثي‏

فمتى تكونُ القَاضِيَهْ.؟!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244