حكاية عشق ممنوع - مظهر الحجّي

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مَأْسَاةُ الطِّينِ

في اليومِ السَّابعْ‏

وصلتْ بغدادُ إلى الحَضْرَةِ زائغَةَ العَيْنَيْنِ‏

وكانَتْ مُتَوَجّسَةً‏

كانَ الوقتُ يُدافِعُ أُولى أسدافِ اللَّيلِ‏

أَوْ بعدَ زوالِ أَواخِرِ أَنْوارِ اليومِ المَصْعُوقِ‏

وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ(1) يهلُّ مَهِيبا‏

يَتَصَّدرُ مَجْلِسَهُ‏

يسندُ في أَصْلِ السَّاريةِ الوُسْطَى‏

رأساً يتعمَّمُ "بالحكمةِ والموعظةِ الحَسَنَهْ"‏

يتزمَّلُ بالحرفِ المتودّدِ والإيمانِ‏

يبحثُ في بعضِ أحاديثِ "رسولِ اللّهِ" يناظرُ في "الشُّورَى"‏

و"الناسُ سَواسِيَةٌ"‏

يستشهدُ بالمُحْكَمِ من آياتِ القُرآنِ‏

كان بَليغاً‏

يفتحُ في العقلِ الهاجعِ أبواباً مُغْلَقَةً‏

يوقظُ ذاكَ الإنسانَ النائمَ في جسدِ الإنسانْ‏

-أَمُريدٌ أَمْ مُرتابٌ‏

ذاكَ المُنْتَبذُ في أَقْصَى ساريةٍ في مَسْجدِنَا‏

يا بْنَ عَطاءٍ(2)..‏

فيمَ اعتزلَ الطالبُ مَجلسنا؟‏

-ذاكَ لأنَّ الطالبَ أَضْحى مَطْلوبا‏

يُبحرُ في مَلَكُوتِ العقل المسكون بأضدادٍ مُتَواشجةٍ‏

تَتَماهى فيه الدَّهْشَةُ بالحَيْرَةِ‏

والوَجَعِ المتوفِّزِ في خاصرةِ الرّوحِ‏

فيغدو فوقَ جَبينِ العَصرِ الفَوَّارِ وحيداً... مَصلوبا‏

تَتْركُ فيه حواراتُ النّدمانِ حُروقاً وَالِغَةً ونُدوبا‏

يسألُ زاويةَ الحانةِ عن رُكْنٍ مَنْذُورٍ للعَتْمَةِ والنسيانِ‏

كرسيٍّ تنزلقُ الأضواءُ بعيداً عنهُ‏

ولا تجدُ الأضدادُ إليه دروبا.‏

-يا بْنَ عطاءٍ.. أَفْصِحْ‏

إنّ تقاريرَ البصَّاصينَ تناهَتْ في الحيرةِ والبهتانِ‏

جَمَعَتْ أحزابَ الأرضِ بشخصٍ مَسحورٍ‏

تَتَلَبَّسُهُ الأفكارُ وَمَسُّ الشّيطانِ وطُهْرُ الأديانِ‏

يا بْنَ عَطَاءٍ.. أفصحْ بعضَ الإفصاحِ،‏

فإنّ النصَّ تقاربُهُ تأويلاتٌ متعدّدةٌ،‏

أَوْ يُرْهِقُهُ التَّفْسيرُ وتفسيرُ التّفسيرِ،‏

فَمَنْ أنتَ؟!‏

صُوفِيٌّ يسكنُ زاويةَ الوقتِ،‏

يُرَتِّلُ أورادَ الأزمانِ المَيْتَةِ،‏

يَهْجَعُ في ذُلِّ سكينتهِ الأزليّهْ؟‏

أَمْ بَدَوِيٌّ مِمَّنْ رفضُوا رفعَ كتابِ اللّهِ على رُمْحٍ‏

خَرجوا سَيْفاً يعلنُ تعطيلَ الوقتِ وخَلْعَ الأوثانِ؟‏

رَفَضُوا أَنْ يحكمَ إنسانٌ بدماءِ أخيهِ الإنسانِ‏

أَمْ زنديقٌ طاردَهُ المهديُّ زماناً‏

فَتَخَفَّى في الحاناتِ وأخيلةِ الشِّعْرِ،‏

وأوراقِ الكُتُبِ المنسيّةِ في أسواقِ الورَّاقينَ ببغدادَ،‏

وها أنتَ الآنَ تُنَفِّضُ عن كتفيكَ المجلودينِ غبارَ التُّهمةِ،‏

تَخْرُجُ من مخطوطاتِ التّاريخِ لتعلنَ أنَّكَ رأسُ الإيمانِ‏

لكنَّ الحرّيةَ تَسْتَهويكَ كثيراً‏

والخمرةَ والأُنثى ومناكدةَ السّجَّانِ. .‏

يابْنَ عَطَاءٍ..‏

إنَّ الوقتَ تغيّرَ‏

أينَ سَتُخفي هذا القلقَ المتوفِّزَ في عينيكَ غزالاتٍ نافرةً؟‏

لن تنجوَ في هذا الزّمنِ المُتَلَوِّنِ بالبصّاصينَ وعُشَّاقِ الحُظْوَةِ،‏

وابنِ نَهِيكٍ(3)، فالسُّلطانُ هو السلطانُ‏

أَوَ ما زلتَ تقولُ بخلقِ القرآنِ؟‏

ما زلتَ تقولُ بأنَّ العقلَ هو الرّبّانُ؟‏

أَبْشِرْ بالسَّيْفِ ونِطْعٍ ظَمْآنٍ‏

أَمْ قلتَ بأنَّكَ تؤمنُ أنَّ القرآنَ كلامُ اللّهِ الدهريُّ‏

وتؤمنُ بالسّلفِ الصّالحِ والإنجيلِ وصمتِ الرُّهبانِ؟‏

كيفَ تجاورَ فيكَ الصُّوفيُّ معَ ابنِ الأزرقِ(4) والزِّنديقِ‏

وداعيةِ القوميّينَ ومُتَّهمٍ بالسلفيّةِ والفَوْضَى‏

ومناهَضَةِ التَّطبيعِ وتُجّارِ السّوقِ الأَوْسَطْ؟!‏

كيفَ تجاورتِ الأضدادُ جميعاً؟!‏

لا ينجيكَ الإعلانُ‏

وتبقى فوقَ صليبِ الوقتِ‏

يُطَوِّحُكَ السلطانُ كما يَهوى‏

بينَ سياطِ الكُفْرِ وشَهْدِ الإيمانِ‏

***‏

يا ربَّ الأربابِ أَلاَ بابٌ أطرقُهُ؟‏

هذا الوقتُ يمرُّ، وهذي الأرضُ جهاتٌ فاغِرَةٌ‏

تغتالُ الأحبابَ، وهذا عبدُكَ عُرْيَانٌ‏

فوقَ صليبِ الوقتِ،‏

فكيفَ يكونُ الغفرانُ؟؟‏

يا خَمّارُ إِلَيَّ ببعضِ التِّرْياقِ‏

فإنَّ أَفاعي الأَضْدادِ الملعونةِ تنهشُ رَأْسِي‏

يا خمّارُ إليَّ بِفَيْضٍ من خَمْرَتِكَ المنذورةِ للأحزانِ‏

جرّبْ دَنّاً آخرَ، عَلَّ الخمرةَ تُغوي الأضدادَ ببعضِ الصَّحوِ‏

جرّبْ آخرَ دَنٍّ في قاعِ الأقبيةِ الدَّهْرِيَّةِ!!‏

يا ربَّ الحانةِ...‏

هذي الخمرةُ مَحْضُ صُرَاحٍ من ماءِ الواحاتِ الساكنةِ‏

غِشٌّ لا يعرفُ معصرةً أو كرماً‏

وَهْمٌ.. لا يفعلُ في الرّأسِ كفعلِ الخمرِ ولا يجلبُ سُكْرا‏

أينَ النّشوةُ فالهَذَيانُ وبعضٌ مِمَّا يُبْدِعُهُ السّكرانُ الماجِنُ‏

في طرقاتِ الحيِّ الهاجِعِ،‏

أينَ العربدةُ المجنونةُ، أينَ الدّيكُ المسكونُ بعشقِ الخلقِ‏

يتفطّرُ شعراً مفجوعاً أو مَمنوعا‏

بَلْ.. أينَ الراحةُ والنسيانُ؟!‏

هذا الصَّحْوُ الأَخْرَقُ ما زالَ يُؤَجِّجُ نارَ الأضدادِ‏

وأفكاراً تَتْرى .‏

-يا صاحبَ هذا الرأسِ المُثْقَل بالأضدادِ تَرَحَّلْ عن حانَتِنا‏

وابحثْ عن خمركَ في حاناتٍ أُخرى‏

خُذْ عَقْلَكَ وارحلْ‏

إنَّ وباءَ الأضدادِ خطيرٌ‏

لا تُحدثْ في النّاسِ خُروقاً لا تَرْقَعُها خمرةُ هذي الدُّنيا‏

فالحانةُ عامرةٌ‏

والنّاسُ هُمومٌ سَكْرَى .‏

-آهِ.. ندامايَ على أطرافِ البُستانِ يذوبونَ حَنيناً‏

وأنا في قلبِ البُستانِ‏

لكنّي مَمنوعٌ مِنْ أَنْ أَدْنُوَ من زهوِ الأغصانِ‏

محرومٌ أنْ ألمسَ نارَ التّوتِ البريِّ وياقوتَ الرمّانِ‏

يا بنَ عَطاءٍ..‏

كيفَ تسيلُ نفوسُ الأصحابِ على حَدِّ الطّرقاتِ،‏

تصيرُ الغُربةُ دارا‏

بَلْ كيفَ يكونُ البستانُ أمامَ العينِ، قريباً،‏

وبعيداً كبلادِ "الْواقِ الْواقِ" مَزارا؟‏

يا صاحبَ هذي الحانةِ..‏

هل عندكَ خمرٌ تأتيني بالأحبابِ قليلاً‏

إنَّ الليلَ طويلٌ ومخيفٌ‏

والوحشةُ تُطْبِقُ فوقَ الصّدرِ جداراً من لهبٍ‏

أتلفّتُ حَولي..‏

أغمزُ للطّينِ بعينٍ مستوحشةٍ‏

لكنَّ الطّينَ يُكِبُّ على الخمرِ بصمتِ الأمواتِ‏

وأمدُّ لِسَاني‏

أَعْبَثُ بالبعضِ لعلّي آنسُ فيهِ قليلاً من أَرَقِ الرُّوحِ‏

يَزْوَرُّ بَعيداً‏

يَنْتَبِذُ النّاسَ إلى أَقْصَى الحانةِ ذِئباً مَشْدُوهاً‏

قد ماتَ بداخلهِ الإنسانُ‏

تنداحُ الرّوحُ بعيداً،‏

في هذا الصَّمتِ المَسْكُونِ بآلافِ الغِيلانِ‏

تبحثُ عن بعضِ الأُنْسِ المتألّهِ في الأنثى والإنسانِ.‏

ناديتُ بصوتٍ هَدَّجَةُ الوجدُ:‏

يا ربَّ الحانةِ..‏

أشتاقُ إلى مَنْ أَشْتُمُهُ أَوْ يَشْتُمني‏

مَنْ أَرْجُمه أَوْ يَرْجُمُني‏

فاسكبْ يا خَمّارُ بكأسيَ بعضَ الخمرِ‏

لعلَّ الأحبابَ يجيئونَ قليلاً‏

أَوْ يحملني الوَهْمُ إلى حيثُ ندامايَ يَهيمونَ بلا عُنوان‏

***‏

يا بْنَ عطاءٍ..‏

تحتَ القَوْسِ الثّالثِ من قُبَّتكمْ‏

يَرْكَعُ مُتَّهمُ أَعْمَى‏

مَأْخُوذٌ بالكُفْرِ وإنْشادِ الشّعرِ‏

وبكاءِ نَداماهُ المنذورينَ لسيفِ الغَيْبِ‏

يشربُ في تَلَفِ الأحبابِ وآثارِ الصَّحبِ‏

يشربُ.. يشربُ.. حتى تُوردُه الخمرُ صباحَ الوردِ‏

وتَهيم سفينتُهُ خلفَ الأحبابِ بآلافِ الخلجانِ .‏

-يا هذا الأَعْمى..‏

كيفَ تقولُ الشّعرَ بلا إِذْنٍ..؟!‏

بل كيفَ تقولُ بأنَّ الخَلاّقَ تَماهى في المخلوقِ‏

وأنَّ اللَّذةَ في الخمرةِ والمرأةِ دَيْدَنُكَ الأَسْمَى‏

وتُجاهِرُ بالإثْمِ صَباحَ مَسَاءَ ولا تَخْشَى عَسَساً‏

أو تقريراً يرفعُهُ البَصَّاصُ السَّاهِرُ في عينِ السُّلطانِ؟‏

يا هذا المُتَّهَمُ الأَعْمَى‏

اِلْهَجْ باللَّذّةِ ما عشْتَ‏

وانْظُمْ ما شِئْتَ من الأَشعارِ‏

ولكنْ.. لا تَلْهَجْ بالعَقْلِ جَهاراً‏

إنّا لا نَسْمَحُ أَنْ تَصِلَ العَدْوى‏

أَوْ تَسْرِي في الهاجعِ مِنْ هذي القطعانِ‏

***‏

يا بَنْ عَطَاءٍ..‏

هذا الحلاّجُ(5) على أعلى قوسٍ في قُبَّتِهِ‏

يستفتحُ في أطباقِ الليلِ الخانِقِ كُوَّةَ عشقٍ‏

يطلقُ فوقَ صليبِ السُّلطانِ يَماماتٍ الرّوحِ،‏

ويضحَكُ، يضحكُ حتّى يفَنى الطّينُ المتهتّكُ‏

فوقَ حرابِ الجُنْدِ المذعورينَ‏

يضحكُ من خوفِ السّلطانِ من الطّينِ‏

يتربَّعُ فوقَ القُبَّةِ مَحْزُونَ القلبِ‏

يَأْسَى للذئبِ الهائجِ في ثوبِ السُّلطانِ المسكينِ‏

-اِنْهَشْ ما شئتَ من الحملانِ،‏

فإنّك لا تنهشُ إلا الطيّنَ‏

لَنْ تَصِلَ الأنيابُ يَماماتِ الرُّوحِ‏

وَيَبْقَى الذّئبُ المسعورُ‏

أسيرَ الطّينِ‏

الحواشي:‏

1-الحسن البصري: إمام البصرة في العصر الأموي.‏

2-واصل بن عطاء: رأس المعتزلة.‏

3-ابن نهيك: متولّي ملاحقة الزنادقة زمن الخليفة المهديّ‏

4-نافع بن الأزرق: رأس فرقة الأزراقة من الخوارج.‏

5-الحسين بن منصور: قُتل صلبا عام 309هـ.‏

+++‏

" كتبت قصائد هذه المجموعة بين عامي 1989-1996م"‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244