عذابات يوسف بن محمد - اسماعيل الوريث

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الآن أكتب للبلاد قصيدتي

وتعود تشغلني القصيدة بعد عام أو يزيد‏

وتعود تشغلني وتطرق غربتي‏

وتمد من حولي الشباك‏

وأحاول الهرب الفرار،‏

وأدس رأسي في الظلام‏

وأمزق الكلمات في حلقي وأتركها شظايا‏

وتعود تشغلني‏

تمد جناحها حلماً يرف على جفوني.‏

شوقاً يدغدع ماتبقى في الفؤاد من البقايا‏

سراً تبوح به الحروف المستكنة في دمي‏

الآن تحضرني القصيدة‏

ترتدي تعبي‏

وتكتب نفسها حرفاً فحرفا‏

الآن تشغلني وتلمع كالحريق‏

وتقيم للشعراء مأتمهم‏

وللشعر "الرقيق"‏

ماذا تبقى لي من الكلمات حتى أكتب الشعر المصفى‏

فأهّدم الشعر المقفى‏

شعر البلاطات الهزيل‏

وأهدم الشعر المذبذب في القديم وفي الجديد‏

شعر السماسرة العبيد‏

الآن تحضرني القصيدة والعناد‏

فأفك أسر قصيدتي‏

وأفك أسري‏

وأقوم كالعنقاء من بين الرماد‏

لا خوف جلادي يكممني‏

ولا شوك... البلاد..‏

فليحن قامته الملك‏

أن كان يملك قامة‏

وليحن قامته "المديح"‏

وليحن قامته الموظف في البلاط‏

ليقول شعراً في مناسبة تجيء‏

ويقول شعراً في مناسبة تمر‏

فالعيش مر‏

وأمام شعري فلتخر رواكعاً‏

أشعار كل الراكعين‏

هل أجدبت دنيا الشعور؟‏

هل ضاق بالقول القوافي؟‏

هل تَجَّمّدت البحور؟‏

هل أخْفَت الأرض الربيع‏

هل غادر الحب الحياة‏

هل أيقن الشعراء أن جباههم خلقت لتركع للطغاة‏

ويمر طيف للذي قد كان مني‏

من باع مهجته‏

وكل صباه‏

والذكرى‏

وكل الأصدقاء..‏

وغدا جحيماً لا تطاق‏

زقاً مليئاً بالنفاق‏

قد كان مني‏

يحمل البسطاء في قلب نقي كالصباح‏

ويمجد الفقراء‏

يرمح مهره فوق الجبال‏

قد كان يرفض أن تباع الأرض‏

أن تضحى القصيدة مدحة‏

وتكون نعلاً في النعال‏

وطن جريح‏

وغمامة سوداء رابضة‏

على قلب " الذبيح"‏

من خاتم الشعراء‏

تسألني القصيدة‏

ذلك الوغد القبيح؟‏

من باع وجهته‏

وحلم الكادحين‏

وغدا يطبل للجنود‏

ويشب نار الحرب بين القريتين‏

ومضى ينادي أن تكون بلادنا شيعاً‏

وتغدو محنة الوطن المجزء محنتين‏

فلتحن قامتها الوزارة‏

أن أكون أنا‏

فإني أعظم الأمراء جاهاً‏

سيد الوزاء قاطبة‏

ويكفيني بأني شاعر‏

يكفي طموحي‏

أن تكون قصائدي للأرض‏

للوطن الممزق‏

لليقين‏

ويحب... إسماعيل ... صحراء البداية،‏

يشتوي بالجوع في الوطن الغريب،‏

يموت حباً في انبثاق الماء‏

هذي " زمزم"‏

لا لن تكون لشاعر باع الهوى في السوق‏

لن تضحي لمن باع " القصيدة" في المزاد‏

ويُحبُّ " إسماعيل" هذا الهجر‏

فالأشجار تزهر في قصائده‏

تطول الشمس‏

ويحب " إسماعيل " موطنه‏

فيكتب شعره للغد‏

يرفض أن يكون مهرجاً للأمس‏

وإسماعيل ماباع القصائد مرة في السوق‏

ولم يبع الهوى بفتات خبز القصر‏

وإسماعيل يبني كعبة الميلاد...‏

الآن " إسماعيل" يبني بيته الشعري،‏

يبحث عن قصيدته،‏

يفتش عن حروف لم تقع في قبضة النخاس‏

تشغله الحروف النازحات من الكلام الرخو‏

يقبض في يديه الشعر‏

تنهمر الحروف إلى يديه قوافلاً‏

لكنه مازال يبحث عن قصيدته‏

يفتش في المفاوز عن كلام فيه معنى الماء‏

الآن تحضرني القصيدة‏

كيف أكتبها وإيقاع الزمان مشرخ النغمات‏

والبحر " الجديد" مطارد‏

وقصائد البحر الطويل تقيم أعراس الشتاء‏

مالي أحن إذا كتبت قصيدة‏

لقصيدة أخرى‏

فيتبعني الترحل والحنين‏

فأعود أحمل صرختي‏

وأعود للسفر الحزين‏

عدن تناديني‏

وصنعاء المهشمة الجبين‏

تطوي جراحي في حواريها‏

وتخفي وجهي الباكي‏

وتنسى عشقها " أم البنين"‏

عدن وأين البحر أغسل في شواطئه استلابي‏

استل من أمواجه صفوي‏

ومن فمة أذوق ملوحة الوطن الخراب‏

ابني بحد نهاره بيتي فيهدم مده تعبي‏

وأعود ثانية فأبني‏

واشب ناري في الأماسي‏

ومع النجوم تشع بالأسرار‏

يصرعني شرابي‏

عدن وصنعاء التي أكلت شبابي‏

ومضت توزعني على الأيام لحناً غائر النغمات‏

مشروخ الرباب‏

هل ضيعت قلبي السنون أم انني ضيعت قلبي‏

هل كان لي شعب هنا‏

أم أنني ضيعت شعبي‏

يامن يعيد لي ابتهاجي‏

ويعيد للوطن التوحد‏

خذ لأجلك نصف عمري‏

أو خذ هنيئاً كل عمري‏

لحبيبتين دمي وعطري‏

أرقي وشعري‏

لحبيبتين هما البلاد‏

أقمت أقواسي ونصري‏

ورحلت في صدريهما‏

ويشققان عظام صدري‏

الآن تحضرين القصيدة‏

كيف أكتبها؟‏

وشيطاني الذي افتعل الخصام‏

قد عاد‏

أسلمني مقاليد القصيدة والنظام‏

الآن أحفر ... زمزماً... أخرى وأبني بالكلام‏

مدناً جميلات‏

وأسقي زرع أرض حوصرت بالرمل‏

إسماعيل يبني بيته الشعري‏

منتشياً بوهم‏

قد يكون نبوءة‏

الآن تزهر في صحارى القلب اشجار الغرام‏

ويغيب إبراهيم مبتعداً عن الصحراء‏

مشغولاً بزوجته‏

وأمك هاجر مقطوعة الأثداء‏

وأورثت النبوءة‏

تعطب ألسن الشعراء إن كذبوا‏

وهذا العصر تزدهر النخاسة فيه‏

كم من شاعر باع الضمير بنصف ألف‏

كم من شاعر باع الضمير الألف‏

والوطن العزيز مشتت‏

وموائد الشعراء ، تحفل بالقمامة والرياء‏

وكما يحط النسر في القمم العصية‏

ترفض العيش المذلل والسكون‏

ويجلل البؤس المضاعف والشجون‏

زمناً تعيش به وأرضاً‏

لكن‏

لأنك لا تقيس العمر باللحظات والزمن البليد‏

تتحمل الشكوى وترضى‏

هل يعرف المسخ الذي قد سخر الشعر الحديث‏

لمدح سلطان الخليج‏

عبداً لعداهُ الإنجليز‏

إن الجزيرة للعرب‏

وبأن شيخاً أو أمير‏

ليسا سوى ماضٍ غرب‏

وبأن حلم الكادحين‏

يرف في وجه السحب‏

من خان أوطان القصيدة‏

خان أمته وشعبه‏

من باعها بالمال‏

باع فؤاده‏

وأهان قلبه‏

الآن تحضرني القصيدة‏

لن أبيع الأصدقاء‏

والشعر ليس قصائداً كتبت لمدح أو رثاء‏

الشعر أشجار وماء‏

وطن يحن إلى الخلاص‏

حرف يضيء دجى الحياة‏

الآن أحفر زمزماً أخرى‏

وأزرع في الصحارى قامتي‏

وأمام طغيان الملك‏

وعبيده الخصيان أبني بيتي الشعري‏

أكتب للبلاد قصيدتي‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244