|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 03:49 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
نوعان من الحلم من براثن الزمن الأملس كواجهة الليل من غبار الأمكنة المتداعية في ذاكرة الموتى التقط الآن خيطاً رفيعاً خيطاً رفيعاً من الحلم دعيني أيتها اللحظات أسحب هذا الخيط دعيني أنتقل خطوة خطوة في زمني المفقود *** وفي المدينة المدججة بالمساجد والصلوات والمحاطة بالقبور والكآبة والمحروسة من هجمات الثعابين والأوبئة والزلزال بتراب (عماد الدين) المقدس صرخ الذبيح إسماعيل وانتشر الفرح في دار " الباولات" العتيدة حيث زغردت النساء وفاحت رائحة الخبز ذلك كان يوم مولدي لا أتذكر الأيام الأولى من ذلك الحدث المريع لكن أذّنيَّ مملوءتان من قصص العجائز النسوة اللواتي أمحت ملامحهن عن عيني فلقد تكفل الزمن منذ القديم بأن يمحو كل شيء وكانت طفولتي بائسة كالمدينة التي صرخت بها أول مرة *** ولأن الشاعر يولد شاعراً فلقد أحسست الغربة منذ البداية بين السابعة والعاشرة كان التساؤل المخيف، يطرح نفسه، كنت أحلم في المنام بأني معلق بين السماء والأرض كانت السماء مجوفة وعميقة إلى الأعلى وكانت الأرض مجوفة وعميقة إلى الأسفل، وكنت طفلاً صغيراً معلقاً بين السماء والأرض في ذلك الزمن وكنت ساهماً قرب ضريح بمسجد مربي الأمير محاطاً بعبيد كالمرده كان وجهه أبيضَ منعماً وكان فضل عمامته الزاهية يتأرجح بين عنقه وصدره. وكانت وجوه عبيده لامعة كالطلاء الأسود وصفعت ذيول ثوب الأمير الحريرية المرزكشة وجهي وصرخت من الرعب ملتصقاً بالضريح فلأل مرة أرى أميراً مرأى العين ولأول مرة أرى عبيداً في غاية الطول والقبح ولذلك فأنا لا أحب حتى الآن مواكب الملوك ولا أحب عبيد الملوك وأرتعب حين أرى ملكاً مرأى العين وفي ذلك الزمن كان بيتنا مسرحاً للموت وكان يخرج روايته الدامية يوماً بعد يوم وكنت الطفل الوحيد الذي تركه للمرض نيابة عنه كنت أهرب منه في كل نكسة شوقاً إلى الحياة فلكم شاهدت أخوتي ينتفضون جزعاً بين يديه ويغلقون أعينهم المثقلة بالحنين وظللت طويلاً أشاهده يسرح ويمرح في ليالينا القاسية البرودة وظل ينهش صدر أمي الصغير حتى النهاية *** كان التمرد في دمي وأنا " الوريث" الثاني في قائمة العشق حتى ذلك الحين كان صوته مازال ذا صدى في مساجد تلك المدينة الترابية اللون في شوارعها المعبدة بالفقر في ساحات حواريها المحاصرة بالإفك في مسامع أهلها المتوزعين بين السنة والشيعة كان الناس ممتلئين بماكان يقوله السيد (الوريث). وكنت أنتشي بأقوال (الوريث) الأول وكنت ولا زلت أخشى أن أموت موتته الفجائية ولذلك لا أحضر مائدة يدعو إليها السلطان ولا أثق بطبيب يشتغل في بلاط الملك. *** وشبعني أبي بالثورة والتمرد وكان أبي بطلاً مغامراً صفعه الإمام حتى افتك حزام وسطه ورغم صفعات الزمان التي لاقاها أبي إلا أن صفعة الإمام لا زالت توجعه ولازال يلعنه حتى هذه اللحظة وأبي شاعر ومريد للثورة كان نبياً يعرف كيف تجيء ومتى تحدث أذكر حين التمعت في الأفق كيف انبسط وجهه وجاء إلينا في (المكتب) يحمدها ويشي بخطاها كان جسدي يقشعر افتتاناً بأغاني الثورة والنصر ولأنني كنت صغيراً ، نحيفاً جداً ولا أستطيع حمل نصف بندقية، فقد اكتفيت بتشجيع الرجال المجندين في مدينتنا كانت ملابسهم الكاكية تبعث الزهو في النفس وحتى هذه الليلة حين أتذكر شهيداً كان في الحرس الوطني جندياً أتذكر مصارع الملوك وأتمنى أن أصرخ وأصرخ وأصرخ فلربما يصل صراخي لبعض الآذان إنما يظل "الحرس الوطني" نبضاً في دمي وغرساً ثورياً في عروقي وقصائد أكتبها للمستقبل حين شاهدت حلم الجياع أمامي يكبر ولم تعد الحبال المعلقة تظهر لي في النوم وفي الصحو كنت أشاهدها ملتفة في أعناق الطغاة كنت شاعراً في الطفولة وكما أنا اليوم لا أرضى المشانق لشعبي وأقيمها للملك وعبيد الملك وليست أسطورة ماقلت فمنذ قيام الثورة لم أعد أحلم بحبال معلقة ومن يومها نمت أحلم بالحرية والرغيف وسأظل أحلم بالحرية والرغيف وإلا فلماذا جاءت الثورة |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |