عذابات يوسف بن محمد - اسماعيل الوريث

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نوعان من الحلم

من براثن الزمن الأملس كواجهة الليل‏

من غبار الأمكنة المتداعية في ذاكرة الموتى‏

التقط الآن خيطاً رفيعاً‏

خيطاً رفيعاً من الحلم‏

دعيني أيتها اللحظات أسحب هذا الخيط‏

دعيني أنتقل خطوة خطوة في زمني المفقود‏

***‏

وفي المدينة المدججة بالمساجد والصلوات‏

والمحاطة بالقبور والكآبة‏

والمحروسة من هجمات الثعابين والأوبئة والزلزال‏

بتراب (عماد الدين) المقدس‏

صرخ الذبيح إسماعيل‏

وانتشر الفرح في دار " الباولات" العتيدة‏

حيث زغردت النساء‏

وفاحت رائحة الخبز‏

ذلك كان يوم مولدي‏

لا أتذكر الأيام الأولى من ذلك الحدث المريع‏

لكن أذّنيَّ مملوءتان من قصص العجائز‏

النسوة اللواتي أمحت ملامحهن عن عيني‏

فلقد تكفل الزمن منذ القديم‏

بأن يمحو كل شيء‏

وكانت طفولتي بائسة‏

كالمدينة التي صرخت بها أول مرة‏

***‏

ولأن الشاعر يولد شاعراً‏

فلقد أحسست الغربة منذ البداية‏

بين السابعة والعاشرة كان التساؤل المخيف، يطرح نفسه،‏

كنت أحلم في المنام بأني معلق بين السماء والأرض‏

كانت السماء مجوفة وعميقة إلى الأعلى‏

وكانت الأرض مجوفة وعميقة إلى الأسفل،‏

وكنت طفلاً صغيراً معلقاً بين السماء والأرض‏

في ذلك الزمن‏

وكنت ساهماً قرب ضريح بمسجد‏

مربي الأمير محاطاً بعبيد كالمرده‏

كان وجهه أبيضَ منعماً‏

وكان فضل عمامته الزاهية يتأرجح بين عنقه وصدره.‏

وكانت وجوه عبيده لامعة كالطلاء الأسود‏

وصفعت ذيول ثوب الأمير الحريرية المرزكشة وجهي‏

وصرخت من الرعب ملتصقاً بالضريح‏

فلأل مرة أرى أميراً مرأى العين‏

ولأول مرة أرى عبيداً في غاية الطول والقبح‏

ولذلك فأنا لا أحب حتى الآن مواكب الملوك‏

ولا أحب عبيد الملوك‏

وأرتعب حين أرى ملكاً مرأى العين‏

وفي ذلك الزمن‏

كان بيتنا مسرحاً للموت‏

وكان يخرج روايته الدامية يوماً بعد يوم‏

وكنت الطفل الوحيد الذي تركه للمرض نيابة عنه‏

كنت أهرب منه في كل نكسة شوقاً إلى الحياة‏

فلكم شاهدت أخوتي ينتفضون جزعاً بين يديه‏

ويغلقون أعينهم المثقلة بالحنين‏

وظللت طويلاً أشاهده يسرح ويمرح‏

في ليالينا القاسية البرودة‏

وظل ينهش صدر أمي الصغير حتى النهاية‏

***‏

كان التمرد في دمي‏

وأنا " الوريث" الثاني في قائمة العشق‏

حتى ذلك الحين كان صوته مازال ذا صدى‏

في مساجد تلك المدينة الترابية اللون‏

في شوارعها المعبدة بالفقر‏

في ساحات حواريها المحاصرة بالإفك في مسامع أهلها‏

المتوزعين بين السنة والشيعة‏

كان الناس ممتلئين بماكان يقوله السيد (الوريث).‏

وكنت أنتشي بأقوال (الوريث) الأول‏

وكنت ولا زلت أخشى أن أموت موتته الفجائية‏

ولذلك لا أحضر مائدة يدعو إليها السلطان‏

ولا أثق بطبيب يشتغل في بلاط الملك.‏

***‏

وشبعني أبي بالثورة والتمرد‏

وكان أبي بطلاً مغامراً‏

صفعه الإمام حتى افتك حزام وسطه‏

ورغم صفعات الزمان التي لاقاها أبي‏

إلا أن صفعة الإمام لا زالت توجعه‏

ولازال يلعنه حتى هذه اللحظة‏

وأبي شاعر ومريد للثورة‏

كان نبياً يعرف كيف تجيء ومتى تحدث‏

أذكر حين التمعت في الأفق كيف انبسط وجهه‏

وجاء إلينا في (المكتب) يحمدها ويشي بخطاها‏

كان جسدي يقشعر افتتاناً بأغاني الثورة والنصر‏

ولأنني كنت صغيراً ، نحيفاً جداً‏

ولا أستطيع حمل نصف بندقية،‏

فقد اكتفيت بتشجيع الرجال المجندين في مدينتنا‏

كانت ملابسهم الكاكية تبعث الزهو في النفس‏

وحتى هذه الليلة حين أتذكر شهيداً‏

كان في الحرس الوطني جندياً‏

أتذكر مصارع الملوك‏

وأتمنى أن أصرخ وأصرخ وأصرخ‏

فلربما يصل صراخي لبعض الآذان‏

إنما يظل "الحرس الوطني" نبضاً في دمي‏

وغرساً ثورياً في عروقي‏

وقصائد أكتبها للمستقبل‏

حين شاهدت حلم الجياع أمامي يكبر‏

ولم تعد الحبال المعلقة تظهر لي في النوم‏

وفي الصحو كنت أشاهدها ملتفة في أعناق الطغاة‏

كنت شاعراً في الطفولة وكما أنا اليوم‏

لا أرضى المشانق لشعبي‏

وأقيمها للملك وعبيد الملك‏

وليست أسطورة ماقلت‏

فمنذ قيام الثورة لم أعد أحلم بحبال معلقة‏

ومن يومها نمت أحلم بالحرية والرغيف‏

وسأظل أحلم بالحرية والرغيف‏

وإلا فلماذا جاءت الثورة‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244