لن تمطر السماء لؤلؤاً - عبد الفتاح عكاري

شــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

السقوط

1- تكوين:‏

لم تزلْ بكْراً مرايا النفسِِ في عُمْقِ الصحارى..،‏

لم تزلْ بكراً كقيعان البحارِ..،‏

كالمجرّات المليئات بآلافِ الدراري،‏

المنيراتِ دياجيرَ الهَيُولى،‏

لُحْمةً أولى تجوبُ الكونَ، لا تبغي أفولا..،‏

كُوِّرتْ، فانتشرَتْ في المنتهى عرضاً وطولا‏

كانتشارِ الضوءِ، كالرغبةِ، كالشوق المثارِ،‏

شوقِ ذاك اللؤلؤ المكنونِ في قلب المَحارِ،‏

أخذّتْهُ نزوةُ الفكرِ، وأحلامُ الدُّوارِ...‏

رُب حُلْمٍ دوَّخَ الآفاقَ، واجتازَ الزمانْ،‏

سخّرَ الفكَرَ، فألواهُ عُتوُّ العُنفوانْ...‏

يا لها من نُطفةٍ في رَحِمِ الموتِ العقيمْ!‏

نُطفةٍ أولى تحدّتْهُ احتمالاً، ومَثولا‏

لم تزلْ ندّاً خجولا‏

لبحارِ النارِ في قاعِ الجحيمْ،‏

لسعير الشمس تصليها شموسْ،‏

حُشِدَتْ في الأفقِ، فالأرضُ رُكامٌ ودُخانْ..،‏

في مدارٍ لولبيِّ الخسْفِ، مِن دونِ قرارِ،‏

دكَّها البطشُ، وأغوى حُلْمَها عَسْفُ المدارِ...‏

يومَ نادَتْها لَحشْرِ‏

المرايا البكرُ في قلبِ الهَيُولى،‏

فانبرى الناسُ يُؤدّونَ الطقوسْ،‏

كي يَروْا تلك المرايا،‏

تعكسُ الضوءَ، وتستجلي النوايا..‏

ويُعرّي‏

بعضُها بعضاً، ويُجري‏

حكمَهُ الديّانُ كي تُجزى النفوسْ،‏

أو تُدانْ.‏

**‏

2 - الأرض:‏

حلوةٌ أنتِ!.. وعيناكِ امتدادٌ للسماءْ..‏

ورياحينُكِ أقمارٌ صغيرهْ!‏

كنتِ منذُ البدءِ، خضراءَ جميلهْ،‏

غابةً، بحراً، خميلهْ!‏

بوشاح السُّحْب تلتفّينَ عذراءَ خجولهْ..‏

كنتِ كالأنثى بهاءً، ورُواءْ‏

تصنّعينَ الحبَّ، والخيرَ، وأسبابَ الحياهْ!.‏

تَنفُثينَ العطرَ، تدعوك المسافاتُ،‏

وتُغويكِ الرياحُ الأربعُ..‏

طابَتِ الُلقيا بمغناكِ، ورقّ السلسبيلُ المنبعُ..‏

كنتِ شطّاً للنجاهْ..‏

كان وجهُ اللهِ في عينَيْكِ ساكنْ!.‏

جنّةٌ أنتِ! ولكنْ‏

كلُّ شيءٍ فيكِ منْ طينٍ، وماءْ‏

كلُّ شيءٍ فيكِ يوماً للزوالْ..‏

فاحزني أيتها الأمُّ الكبيرهْ.‏

**‏

3- بعد الطوفان:‏

بعدَ أنْ ضرَّجتِ الشمسُ مَدَارَ الحُلْمِ،‏

واستعلَتْ رياحُ الزوبعهْ،‏

هدَّأتْ منْ رَوْعِها الأرضُ، ولاذتْ بالفصولِ الأربعهْ..‏

قُطِعَ العهدُ.. ولكنْ أيُّ عهدٍ، أيُّ عهدِ!‏

هو وُيْلٌ دونَهُ الطُّوفانُ، والإفلاتُ منه غيرُ مُجْدِ‏

حاوليهِ بالتعاويذِ، وتوبي، واستعدّي‏

لهُ ما شئتِ.. فلنْ يُنجيكِ منْ عَسْفِ المدارِ‏

قمرُ الليلِ، ولا شمسُ النهارِ.‏

**‏

4- النفس:‏

عندما شفَّتْ مرايا النفسِ عنْ شعلةِ نارِ،‏

سقطَ الوهجُ على سطحِ البحارِ،‏

عاكساً ما في القرارِ المظلمِ، الفذِّ الأُوارِ،‏

منْ رموزِ الحُلْمِ، منْ تلكَ الرموزِ المُفجِعهْ..‏

اقرأيها.. ربّما لمْ تحسني بعدُ القراءهْ،‏

ربما لم تفهمي معنى الرموزْ..‏

رسمتها فوقَ سطح الماءِ أحلامُ البراءهْ..‏

سقطَ الحُلْمُ.. ولكنْ أيُّ حُلمٍ، أيُّ حُلمِ!‏

دفَع الأجيالَ منْ وهمٍ لوهم،‏

في مدار لولبيِّ الخسْف، مشَبوب الأُوارِ،‏

لفّهُ الليلُ، وغشّى حُلْمَهُ عَسْفُ المَدارِ.‏

5- ا لرحيل- الرؤيا:‏

عندما أسقطتِ النفسُ مراياها، نزا نجمٌ وَضيّْ،‏

تائهٌ في لجةِ الأكوانِ، والأفْقُ ضبابيٌّ، دَجِيّْ،‏

سائرٌ في موكبِ الشمسِ إلى مجدِ السعيرْ،‏

دربُهُ غيبٌ، صِراطٌ كالشِّفارِ..،‏

ليس يُلويهِ صقيعٌ، أو هجيرْ..‏

أنتِ، يا أماهُ، يا أرضُ، إلى أينَ المسيْر؟!.‏

طالتِ الرحلةُ، والراحلُ مجهولُ المصيْر،‏

باحثٌ، والسرُّ محجوبٌ، على الفهمِ عَصيّْ،‏

حاملٌ في قلبِهِ رؤيا نبيّْ..‏

آهِ! لكنْ أيُّ رؤيا، أيُّ رؤيا!‏

هدّمتْ دنيا، وشادتْ من حُطامِ الحُلْمِ دنيا!‏

إنه عوْدٌ على بَدْءٍ مريْرِ..‏

سُمِّرَ النجمُ على ذاك المَدارِ:‏

لن تنجيّهِ صلاةُ الليلِ، أو تقوى النهارِ.‏

**‏

6- الموت:‏

حينما حطَّمتِ النفسُ مراياها، توارتْ في الضبابِ،‏

واستقرَّتْ، بعدَ أنْ أرهقَها قيدُ الترابِ..‏

أُحكِمَ القيدُ.. ولكنْ أيُّ قيدٍ، أيُّ قيدِ!‏

قُدَّ من أمرٍ إلهيٍّ، وشدَّتْهُ بأيْدِ‏

حفنةٌ من طينِ هذي الأرضِ، من روحِ الآلهْ،‏

نُفِخَتْ فيها الحياهْ،‏

فهيَ إنسانٌ عتيّْ..‏

يا لهُ من كائنٍ في موقفٍ صعبٍ، عسيْر..‏

ردَّهُ الطينُ إلى الدودِ الحقيْر!.‏

إنه حُلْمُ إلهٍ، إنها رؤيا نبيّْ..‏

آهِ! لكن أيُّ حُلمٍ، أيُّ رؤيا!.‏

**‏

7- المعرفة:‏

مارجُ النارِ على صفحة نارِ..‏

والوجودُ البكَرُ سِفْرٌ لم نِفسِّرْ أحرفَهْ..‏

وزمانُ الموتِ منفى المعصيَهْ..‏

واحتضارُ الأغنيهْ،‏

في صحارى الصمتِ، في المنفى الكبيْر،‏

حيثُ لا يأبَهُ أعمى لضريْر..‏

حيثُ يشقى الطينُ، يرتدُّ، ويُغوى..‏

حيث يحيا، حيثُ يبحثْ،‏

حيثُ يقضي، ثم يُبعثْ..‏

أيها المارجُ منْ نارٍ، وما النارُ بأقوى،‏

إنما القوةُ بنتُ المعرفهْ..‏

أنتمُ، يا ساكني أقطارِ هذا الكونِ منْ نورٍ ونارِ،‏

منْ ترابٍ جاءكم علْمُ الترابِ..‏

يا لهاتيكَ الغَوايهْ!‏

أَغْلقَ الأمرُ، وأهمَلْنا دَلالاتِ الروايهْ..‏

طُويَتْ أيامُنا طيَّ السحابِ،‏

سقطتْ أوراقُنا قبْلَ الأوانْ،‏

وأمَّحى وجهُ الزمانْ‏

**‏

8- جَدَليَّة الوجودْ:‏

بينَ ميلادٍ وموتِ،‏

وغناءٍ ثم صمتِ،‏

ينقضي عُمْرُ النهارِ...‏

آهِ! لكنْ أيُّ موتٍ، واحتضارِ!‏

أيُّ نارٍ، أيُّ نارِ!‏

أيُّ إنسانٍ منَ الداخلِ مَنْفيٍّ، غريبْ،‏

جَمَعَ الشيطانَ، واللهَ القريبْ..‏

جَمَعَ الضدَّينِ في لُغْزِ الحياةْ،‏

والأساطيرَ، وسحرَ الساحراتْ!.‏

أيُّ كائنْ!‏

يرتدي من طينِ هذي الأرضِ نَضْوا،‏

يستشفُّ السرَّ في موتِ المدائنْ،‏

حائراً، يبحثُ عن معنى الرموزْ‏

داخلَ النفسِ..، وفي الكونِ العجوزْ...‏

***‏

8-8-1977‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244