لن تمطر السماء لؤلؤاً - عبد الفتاح عكاري

شــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(طُوبى! طُوبى!)

الحُزْنُ يُفتِّح في نَفْسي‏

أزهاراً من نارِ الشمسِ..‏

ويدايَ تضُمّانِ اللحظاتِ، لئلا يخطَفَها أمسي..‏

والليلُ الهابطُ في ذاتي،‏

يملأُني حَدْساً في حَدْسِ..‏

أبداً يستغرقُني وَهمٌ مِنْ صُنْع‏

حقائِقنا الخَمْسِ...‏

فكأنّي أُبصرُ في الليلِ،‏

أو أسمعُ وَقْعَ خُطى الظلِّ..‏

وعلى مَهْلِ،‏

يعصِرُني الحزنُ، وتشربُني أقداحُ‏

الزمنِ الدوّارِ...‏

وأنا أتلمَّسُ لذّاتي،‏

وأفتِّشُ عبرَ الحاناتِ،‏

عنْ قمرٍ، عنْ وجهِ امرأةٍ، عنْ لحنٍ،‏

عنْ ذكرى، عنْ كأسْ..‏

عنْ قُرطٍ حُلْوٍ، وسِوارِ،‏

عنْ جُزُرٍ ضاعتْ ببحارِ،‏

وكنوزٍ تغرقُ كَمَحارِ..‏

عنْ مُدُنٍ قد ضاقتْ بالناسْ،‏

وقبابٍ تسكُنُها أجراسْ..‏

أجراسٌ تُقْرَعُ في صدري، فتردِّدُ آلافُ الأجراسْ:‏

طُوبى! طُوبى!‏

فتهبُّ المُدُنُ المسحورهْ،‏

بجيوشِ النملِ المأجورهْ،‏

كي تنفُخَ في أبواقِ نحاسْ،..‏

ويصيحُ الأحياءُ- الأمواتْ:‏

طُوبى! طُوبى!.‏

والقمرُ الغاربُ في نفسي،‏

يزدادُ نحولاً، وشحوبا..‏

*‏

يا امرأةً في عصرِ اللذاتْ،‏

يا مُدُناً غرقى بالآهاتْ،‏

خَطفَتْنا اللحظاتُ الأولى، فَنَسينا الفكرةَ والكلماتْ:‏

الله، الأخلاقَ، المعرفةَ، الحبَّ، الإنسانَ،‏

الإنسانْ..‏

حملتنا ريح الأسطورهْ،‏

ورمَتْنا أُمَماً مسعورهْ،‏

في أرضِ الغُربةِ والآلامِ، بقبضةِ‏

ذيّاكَ الشيطانْ..‏

آلهةٌ نحنُ، بعصرِ الشرِّ، مُلوكٌ تزهو بالتيجانْ..‏

آلهة الآلةِ، والتعذيبِ..‏

مُلوكُ الطاقةِ، والجنسِ..‏

يا امرأةً تعبَثُ بالحسِّ،‏

في مُدُنِ اللذّةِ، والبؤسِ..‏

*‏

وأدورُ، أدورْ،‏

كي أنقُلَ حُبّي للمَعْمورْ..‏

كي أبعَثَ حرفاً مِنْ صيدونَ،‏

وأهدِمَ أسواراً في صورْ،‏

وأمدَّ جسورْ‏

للعالَمِ، للكونِ الأوسعْ..‏

والزمنُ يصيحُ، ولا أسمعْ:‏

طُوبى! طوبى!.‏

عيناكِ تمدّانِ ظلالاً عبْرَ الصحراءْ..‏

عيناكِ نداءْ..‏

يا امرأةً تُبعَثُ منْ صيدونْ،‏

ما أوجعَ بُعْدَكِ، ما أوجعْ!‏

يا ربّةَ أسرارِ التاريخِ،‏

وبنتَ الشاطىءِ والغاباتْ،‏

يا أجملَ كلِّ الحوريّاتْ!‏

عيناكِ سماءْ،‏

ويداكِ رجاءْ،‏

ونداؤكِ إغراءٌ، وفتونْ!‏

وأنا أتلمَّسُ لذّاتي عبْرَ الواحاتْ،‏

وأقصِّرُ عُمْري باللذاتْ..‏

ما أقصرَ صبحي في صيدونَ،‏

وأطولَ ليلاتي في صُوْرا...!‏

*‏

طُوبى! طُوبى!‏

لمساكينِ الدنيا، طوبى!‏

لِيديْكِ، لعشّاقِكِ طوبى!‏

يا حُوريّةَ أرضِ الفقراءْ،‏

يا غابةَ حَوْرٍ، ونخيلِ،‏

في ذكرى الماضي مَنْسيَّهْ،‏

يا أغنيَّهْ..‏

يا نهراً ليسَ لَهُ شاطىءْ،‏

وبحاراً منْ دونِ مرافىءْ،‏

تُبقينا دَوْماً بِرحيلِ!..‏

*‏

والحبُّ يُفتِّحُ في نفسي‏

أزهارَ الشوقِ الناريَّهْ..‏

فأدورُ، أدورْ،‏

كي أنقُلَ حبّي للمعمورْ..‏

أجراسٌ تُقرَعُ في صدري،‏

فيُجاوبُ حَدْسي عنْ حَدْسي:‏

"ضيَّعْتَ حياتَكَ في وَهْمٍ‏

مِن صُنْعِ حقائقنا الخَمْسِ..‏

فالأمرُ جنونْ..".‏

طُوبى! طُوبى!‏

لمجانينِ الدنيا، طوبى!‏

عيناكِ سمائي، ومَلاذي، يا حوريَّهْ،‏

يا عشتارَ التاريخِ النائمِ في صَيْدونَ السحريَّهْ‏

يا امرأةً تلهو في الحاناتِ الغجريَّهْ..‏

الأمرُ جنونْ..‏

والحزنُ يُفتِّحُ في نفسي‏

أشواكَ اليأسِ البريِّهْ،‏

فأروحُ أوزِّعُ أقداحي عبْرَ الحاناتْ،‏

وأطوفُ بحزني في الطرقاتْ،‏

في مُدُنِ اللذَّةِ، والبؤسِ..‏

*‏

لَوْ أنّي كنتُ الشاهدَ، والشاعرْ،‏

لَشَربْتُ صباحَ مساءْ،‏

وسقيتُ معي الثائرْ،‏

وكتبتُ، كتبتُ مزاميري:‏

مَزمورَ الماضي، والآتي،‏

مزمور حياتي، ومماتي..‏

مزموراً عنْ تلكَ الأحزانْ..‏

وقرأتُ الحبَّ على الإنسانْ.‏

*‏

ها أنّذا أكتبُ أشعاري، ومزاميري،‏

وأغنّي للزمنِ الضائعْ،‏

لحناً مُسْتَوحىً من شوقي،‏

منْ حزني، منْ حُلْمي الرائعْ..‏

غنَّيْتُ سُدى:‏

غنَّيْتُ ببابِ الليلِ،‏

فكانَ الليلُ رَصَاصاً في سَمْعي..‏

شاهدتُ بعينِ الحُلْمِ،‏

فَراحَ الحُلْمُ يُبالغُ في منعي..‏

قاومتُ رياحَ الموتِ،‏

وليسَ هناكَ، لَعَمْري، منْ نفعِ..‏

أنا سيِّدُ نفسي، إنْ حاولتُ،‏

وعبدُ الشهوةِ في نفسي؛‏

أنا بينَ الجِدَّةِ والتقليدِ،‏

أسيرُ العادةِ والطَّقْسِ..‏

يا عُمْراً يبدأُ منتهياً..‏

مِنْ نُعمى المهدِ، إلى الرَّمْسِ...‏

11-12-1977‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244