لن تمطر السماء لؤلؤاً - عبد الفتاح عكاري

شــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

موتُ المائتين

المزاميرُ تغَنّي لليبوسيّينَ..‏

لمْ يهدأْ سليمانُ،‏

ويَهوَه، الربُّ، ساخطْ..‏

ونذيرُ الشرِّ في كنعانَ، منذُ السَّبْيِ،‏

ما زالَ مُرابطْ‏

كُتِبَتْ في حقلِ داوُدَ المزاميرُ..،‏

وغنّاها إلّهُ السَّبْيِ..‏

يا أبناءَ كنعانَ اسمعوا تلك النصوصْ..،‏

إحفظوا أقوالَ ذاك الربِّ..‏

ولتحييَ العبارهْ،‏

وليَمُتْ معنى الوصايا قبْلَ لفظِ الكلماتْ..‏

إنَّنا نحيا بعصرِ الحاسباتْ..‏

دُفِنَ السرُّ بتابوتِ الوصايا،‏

وانتهى الأمرُ، وأسدَ لنا الستارهْ..‏

مَنْ يُبُحْ بالسرِّ يَشْهَدْ مَوْلِدَ الموتى،‏

وموتَ المائتينْ...‏

*‏

وتعالتْ منْ دَمِ التابوتِ صيحاتُ الضحايا:‏

مسرحيَّهْ،‏

مسرحيَّهْ!.‏

فأضاءتْ في دُجى الأكوانِ، نارٌ خشَبَهْ،‏

وبَدَتْ منْ خلْفِ وَهْجِ النارِ رؤيا مُرعبهْ..‏

*‏

كانَ للمسرحِ أبوابٌ بتعدادِ السماواتِ..،‏

وبابُ السبتِ مفتوحاً على رؤيا بلاها الأنبياءْ:‏

جلسَ المُخرجُ في التيهِ العظيمْ،‏

وتلا سِفْراً منَ العهدِ القديمْ:‏

"خَرَجَ الربُّ بموسى..‏

ماتَ فرعونُ، وجالوتُ.."،‏

- استَرَحْنا!.-‏

« غَضبَ الربُّ.. استشاطَ الربُّ..‏

أرغى الربُّ..»،..‏

- تبّاً!‏

قالَ ذاك المُخْرِجُ الخارجُ منْ أرضِ‏

اليبوسيّينَ، بعد السَّبْيِ..،‏

- فلأَرْجِعْ إلى كنعانَ، أبْنِ الهيكلَ المهدومَ‏

للعِجْلِ الذي أَُشرِبْتُ في قلبي..‏

أنا الربُّ..،‏

وهذا العِجْلُ ربُّ العصرِ..‏

لا ربَّ سواهْ!..‏

واستوى المُخرجُ فوقَ الهيكلِ المدفونِ في قاعِ الطلاسمْ،‏

فاستفاقَ اللاعبونْ.‏

شاهدوا عِجْلاً عجيباً منْ صريفِ الأصفرِ الرنّانِ،‏

فوقَ المسرحِ الممتدِّ فوقَ الأرضِ،‏

يُحييها خُوارٌ، ويُميتْ..‏

صفَّقَ الجمهورُ إعجاباً،‏

وألوى عُنْقَهُ الشاهدُ بالحقِّ..،‏

عنا للعجلِ..،‏

أغوتْهُ التمائمْ:‏

- يا إلهَ العصرِ، ها نحن أتيناكَ بأثقالِ نذورٍ وهدايا،‏

خُرْ لنا بعضَ الخُوارْ!.‏

فاستوى المخرجُ في العجل، وخارْ!.‏

ومن التابوتِ، تابوتِ الوصايا،‏

صاحَ آلافُ الضحايا:‏

مسرحيَّهْ!‏

مسرحيَّهْ!‏

فأضاءتْ في دُجى الأكوانِ، نارٌ كوكبيَّهْ‏

فوقَ صدرِ الأرضِ ليلاً، خشَبَهْ..،‏

وبدا منْ خلْفِ وَهْجِ النارِ، وجهُ المجدليَّهْ‏

*‏

كانَ للمسرحِ أبوابٌ بتعدادِ السماواتِ..‏

وبابُ السبتُ مفتوحٌ على رؤيا رواها الأنبياءْ..‏

إنَّها رؤيا نسورٍ مُرْعبهْ!.‏

وَسِعَ المسرحُ أهْلَ الأرضِ،‏

وامتدَّ كخطِّ الإستواءْ..‏

كانَ للمُخْرجِ وجهانِ،‏

ووجْهُ واحدٌ لّلاعبينْ..‏

بصمةُ المُخرجِ تبدو لطخةً، وَشَماً على كلِّ الجباهْ.‏

قَدَريٌّ ذلك المخرجُ..، قد باعَ المُغنيّ والمؤلِّفْ،‏

وَرَشا الجمهورَ إذْ بدَّلَ بعضَ الكلماتْ:‏

بدَّلَ الشيطانَ بالّلهِ..،‏

وبالحبِّ جنونَ الحقدِ..،‏

موتاً بالحياهْ..‏

خشبةُ المسرحِ تمتدُّ منَ القُطْبِ إلى القُطْبِ،‏

وتمتدُّ على الأرضِ ظلالُ اللاعبينْ..‏

لبسوا أقنعةَ الظلِّ،‏

وأخفُوا الشمسَ تحتَ القُبَّةِ السحريّةِ الألوانِ..‏

- فليَسقُطْ نبيُّ العهدِ، وليحيَ المُهرِّجْ!.‏

ثمَّ أَلقَوْا:.،‏

فإذا تيجانُهُمْ تسعى..،‏

وسيقانُ الغواني تتلوّى كالأفاعي..‏

وإذا الخصيانُ أسيادٌ،‏

وأبناءُ السَّعالي أُمراءْ..،‏

والعيونُ الزُّرقُ أجراسٌ على بوّابةِ السِّحرِ..،‏

وأبراجُ السماءْ‏

وضعَتْ مولودَها الراضعَ منْ نُسْغِ الحضاراتِ،‏

فَقَاءَ النفطَ تنّينٌ على النَّسْلِ الرجيمْ..‏

وانتهى المشهدُ..،‏

وارتاحتْ إلى وقتٍ جموعُ اللاعبينْ.‏

*‏

ضَحِكَ المُخْرجُ إذْ طالَعَ سِفْرَ الجامعهْ،‏

ورمى السِّفْرَ، وقالْ:‏

- « باطلٌ ما جاءَ في السِّفْرِ..‏

وما أسخفَ قوْلَ الحُكماءْ!.‏

إنّنا نبكي على حائطِ مَبْكانا القديمْ..‏

سوف أبني هيكلاً للعِجْلِ..‏

قد أُشرِبْتُ في قلبي القضيَّهْ..».‏

وعلى المسرحِ يُستعْرضُ سِحْرُ اللاعبينْ..‏

هتفَ الجمهورُ:‏

- فَلْيَسقُطْ نبيُّ العهدِ، وليَحيَ المُهرجْ!.‏

دُفِنَ العهدُ بتابوتٍ، وألقى السَّحَرَهْ..‏

ونبيُّ اللهِ ألقى:‏

فإذا الليلُ نهارْ..،‏

وفسادُ الأرضِ عِجْلٌ من نُضارْ..،‏

ونَضارُ الشمسِ كبريتٌ، ونارْ..،‏

وهبوبُ الريحِ في العجلِ خُوارْ..‏

وإذا المُخرِجُ دجّالٌ يبيعُ الأقنعهْ..‏

باطلٌ، حقّاً! ولنْ يفهمَ سِفْرَ الجامعهْ..‏

*‏

شَربَ المُخرجُ بينَ الفصلِ والفصلِ،‏

قليلاً منْ مِزاجِ الشاربينْ،‏

ثمَّ أقْعى..‏

راجَعَ الأدوارَ، أعطى كِلْمةَ السرِّ، تمطّى،‏

واستدارْ‏

في ارتباكْ..‏

وبدا يسألُ بعضَ الحاسباتْ‏

عنْ وصايا الربِّ، والعهدِ، وسِفْرِ الأنبياءْ..‏

المزاميرُ تُغنّى لليبوسيّينَ في فصلِ الهلاكْ..‏

بدأَ الفصلُ الذي يبحثُ عنْ خاتمةٍ للمسرحيَّهْ..‏

ما يقولُ العِجْلُ للناسِ إذا ماتَ المُغنّي،‏

وبكى الناسُ على صدرِ السبايا؟!.‏

سقطَ المُخْرِجُ إذْ غنّى..،‏

وماتَ اللاعبونْ...‏

29-6-1982‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244