لن تمطر السماء لؤلؤاً - عبد الفتاح عكاري

شــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عبور مياه الموت.

فوقَ رملِ الشاطىء المهجورِ أغفيتُ أصيلا،‏

وتواريتُ عنِ الشمسِ،‏

لأرتاحَ قليلا..‏

مدَّتِ الشمسُ ذراعيْها،‏

وضمَّتني إليها.‏

كانتِ الشمسُ تُعانقْ‏

وَجَعَ الوجدِ المُفارِقْ.‏

لمْ أكُنْ وحدي على الرملِ..،‏

ولا أعلمُ هلْ كنتُ وليداً، أمْ قتيلا؟!.‏

كنتُ مَطْويّاً كما تُطوى السماواتُ،‏

وملفوفاً بظُلْماتٍ ثلاثْ:‏

ظُلْمةِ الخوفِ الذي يُولَدُ مَعْ كلِّ ولادهْ..‏

ظُلْمةِ الإشفاقِ منْ هَوْل الشهادهْ..‏

ظُلْمةِ الغيبِ، وأحزانِ الفراقْ..‏

رفَّ طيرٌ،‏

- ربّما اللقلاقُ، أو طيرُ البَجَعْ-‏

فرآني فوقَ ذاكَ الرملِ، محمولاً بظلّي..،‏

جَسَداً يهتفُ بالروحِ المُفارِقْ:‏

ليسَ منْ وقتٍ لديْنا للعناقْ..‏

آهِ، يا طينَ الجزَعْ!‏

أيُّها الضوءُ المُوَلّي،‏

خّذْ مواثيقي،‏

وَدَعني في نهاياتي أُصَلّي.‏

*‏

وَدَّعتْني الشمسُ،‏

وارتدَّتْ عن الكهفِ القديمْ،‏

بعدَ أنْ غطَّتْ رفاتي..‏

مَسَحَتْ عينيَّ بالزيتِ، وبعضِ العَبَراتِ..،‏

ثمَّ ضمَّتْني قليلا..‏

قلتُ:‏

فَلأُسرِعْ، لأنَّ الماءَ باردْ..،‏

ولأنَّ الريحَ لنْ تبقى طويلا..‏

ها هوَ الشاطىءُ ممتدٌّ أمامي،‏

وورائي اختلطتْ كلُّ الطرائقْ..‏

صاعدٌ دمعي منَ الأعماقِ كالمدّ العظيمْ..،‏

صاعدٌ خوفي..،‏

وهذا المدُّ صاعدْ..‏

آهِ، يا أرضَ الفَزَعْ!‏

لمْ يَعُدْ لي منْكِ إلاّ زورقٌ بينَ الزوارقْ!.‏

أيُّها المدُّ المؤاتي،‏

إنّني أرحلُ..‏

لا تتركْ رُفاتي..‏

*‏

تركتني الشمسُ كي أعبُرَ مَعْ أهلِ الرقيمْ..‏

قرضتني مرةً ذاتَ الشِّمالْ،‏

فتزاورتُ لها ذاتَ اليمينْ..‏

ضَرَبَ الدهرُ على أُذنيَّ،‏

أعقابَ السنينْ..‏

وأنا في فجوةٍ منْهُ..،‏

وكهفُ الماءِ واسعْ..،‏

ورياحُ الغيبِ ترميني على كلِّ الجهاتْ،‏

مُوثَقَ الأسْرِ،‏

شَتاتاً في شَتاتْ..‏

كنتُ في المدِّ الرحيمْ،‏

قابَ جفنينِ منَ الموتِ..،‏

ورملُ الأرضِ في كفّي رقائقْ..،‏

صُنْتُ فيها جَمْعَ أسمائي، وأسرارَ الحقائقْ..‏

آهِ، يا طينَ المراراتِ العقيمْ!‏

إنَّ ماءَ اليمِّ مانعْ..‏

كيفَ لي أنْ أعبُرَ الأمواجَ معْ أهلِ الرقيمْ.‏

وأنا مَيتٌ مقيمْ؟!.‏

أيُّها الرملُ المجلّي،‏

خّذْ مجاميعي،‏

ودَعْني في نهاياتي أًصَلّي.‏

*‏

دارَتِ الأرضُ..،‏

ولا أدري إذا ما كنتُ حيّا..‏

لستُ أدري كمْ منَ الأعوامِ قد مرَّتْ عَلَيّا!.‏

لستُ معصوماً لأدري..،‏

وأنا لستُ نبيّاً..‏

في مياهِ الموتِ..،‏

مَسْفيّاً على كلِّ الجهاتْ..،‏

راقداً في الكهفِ..،‏

أنأى،‏

وتناديني الحياةْ..‏

أَبِقَ الطينُ، فَوَلّى‏

مالئاً سَمْعي صُراخاً، وعويلا..‏

ضَرَبَ الدهرُ على أُذْنيَّ:‏

لا، لستُ بسامعْ..‏

إنّني في فَجْوةٍ منْهُ..،‏

وماءُ الخَلْقِ جامعْ..‏

آهِ، يا أهلَ الرقيمْ!.‏

أيُّها الضَّعْفُ المًصَلّي،‏

عادَتِ الشمسُ..،‏

وضمَّتْني قليلا...‏

*‏

إنّني صاحٍ، وأغفو..‏

ها أنا أسبحُ في اليَمِّ، وأطفو...‏

13-11-1983‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244