الرحيل نحو الصفر - نزار بريك هنيدي

شعر - منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الجرّة المكسورة

يذكرُ الآن تماماً‏

كانت العينان حَبْلَيْنِ مِن الزرقةِ‏

ممدودينِ من شرفتها‏

لكنَّهُ في غمرةِ الروعةِ‏

لم يمسكْ سوى‏

خيطِ الدخانْ‏

يذكرُ الآن تماماً‏

فاحَتِ الزرقةُ‏

حتى ثملَ الكونُ‏

وأَخْفَتْ وجهَها الأيامُ‏

كي تهربَ‏

من دورةِ دولابِ الزمانْ‏

يذكرُ الآن تفاصيلَ المكانْ‏

يذكرُ الحارةَ‏

والمدخلَ..‏

والوردَ الذي مالَ على البابِ‏

وأغفى‏

فوق راحاتِ الحنانْ‏

.‏

يذكرُ الشبّاكَ‏

سورَ الياسمينِ‏

الحائطَ المغمورَ بالعطرِ‏

حفيفَ النسمةِ الجذلى‏

عمودَ الكهرباءِ..‏

اْلسلْكَ..‏

والمصباحَ‏

والضوءَ الذي اْنداحَ‏

على كومةِ أحجارٍ‏

فشعَّ الكهرمانْ‏

.‏

يذكر الآن غصوناً‏

هزَّها الوجدُ‏

وأوراقاً‏

هَوَتْ في نشوة السكْرِ‏

وأزهاراً‏

بَدَتْ في فَلَكِ الغبطةِ‏

أقمارَ جمانْ‏

.‏

يذكر العشبَ الذي صفَّقَ‏

والطيرَ الذي رفرفَ‏

والغيمَ الذي حيَّاهُ عن بعدٍ‏

بتلويحةِ حبٍّ‏

والفراشاتِ التي نَبَّهَها الهمسُ‏

فراحت‏

ترتدي أثوابَها البيضَ‏

وتدعو النورَ كي يمنحَهَا‏

رقصَتَهُ الأولى‏

أمامَ المهرجانْ‏

.‏

يذكر الآن الأماني‏

والأغاني‏

والحكايات التي خبَّأَها‏

في جَرَّةٍ ألقى بها‏

في قاع أَحلام الصبا‏

مَنْ كَسَرَ الجرَّةِ‏

مَنْ أَيْقَظَ فيهِ‏

لوعَةَ العمرِ‏

ومَنْ أضْرَمَ نار الهذيانْ؟‏

.‏

هبَّ من رقدتِهِ‏

كان على الشبّاكِ نَقْرٌ‏

وعلى السطح ضجيجٌ‏

ووراء البابِ‏

أصواتُ خُطاً تسرعُ‏

هل فاتَ الأوانْ..؟‏

.‏

جَرَّ رجليهِ إلى طاولةِ المكتبِ‏

واْنكَبَّ على دفترهِ‏

يرسمُ فجراً أزرقَ العينينِ‏

يأتيهِ‏

على صهوةِ وَعْدٍ‏

طالعٍ‏

من شَفَقِ الذكرى‏

ومن عاصفة الشوقِ‏

وبَرْقِ العنفوانْ‏

.‏

أَغْلَقَ الدفترَ..‏

والبابَ..‏

وغطّى الجرَّةَ المكسورةَ‏

اْنسَلَّ إلى الشارعِ‏

واْنضَمَّ‏

إلى الحشدِ الذي يركضُ..‏

كانَ الوَحْلُ‏

في كلِّ مكانْ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244