شذرات جبلية متوّهجة - محمد البدري

قصائد كردية مترجمة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رحلةٌ إلى حياةٍ أخرى

إنّه الليلُّ‏

وخطواتي تحتضنُ عذاباتِ المسير‏

أناملي اتحذتْ من المطلقِ ساحةً وهي‏

تتأملُ الأُفقَ المليء بالضباب...‏

فيا فاتنة هيجان العشقِ التي‏

صرتِ مرافقتي‏

هذي شرايين جسدي تُهاجرُ صوبَ‏

فكريَ وتنشبُ مخالبها في تأوهاتِ الليلّ...‏

فيا شعلةَ أعماقِ قصائدي‏

أيتها الومضات الذهبية التي لا تجدُ‏

غير رأسي ملاذاً لها واتخذت‏

من عيونها هويةً لها‏

ألا تلتفتين نحوي ولو للحظةِ؟!‏

إنّك في رأسيَ بيدَ أنّكِ بعيدة‏

إنّكِ أمام عينيَّ ولكنني لا أراكِ ...‏

يومَ أمسِ‏

حين أعلنتُ هجوميَ على خنادقَ الليلّ‏

اعترضتني آهةٌ تُشبهُ العاصفة‏

أخرستْ صرختي وصاحت:‏

لستَ جديراً بالصوتِ واللّون‏

لأنّك لا تعرفُ لغةَ النار واللهبِ‏

المتدفقِ من الأعماقِ..‏

لأنّك لا تُجيدُ التعاملَ مع الأجنّة‏

يداكِ لازالتا نقيتين صافيتين..‏

امضِ، امضِ دون توقفٍ‏

إذ يجدرُ بكَ أنْ تدرك جيداً بأنّك‏

إذا ماتوقفت ستتعالى صرخاتُ مَنْ هم‏

حولك وتهاجمكَ الكواسرُ إذ يصيرُ يومكُ جحيماً..‏

امضِ واحمل عصا الغربة وافشِ أسراراكَ‏

ورغباتِك إلى الجبال والوحوش الضارية‏

امسك لجامَ فرسكَ جيداً وانطلق بهمومكَ...‏

فإذا ما صادفتَ بابا طاهر) إيّاك محاورته‏

عن سؤالهِ الأزلي والأبدي‏

ذلك السؤال المقدّس سيبقى دون جوابٍ..‏

وإذا ماصادفت ولي) المجنون‏

إيّاكَ أنّ تحدِّثَه عن شمّ)‏

لأنّها ليست كما كانت‏

ومن المحتمل أنّها قد تكرهُ مَنْ كان فقيراً معدماً..‏

وإذا ما سألك فرهاد) عن شيرين)‏

قُلْ له:‏

ترّيث قليلاً قبلَ أنْ ترمي معولَكَ نحو السماء‏

صحيحٌ أنّ في التضحيةِ بالنفسِ بطولةً‏

بيدّ أنّ البقاءَ لواحدٍ عاشقٍ مجنونٍ‏

مثلكِ ليسَ فيه مايضيرُ...‏

***‏

البارحة...‏

التقيتُ ممّ) وهو يبحث عن زين)‏

كان يُريدُ أنْ يسألها عن نفسهِ‏

وأنْ يفضي إليها بأسرار الحياة‏

بيدّ أنّ زين) كانت مختفيةً في الغابةِ‏

ولم تردْ تكحيل عينيها برؤيتهِ...‏

آهٍ أيّها المطوّق بشراكِ الصدقِ والحقيقةِ..‏

آهٍ أيّها الزمن المعاكس‏

تبّاً لهذه الدنيا المضبّبة المعقدّة‏

أنا لست حجراً كي التزمَ الصمتَ تجاه هذهِ‏

المأساةِ‏

وما أنا برفيقٍ لإبليسَ حتى أكون قادراً‏

على مجاراته في موقفهِ‏

رفضُ ابليسَ هو الذي يوصدُ حنجرةَ الليلّ أبداً..‏

وأنتَ، هيا، أيها اليراع الحبيسِ بين أناملي‏

كنْ صاحبَ صوتكَ، وانجُ بنفسكِ من هذه‏

الفخاخ..‏

تمرّدْ عليّ وحلّق مثل أيّ طيرٍ متحرر في‏

مجاهل السموات...‏

***‏

إنّه الليلُ‏

المطر ينهمرُ بغزارةٍ والعواصفُ هوجاء‏

وأنا لا أملكُ ملاذاً ومأوىً ولا مظلّة‏

تقيني زمهرير البرد...‏

ها أنذا أعيشً مأساةً خيمةٍ متهرّئةٍ‏

تلعبُ بها الريحُ كيفما شاءَت..‏

المطرُ يتساقط وأنا دون مظلّةٍ‏

وماجدوى المظلّة إذا ماتوقف المطر؟!‏

***‏

قبلَ ليالٍ عدّةٍ‏

أرادتُ التعرّفَ على ذاتي في مرآةِ الحقيقة‏

قصدتْ خنق أنفاسيَ وتدمير ذاتي‏

بيدَ أنّ صرخةً تعالتْ فجأةً‏

وهكذا ضاعت المرآةَ واختفت‏

واختفيتُ أنا معها..‏

كنت أتمنى وأنا أحاولُ إحياءَ‏

بيدري المدّمر أن أجوبَ الآفاق...‏

فجأةً تذكرتُ كلمةَالحلاّج) حين‏

مزّقوهُ إرباً إرباً..‏

أيّها الذي لا يمكنني الانفصالُ عنكَ‏

... أنتَ أنا، وأنا أنت"‏

إذاً كيف أستطيعُ إيذاءَ نفسي التي‏

هي نفسك...‏

عبرتُ على جسرٍ ضيّقٍ جداً‏

إذ نويتُ الوصولّ إلى رفقائي‏

ومن هناك التوجّه إلى حيث ملك الطيور سوّيةً...‏

بيدَ أنّي وقبل أن تكتحل عينايَ‏

بنهاية الآلامِ، انهدمَ الجسرُ‏

وبقيتُ معلّقاً بين الأرض والسماء..‏

جاءني طائرٌ مقهقهاً:‏

لا تكنْ غبياً..‏

كيف يمكنك مرافقتنا وأنتَ دونَ جناحٍ؟!‏

ومن المستحيل أنْ تبقى بين الأرضِ والسماءِ‏

وأنتَ بهذا الضعف..‏

جديرٌ بك العودة إلى الأرض..‏

ورغمَ أنَّ العبارة قد جرحتني في الصميم‏

بيدَ أنها قادتني إلى معرفةِ ذاتي‏

***‏

في طريقِ عودتي صادفتُ جبلاً‏

طرقُهُ كانت وعرةً صعبةً جداً‏

ولكنَّني قررتُ المسير..‏

سرتُ بقوّةٍ تسلّقتُ عدداً من المرتفعاتِ‏

كانت المنعطفاتِ مليئةً بالكواسر والضواري‏

بيد أنّي لم أخشَ‏

فقد مسحتُ كلمةَ الفناءِ من قاموسي‏

***‏

تقدّمتُ، متحدّياً التعبَ والإرهاق‏

فجأةً هبّت عاصفة هوجاء وانهمر السيلُ‏

كيف ينهمرُ السيلُ؟‏

وسُدت الطرقُ..‏

آنئذٍ تذكرت كلمة "نيتشه"‏

أيجوز لك إذا ما رأيتَ رفيقكَ متعباً‏

أنْ تدفعَ به إلى الهاويةِ رأفةً به؟‍!‏

ما أتذكرهُ هو أنني حين فتحتُ عينيَّ‏

وجدتُ نفسي في دوّامةِ الضياعِ..‏

***‏

اضطررتُ إلى التراجع‏

فولجتُ إلى دنيا التذكر رويداً رويداً‏

تراءى لي سقراط) حين تجرّعَ السمَّ‏

تأكيداً للحقيقة..‏

إلهي.. صحيح إنني إلى هذه اللحظةِ‏

عاجزٌ على تطويقِ ومحاصرةِ نفسيَ‏

ولكنّني حين أتأملُّ هذه النفس أراكِ أنتَ‏

فتبدو مرايا أيامي الماضية أكثر نقاءً وأحسُّ‏

بالطمأنينة فتنبعث دموعُ الذكرى من عينيَّ...‏

"بوذا" لم يكن إلهاً‏

بل ابن أمير.. قال:‏

أنا لا أعرف شيئاً عن سرِّ الإله‏

ولكنّي أعرفُ أشياء كثيرة عن بؤس الإنسان..‏

أمّا أنا‏

فحينَ أردتُ تسلّق طودَ الإنسانيةِ‏

صادفتُ غولاً، عملاقاً‏

أراد فرضَ ضريبةٍ عليَّ.. رفضتُ،‏

دافعتُ عن موقفي، وقفتُ ضدَّهُ،‏

وهكذا تأخرتُ أنا‏

أمّا هوَ فقد ارتقى القمّة..‏

***‏

ومضتِ القافلةُ‏

بيدَ أني لا أرغبُ مجاراة أيوب)‏

في صلابةِ صبرهِ..‏

إنسانٌ مثلي لا يمكنه أن يكونَ مثلَهُ‏

إنّه رمزٌ للصبرِ والتضحية والفداءِ...‏

أمّا أنا فبالرغم مِنْ كونّيَ أجيءُ وأغدو..‏

أتذكّر، أُحاول..‏

لكنّي عاجزٌ عن محاكاة "أيوب"‏

لأنّه سوبرمان..‏

لذا فإنّي مبتهجٌ جداً إذا ماصرتُ‏

واحداً من تلامذته...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244