قمر المتاه - محمد البياتي

شــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

مرثية لجنداري

إلى صديقي وصديق الموت، الكاتب العراقي الكبير محمود جنداري وقوفاً على قبره الشاخص بالأجيال المقبلة منتحباً أقول:

قفْ بالديارِ مسائلاً أطلالها

يا حادياً عبر القرون جمالها

يا شاكماً خيلَ الرجولة للردى

يكفيك أنك لم تزل خَيّالها

يكفيك أنك ما ثويت بتربةٍ

تبقى تهدد فوقها أنذالها

يا غاسلاً وجه السماء وراكزاً

بجبينها أبد الظلام هلالها

ألقت منازلنا عباءة ظلها

من بعد شمسك يستمد ظلالها؟

أنفقت عمرك في رفاء رتوقها

كي لا تفتقَ حالةٌ أحوالَها

يا سارياً والليل وحش مبهمٌ

يجتر في مدياتنا آصالَها

يستل من أحزاننا ظلماتهِ

ليدقَ في قلب المدى أنصالها

يا صاحب الأيامِ صحبةَ آمنٍ

تغتاله من قبل أن يغتالَها

متحملاً عنها ثقال سنينها

حتام ظهرك يستخفُّ ثقالها

حتام تعرى أمة ولطالما

سجّيت من مزق المنى أوصالها

حتام يا سيفَ الزمانِ بخصره

تنضو المهانةُ في الزمانِ صقالها

حتام تختلطَ الرؤوسُ بأرجلٍ

مستبدلاتٍ بالعقالِ نعالَها

 

لو زلزلتْ أرضٌ بها زلزالها

أو حملتكَ ذنوبُها أثقالَها

أو أنها قامتْ عليك قيامةً

لتعذّرتْ مما عليكَ وما لَها

هي أمةٌ ولدتك لكن لم تلد

إلاك من بعد النبي عيالها

مثواك مثوانا كأنك لم تمت

أو أننا متنا لكي تحيا لها

أو أن نجماً مذ عصور شارداً

عن كونه مستلحفاً أسدالها

قَفَتِ البدور إزاءَه فأضلَّها

ليل على درب السحور بدالها

ليلٌ نهاراتُ الدنى مُستكلبٌ

ضارٍ بعينك ناهشٌ إغفالها

يا مثل دنيانا سرابٌ ماكرٌ

متوهماً يسعى الذي يسعى لها

بكت الديارُ كأنها مذ أعصرٍ

لم تبك في حضنِ الردى أجيالها

محمود يا زمناً سيأتي لاحقا

ليقول فينا قولةً ما قالها

ليقول أنا ما خطونا خطوةً

بيمينها إلا تُزلَّ شمالها

هي أمة للبيع يا من يشتري

أجدادها، أعمامها، أخوالها

كنزت بنيها بأدخار حياتهم

واستثمرت في قتلهم أموالها

نذرت لأمريكا العراق وراقصت

في حفل إهدار الدما طبالها

طبل يجمع شملها، سوط يغر

ق جمعها، مسترحماً أنذالها

هي أمة جَهِلت بكون حليِّها

في معصميها كونَها أغلالها

ومهر جون على الحبال تلاعبوا

وبقبضتيها تستمد حبالها

والمشيخات المنعمات بنفطها

دبب تسقى من دمٍ أرطالها

قاسمتها وغذت بما قاسمتها

من قاسمته- عدوَّها- أوصالها

قاضتك محترساً على أنفاسها

وقضى عليها من يظنُّ قضى لها

محمود هل مرت بقلبك طلقة

مرت بهامةِ رافضٍ إذلالها

ما زالت الأيام تمرق والمنى

مستمهلاتٍ في السنين عجالها
<

ما دامت الطرقات تكنس عمرنا

باسم البطالة لم نزل أزبالها

باسم القشاعم في الولائم والدرا

هم في الهزائم لم نزل أبطالها

باسم الذين يحاصرون على الطوى

الآكلين بطونهم وطحالها

بسم الذين إذا المنية أقبلت

واستقبلوها جرجرت أذيالها

دسّوك في ماض كأنه لم يكن

أو لم تكن دنياهم وزوالها

محمود حتى الموتُ أصبح مطمحاً

للعابدين بسوطها تمثالها

محمود كم ليل تبدى مثقلاً

بهمومنا مستوزراً أثقالها

كم دمعة في العين عز مسيلها

سالت على خد سدى فأزالها

كم طعنة في الجرح يدمى راغباً

أن يستزيد كمدمن أنصالها

كم مرة محمود نثوي قتلاً

فتشيلنا كي نستعيد قتالها

 

هي أمة ثكلتك وهي دنيةٌ

فترمّلَتْ وتزوَّجتْ ثكّالها

وقفت عليك نواحباً ونوادباً

النائبات الثاكلات رجالها

وقفت عليك الريح تجأرُ

والردى يلقي بمعترك الدجى أهوالها

وقفت عليك العاصفات الراعدا


ت المطبقات على المدى أقفالها

وعليك إسراء الدما بعروقنا

مداً وجزراً خائضاً أوحالها

وعليك أن تنأى كنأيك في غد

جرت الهموم له إذا استجرى لها

قف بالطلول غداة بين وانتحب

هذي الطلول ثواكل آمالها

يخبرك من شهد الفجيعة أنها

دنيا تدير على الورى آجالها

 

وَسَلِ الطلول عن الديار فإنها

أعْيَتْ لفرط سكوتها سؤَّالها

واشدُدْ على عزريل قبضة لائذ

ينقذك مما لم تنلك ونالها

هي منذ أن خلق الزمان طريدة

تجتاب في حقب الردى أدغالها

هي أمة وقفت على أطلالها

ومضت تعدد للدهور فعالها

فإذا وقفت بها وجاشت عبرة

ومضت تباكيك الهموم خلالها

أوقف ركابك بالطلول مودعاً

من كان فيها ثم شُدّ رحالها

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244