تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:10 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل الثالث-

أحرقتُ ذاكرتي ولبيَّتُ النّداءَ المنتهي‏

في آخر البئرِ التي أهوي هلاماً في متاهتها...‏

سلاماً للذي يرفو جراحَ الغيم، يذوي في كهوفِ الحلْم،‏

يُكسَرُ، أو يُزَنَّرُ بالرَّدى‏

أحرقتُ ذاكرتي... أنا السَّفرُ المسافرُ في الصَّدى‏

شفَقُ القصائِدِ وهو ينزفُ في المراثي،‏

منذ عائشةٍ إلى مولاتِنا الأولى...‏

وذاكرتي النِّداءُ بلا مدى‏

أحرقتُ ذاكرتي التي أحرقتُ أرضاً في صياغتها،‏

فهل سأبيعُ أسمائي وأشيائي الفقيرةَ في مزاد من‏

ضياعْ؟‏

وأبيعُ معجزة الخروجِ من الرَّمادْ؟‏

أحرقتُ ذاكرتي فلم تُحرَقْ،‏

فكيف يفرّغُ النّسيانُ أدمغةَ التَّفاوضِ حول عورةِ‏

أمّةٍ شمطاءَ؟‏

كيف يسيّجُ النّسيانُ بستانَ الغناءْ؟‏

لا الرَّمز يُسْعفُني ولا لَهَبُ الغموضِ يضيءُ أجنحةَ القصيدةِ،‏

واضحٌ لُغْزي وزحفُ اليأس واضحْ‏

وأنا أصارحُ جثَّتي:‏

هذا سقوطِك من سقوط الأمَّةِ‏

وقبيلةٌ الشّعراء تزني بالفضائحْ‏

يتسابقون إلى جلالةِ خازن الألواحِ، تشتعلُ الذبائحْ‏

ويسيلُ شعبُ دمٍ تلوَّثَ، من شفاهِ الرّيح والحُبِّ المطأطىءْ‏

أبطىءْ إذاً يا موكبَ الأحزان أبطىءْ‏

ودعِ العشائرَ تلتقطْ أحجارَها إمَّا تودِّعْ نخلةً أولى وتُنبىءْ‏

عن مصرع الياقوت في شطآن بحرٍ لا يموتْ‏

كم مرةٍ غنّوا على ناي الرّماح جيوشهمْ؟‏

نشروا على سطحِ الاله نقوشهُمْ‏

واستأنسوا بتلاوةٍ من معجم الحاخامِ،‏

واتَّخذوا شراعاً في مياه الأندلسْ...‏

وأنا هنا أشعلتُ في أبهاءِ ذاكرتي بيادرَ مَجدِها الأولى،‏

فهل كُتبَ الرّجوعُ إلى قبابٍ لا يطيرُ حمامُنا‏

النَّبويُّ فيها؟‏

ونصوغُ مأتَمَنا بأيدينا؟‏

و(عبدُ الَّله) هل ما زالَ طفلاً؟‏

آه (عبد اللَّه) هل تنمو بصيرتُكَ القديمةْ‏

لترى الأكفَّ تعيدُ إفساد الوليمهْ؟‏

زمنٌ تناسخَ، أيّ فاجعةٍ ننامُ على وسادتها ونصحو؟‏

تلك(أندلسٌ) دخولُ المخرزِ النَّاريِّ في عين الرّمادْ‏

يا آل (عبدِ اللَّه) ذاكرتي تئنّ كقطةٍ‏

هُرسَتْ بأقدام الجيادْ...‏

يتوحَّدُ الفاشيّ خلف دمي،‏

دمي وفدُ التّرابِ إلى السَّحابِ،‏

دمي شتاتُ الذّكريات المستهامُ،‏

دمي ينامُ ينامُ... كلّ القادمينْ،‏

من أجل فاشيٍّ وحيدٍ، يقذفونَ عليه صبار الشَّتائمِ،‏

بينما سيقانُهُمْ من تحت طاولة المساء‏

تصافَحَتْ وتضاجَعَتْ فتراجَعَتْ مرثيّتي‏

تُلْقي بما فيها على جسرِ الأنينْ‏

يتوحَّدْ الفاشيُّ والعربيُّ خلف دمي،‏

وإنيّ واحدٌ في أمّةٍ من (واحِدِينْ)...‏

... ... ...‏

أحرقتُ ذاكرتي وقلتُ هي القصيدةُ آيتي‏

قدسيّةُ الشَّجنِ، ارتطامُ الأرض بالأشلاء فيها،‏

ثورةُ الأغصان في وجه الشّجرْ،‏

فيها/ وفيها كل ما يُدمي وما يَرْمي على نوم البشرْ،‏

حجراً لينهضَ جَمْعُهُمْ من قبل أن يمضي القطار مع السّحَرْ.‏

... ... ...‏

سيسافرونْ/‏

وأنا هنا فَرِحٌ بما أُوتيتُ من موتى صباحَ القلبِ،‏

مبتهجٌ بخنجر أغنياتٍ يكْسِرُ الإيقاعَ في مرآة روحي‏

غطيتُ ما يعرى بعورةِ خطوتي‏

وغشيت دارَ الفتكِ أنهشُ سورها‏

بأظافِرِ الطَّاغوتِ، نصَّبني غلامي سيداً فقتلتُهُ‏

نصّبتُه شعباً فأرداني، وإنيِّ‏

فرحٌ بما عَجَنَ الصّبيُّ من الرّعودِ‏

مستأنسٌ بجفاف حلقي عندما نزل الغمامُ على ورودي‏

ما زال في الذكرى من الأعشاب ما يكفي لتكفين الشَّهيدِ‏

ما زال داخلَ زهرتي عسلٌ ولكن للعدوِّ‏

إذِ امتطى عنُقي وقبَّلني وسمَّاني شقيقاً...‏

لم أكن وحدي الشَّقيقَ، هي الجموعُ تدفّقتْ‏

ورمَتْ‏

بإيقاع الذّئاب على نشيدي...‏

... ... ...‏

فرحٌ بحَتْفِ الحلمِ تصطادُ البنادقُ برجَهُ‏

ما سرُّ هذا الحلمِ تنشئهُ يدٌ مشلولةٌ‏

وتزفّهُ الأفعى لنومٍ هادرٍ كالمجزرهْ؟‏

لم أستطع تحديدَ شكلِ الموتِ،‏

كانت لعبةٌ:‏

الآن من يرمي بنَرْدِ نبوءةٍ حمّلتُها تَمْرَ الخيانةِ‏

والشّذوذَ بقامةِ الفقراءِ؟‏

من يُدْلي بحكمتِهِ ويأخذني على فرس الكلام ملوّحاً‏

للقادمين من الخلايا قبل أن يستفحل الدّودُ‏

المصهيَنُ في دماغ أجنَّتي؟‏

خُدشَتْ رؤاي، لأيّ ليلٍ سوف أمضي باللّغاتْ؟‏

هل أجدبتْ؟‏

أم أنّه عضوُ الخنوع يفضّ عورات الأغاني؟‏

أنا لست مؤتَمَناً على أنثى العناصرِ عندما‏

يعلو على أطلالنا شَبَحُ الزَّمانِ‏

ولكلِّ طهرٍ إثمهُ‏

ولكلِّ إثمٍ طهرُهُ‏

ولكلّ ميتٍ لا يغنيّ عذرُهُ‏

ولكلّ نجمٍ لا يعريّ سوأةَ المأساةِ عذرٌ.‏

للَّذي نسي الهوى عذرٌ‏

وللمكسور لا يجدُ الرؤى عذرٌ‏

وللجسد المعطَّر لا ينام مع الزّمنْ‏

لكن... بحقّ جنازة الأضواء فينا‏

وبحقّ قبر الفكرة المنهوبِ سرّاً‏

وبحقّ من قُطِعَتْ يداه لترفعا قمر السّلامْ‏

وبحق من في المهد طالته أفاعي الحربِ فابتدأ الكلامْ‏

وبحقّ منْ... وبحقّ منْ...‏

ما عذرُ من باع الوطنْ؟؟؟‏

... ... ...‏

فَرِحٌ بما أوتيتُ من موتى/‏

عليكَ شتيمتي يا عالم الأشباحِ،‏

هل ما زلتَ تزني بالعذارى؟‏

والروح هل ما زال يشرقُ فيكَ نارا؟‏

والسيّدُ الحاخامُ هل ما زال يَقْرَأُ عندنا سِفْرَ الحياةْ؟‏

وعليك زهرُ تحيَّتي يا شعرُ‏

قلبي تالفٌ بشعاعكَ السّحريِّ‏

لا ترحمْ ولا تندمْ فأنت محكَّمٌ‏

اسحبْ ضلوعي من مراقِدها‏

وخذ ثمرَ الفصول المنحني للرّيح‏

لم يُكملْ دمي إيقاعَهُ إلاَّ على مرآكَ‏

هل أفُقي أفاقَ على قدومِكَ مستفيضاً بالتَّلاشي‏

في ارتعاش الحبِّ؟ أمْ قلبي أطالَ عويلَهُ حتَّى‏

مللتَ تزورُه؟‏

مولاي ألْقِ على الكلام عباءةَ الميلادِ،‏

لستُ مقنَّعاً إلاَّ بما اختار الفضاءُ لهيكلي الرُّوحيِّ،‏

لستُ أبيع كأسَ دمي بأنهار الذَّهَبْ‏

لو لَفَّني عطشٌ... ولستُ أذيعُ أسرارَ القصيدةِ عندما‏

تأتي وأطردُها فتدخلُ كهفَ جمجمتي وتسكنُ دون أن‏

أدري، تلمُّ وحوشها وتصيدُ غزلانَ الزَّمان، وتنتشي‏

برحيلِ محراثٍ على جسدي... وتؤمنُ أنه حقلُ الغناءْ‏

أأذعتُ أسراري؟ عليكَ تحيَّتي يا شعرُ‏

هذا السرُّ مفضوحٌ وقلبي تالفٌ بشعاعكَ السِّحريِّ‏

أنتَ جناحيّ الأزليُّ،طيِّرْني وحلَّقْ فوق أشباح الدّماءْ‏

واقرع بأجراس الجنون أجئْكَ منذوراً لمعبدكَ المُنيرْ‏

يا لؤلؤَ القلبِ الفقيرْ...‏

... ... ...‏

فرحٌ بما أُوتيتُ من موتى، ذبولُ الياسمينْ‏

قلبي، وقلبي نارُ كلِّ الآثمينْ،‏

فيه، يتوب عن الحياةِ ولا يتوبُ عن الحنينْ‏

لعراءِ مملكةِ الصّدورِ، ورقْصِ عُرْي العاشقينْ‏

في الماءِ. قلبي... آه يا قبري وقبرَ العالمينْ.‏

... ... ...‏

أنا لستُ جمهوريّةً للطُّهرِ،‏

لا أميّ توسِّدُ طفْلَها المنبوذَ كفَّيها‏

وليستْ تلكَ عذراءً‏

وليست (نجدُ) صحراءً لجيش الأنبياءِ‏

وليس قلبي قِبلةً للنُّور‏

إنّ السّورَ متَّسعٌ ليشملَ أمَّةَ الأقداسِ،‏

لا لغةٌ لتثقُبَهُ ولا سَهْمٌ يفكُّ قيودَهُ‏

واليأس أطلَقَ في الفؤادِ جنودَهُ‏

القلب طميٌ في ضفافِ اليأس مرميٌّ يضيء نشيدَهُ‏

في هوّة المنفى... غداً قلبي يسبّح باسمِ قاتِلِهِ‏

غداً طفلي تغلّفُهُ المقاهي:‏

/ يا نصيبٌ يا نصيبٌ، عاشَ مولانا/‏

غداً أنثاي تحلمُ بالبريقِ‏

غداً سينكسرُ الذي يبقى من الأقلامِ في شفتي‏

غداً يتصاعدُ الزّلزالُ حتَّى يبلغ العصفورَ في قفصي‏

غداً يمشي ملائكةٌ كرامٌ خلف نعشي ضاحكينَ‏

غداً أرمَّمُ أو أحطَّمُ ... كلُّه كونٌ‏

غداً جسدي كلامٌ في الحديدْ‏

وأنا بما أوتيت من موتى أسيّجُ جثّةَ الزَّمن الجديدْ‏

... ... ...‏

دعْنا لِمَا ينهارُ فينا يا ابن قاتلةٍ‏

تطوفُ بكعبها فوق الزّهور المهملهْ‏

دَعْنا على سَفرٍ، على سقرٍ، غبارُ الموت يحشونا‏

ولا يصلُ الشهيد لقبره إلاّ وزوجتُهُ تبيعُ ثيابها‏

لتضيء ساقاها ظلامَ جزيرةِ الأعداءِ،‏

والأعداءُ كانوا بذْرَةً لصعودِنا،‏

صعَدَتْ، فصرنا جنّةً لثمارها‏

جَدَلٌ يكذَّبُ أو يُصَدَّقُ، غيرَ أنَّ عدوَّنا فينا وتلكَ المسألهْ‏

جئنا إلى العرس المهيَّأ، ساقنا مطرٌ إلى حجرٍ،‏

جلسنا بانتظار بكارةِ الرؤيا، ففاجأنا العريسُ‏

ينوسُ في ساقين صهيونيتينْ‏

قُلنا خُدعنا مرتينْ‏

وغداً سينهضُ أولُ التكوين يختمُ آخرَ التًّكوينِ،‏

قابيلٌ وفرعونٌ‏

وهارونٌ ومأمونٌ‏

واسحقٌ ورابينٌ..‏

ستسحقُنا الضّلالةُ كلَّما هبَّ النَّسيمُ من البحار الأجنبيَّة‏

والقصيدةُ سوف تغلبني بنثرِ ثيابها فوق السريرِ‏

ولستُ لستُ مقنَّعاً‏

هذا إذاً قلبي غداً...‏

قلبي غداً روحٌ بلا جغرافيا‏

فكرٌ يهندسُهُ إله المافيا‏

شعرٌ يُضاعفُ هوَّتي‏

إذْ كلُّ حرفٍ صار فيَّ مَهاوياَ...‏

وغداً ستطلع ربَّةُ الملهاةِ من رحمِ الشَّتاتْ‏

يستنطقُ الحكماءُ أوثانَ النجومْ‏

عن معجزاتٍ أنشأتْ مدناً من القصديرِ‏

والتكفيرِ والتخديرِ... آهٍ يا نجومْ‏

في أيِّ معركةٍ ربحنا فكرةً أو فأرةً؟‏

وبأي جنّازٍ رفعنا آيةً للزَّهرْ؟‏

في أيِّ زاوية حُشرنا بانتظار الحشرْ؟‏

والعصرِ، إنَّ الكائناتِ وكوْنَها في خُسرْ‏

إلاَّ الذين تلوّثوا بالفقرْ...‏

في أيِّ معتقل ُرزمنا مثل كيس الفجر؟‏

في أيِّ العروشِ رأى الفضاءُ نقيضَهُ؟‏

كلّ العروشِ نقيضُنا كلّ العروش‏

ويدُ الجيوش مع الجماعةِ، كلنا رقصٌ لايقاعِ الجيوشْ‏

نُهبتْ خزانةُ عمرنا وانسدّ بابُ العمرْ‏

وتقيأتْ روضاتُ أطفالِ الفؤادِ شطائرَ الزَّيتونِ‏

وانْحَطَمَ الفؤادُ بما لَدَيهِ‏

وما لديهِ: غدٌ تسرَّبَ وانمحى كجنازةٍ‏

أكلَ الخريفُ مشيِّعيها‏

لمْ يبْقَ فيها/ إلا بقايا قبرْ...‏

... ... ...‏

بيدي أشرت إلى القبورْ‏

قبرٌ لهذي الأرض، أرضٌ للقبورْ‏

هبطَ العبادُ على توابيت المساءْ‏

كان الهواءُ يشعّ أسلحةً لتلبَسَها العظامْ‏

الروحُ لا يعلو على هذا الخرابْ‏

والروح بورْ‏

قبرٌ/ قبورْ‏

هيّا نفتشْ في جماجمنا‏

عن لعبة أخرى تجمِّعنا‏

وتعيدُ للرّيح الغيومَ، هُنا‏

يستوقفُ القتلى خيولَهُمُ‏

ويعاتبون الفجرَ أطلقَهُمْ‏

من خصر بركانٍ... هنا وطنٌ‏

يمشي على عكّازة وطئتْ هشيمَ غنائنا‏

هيا نفتش عن هجاءٍ للَّذي‏

سمَّى الدّخان نوافذا لهوائنا.‏

كنّا بعيداً لا نضمّ من الغناء سوى الغناءْ‏

والشعرُ بابٌ للدّخولِ إلى الرَّحيلِ، ولا عبورْ‏

عبَرَ المغنيّ هوّةً أولى، ففاجأهُ سقوطُ الأفقِ‏

من فوق الجسورْ.‏

يا جنّة غنَّتْ وما التمّتْ، وحنَّت للقيامةِ،‏

سوف تنهشك النّسورْ‏

ويضيء جوفَكِ بَرقُ هذا اللَّيلِ، فانفتحي‏

لقافلة الجياع من الطيورْ.‏

... ... ...‏

قبرٌ لهذي الأرض، أرضٌ للقبورْ.‏

قال المغنيّ: إنَّ صوتي سلَّمٌ‏

هشَمَتْه أقدامُ المراثي وهي تصعَدُ،‏

قال: أبعدُ ما يكونُ الموتُ عن جسدي، ولكنّ الظَّلامْ‏

أرخى على الأطرافِ نعشاً من نعاس هائمٍ بين العظامْ‏

فرأيت في حلمي: تولولُ نسوةٌ في القلبِ/‏

والأطفال هيَّجَهُمْ دمٌ يهوي على رَكب الأنامْ‏

سأنامُ تحت الجمرِ، يصحو في أصابعيَ اللَّهيبُ‏

وأغيبُ في هذيان مملكةٍ يعمّرها الجنودُ،‏

أغيبُ في أممٍ تذوبُ.‏

تلك الشَّظيّةُ أيقظتْ وحشَ الفراغِ،‏

وكنت أحلفُ أن أطيرَ وراء أعراسي، ولكنّي أتوبُ...‏

يا وردةً سُرِقَتْ، ويا أرضاً ستنكرني كثيراً،‏

مشرقيٌّ من يُغطي صدرَ أنثاهُ وقد ثقبَتْهُ‏

قنبلةٌ أضاءَ بها الغروبُ، وغابةُ الأشجارِ‏

تحصدها الذئابُ، وأمةُ الأشعارِ يحضنُها المغيبُ...‏

عذبْ تراتيلي حبيبي‏

إن كنتَ من صحراء أغنيتي،‏

وعذّبْ زهرةَ العشّاق تذبلُ في القلوبِ‏

خذني إلى مصباحك السّحريِّ، بالأسرار توقدُهُ‏

وتطلقُ غامض الأشياء من كهف الغيوبِ‏

خذني ولو جسداً لنومكْ....‏

تأويل شكلِ الضوء في ظلمات حلمكْ...‏

إسراؤنا في وحشةِ الصَّبوات يَسْري،‏

والحبيبُ بملء خنجرهِ حبيبٌ،‏

لم نزل وطناً تجافيه الجذورْ‏

قبراً لهذي الأرض، أرضاً للقبورْ.‏

من جاء من سَعَفِ النخيلِ وقال هذا الوقتُ أخضَرْ؟‏

من عدَّ أسماءَ اليتامى في جلودِ الرَّاحلينَ،‏

وقال طفلُ الأرض يكبرْ؟‏

قبرٌ لهذي الأرض، قبرٌ للصعودِ، وللخروج من الجنونْ‏

قبر ستتضحُ البلادُ به وينكمشُ الفضاءُ له، وتغشاه العيونْ‏

قبرٌ ستحفُره الأظافرُ والجفونْ‏

قبر سنمنحُهُ الذَّبائحَ والفضائحَ،‏

أيّ وقتٍ كي نرمّمَ كذبةً للرُّوح؟‏

أو نَهَبَ القتيلَ هويّة أُخرى؟‏

ألمْ نَرَ قبّةَ الأرحام تذوي بالأجنَّةِ؟‏

ثم تنفصلُ الكواكبُ عن مجرَّتها؟‏

تشيّعُ من تودّعُه الرّمالُ؟... هو الجنونْ:‏

يوحي بهاويةِ الجهاتِ، هو الجنونْ‏

سيكونُ مالكنا الرَّحيمَ، هو الجنونْ‏

ويدقّ أبوابَ المدائن والقرى، ويخاف منه العاشقونْ‏

ونرى القبائلَ أطفأتْ قنديلها المنسيَّ في مطر يخونْ.‏

مطرٌ.../ ويا (سيَّابُ) كان الرَّبُّ يبكي جنَّةً هُجَرتْ،‏

وشباكُ الحبيبة زهّرتْ فيه الأفاعي، يا مطرْ‏

من كيمياءِِ النَّزفِ هطلُكَ، كيف يزرَعُ والدٌ‏

في الرّحمْ نظفَتَهُ، وماذا يُدَّخَرْ‏

في ليلةٍ حُشرتْ بها الديدانُ والغربانُ والعربانُ،‏

واحتقنت خلايا الحلم بالقيحِ المريرِ،‏

وسادنُ الأشباح خانته المعابدُ،‏

فالهياكل أقفَرَتْ، وجلالةُ الصَّنَم انكَسَرْ؟...‏

مطرٌ مطرْ‏

(( كذَب الغمامُ على ضحايانا))‏

فأين الآن نخفي زيفَ رؤيانا؟‏

هنا الجيرانُ نامت قطّةٌ في بابهم، واستيقظت غولاً،‏

هنا الفقراء: أكبرهُمْ بلا رأسٍ وأصغرهُمْ بلا عرسٍ،‏

وهذا الفصلَ لم يُقطَفْ ثَمَرْ‏

فالوقت جنّاز الزّهورْ...‏

... ... ...‏

قال المغنيّ: كنتُ ذات جنازةٍ أغلقتُ عينَ أبي،‏

وقلت سنحتفي بكَ عندما يدنو النّشورْ‏

والآن، عينُ الأرض ناتئةٌ إليَّ، أقولُ أغمضُها،‏

ولكنْ عينُها الأخرى تدورْ‏

فأشقُّ حنجرتي وأصرخُ في المدى:‏

قبرٌ لهذي الأرض، أرض للقبورْ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244