تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(مرثية لذاكرة القرن)

تشرين الأول- كانون الأول/1990 آذار/ 1991‏

/1/‏

سأقولُ: امرأةٌ تزوَّجت امرأةْ‏

ذكرٌ تزوج من ذكرْ‏

ولدٌ أطاح بأمِّه‏

وأبٌ يبيعُ بناتِه ليلاً ويبكيهنَّ فجراً...‏

/هكذا مرثيتي/‏

... ... ...‏

منذُ اندلاع اليأس من أظفارنا‏

منذُ انكسار الحلم فوق نهارنا‏

قالوا لسيرتنا خذي مسعاكِ في ماءٍ وأشجارٍ.‏

وحين تموّجتْ أعضاؤنا عرساً،‏

هوتْ أممٌ على أسوارنا.‏

واستنفرت صحراؤنا شكّاً: لمنْ هذا الرَّبيعُ؟‏

وسيرةُ الطين المهين ذوتْ،‏

وأطلقتِ المراثي نسلها فينا.‏

ستتحد العظامُ بنطفة الميلاد، إذْ‏

تلدُ الكواكب سرّها العلنيَّ،‏

يشرقُ من ضفافِ جنازةٍ قمرٌ.‏

وهذا وقتُ ما يهوي ليهوي،‏

سرُّ ما كانت شعوبُ اللَّيل تنسجه لأيام الشتاءْ...‏

... ... ...‏

أشرعتُ ذاكرتي لغزو الكوكبِ المصقول معدنُهُ،‏

رميتُ على جدار الجمجمةْ‏

صوراً لعشاقٍ تهادَتْ في أياديهم نواصي الوقْتِ.‏

لو أصغيتُ للأجراس لانقسمتْ خلايا الذَّاكرةْ‏

في حرب أصواتٍ تقودُ يدُ النبوءة خيلها‏

كلٌّ بما أبقتْ بقاياهُ يباشر بالغناءْ.‏

... ... ...‏

(ذو اللحية الحمراء) حدَّثني فقالَ:‏

/ستصرخُ الآلات، تُثري عائلاتُ المعدن الذَّهبيِّ،‏

ينكسر الفقيرُ، وتختمُ الفتياتُ أعراس الولادةِ.‏

خذ إذاً مرآةَ- رأس المال- واكشفْ غمّةَ الكون الفقيرِ‏

افتح لخطوتك الضّبابَ، ستحفُر الطبقاتُ مقبرةً،‏

وتصعد جمهرات الفقر من ليل المداخل، تلبسُ‏

الفتيات شهوتهنَّ، ينسدلُ الحجابُ على قبور الأنبياءْ/‏

(ذو اللّحية الحمراء) قال الدينُ أفيونٌ وأوغَلَ في التّرابْ.‏

... ... ...‏

هي قبَّةُ الميراث تحضنُ ما تُبعثرهُ القبائلُ،‏

كانت الأقوامُ تنحت للمدى محراثَها الخشبيَّ،‏

فانفتحت سجونٌ من خشبْ‏

وتذهَّبَ المحراثُ، فانفتحتْ سجونٌ من ذهَبْ...‏

ذهَبَ الكلامُ مع الغمام، وعائلاتٌ فاجأتْها الرّيحُ‏

تتخذ السواد وسائدا‏

وقصائدُ الأرحام تنشدُ في العويل قصائدا‏

فبأي حرب سوف نفتتحُ احتفالَ الرّوح؟‏

نحشد للخلائق ذَرَّةً أم ننتقي ذُرةً لمَنْ‏

تذروه كفُّ الموت في مذراة مأساةٍ؟‏

هويْنا، وانحنينا تحت باب الأرض حتَّى‏

يعبر السرطانُ مملكةَ الهشيمْ...‏

إيقاعُ يا إيقاعُ، ألْقِ على هياكلنا القرنفلَ والغلالَ،‏

سترتدي مدنٌ ملامحَ فاتحيها،‏

يكملُ الفقراءُ سيرتهمْ، ويسفحُ كلُّ جوريٍّ عبيرهْ.‏

وأنا أغافل زهرةً الكون الصغيرة:‏

/مدي لهاثكِ في رئات القادمين من الغيابْ‏

وخذي منازلنا، وكم سقطتْ سقوفُ ربيعها‏

وخذي خرافَ الحلم إذ يتشقَّقُ الأطفالُ تحت ضروعها‏

وخذي الشروخَ الآدميةَ، إذْ نرى الملهاةَ تسند أرضَنا‏

فيسيل فحم تنتشي منه الجهاتْ‏

دارُ الفصولِ تيتَّمَتْ بشريّةٌ فيها، وباعتْها الحياةْ‏

وَغَدٌ يلوّحُ، دولةٌ مطريةٌ تحبو، تضمُّ النَّاهضينَ من الحرائق‏

وهناك أبصرُ عالماً يدنو إلى شرفاتِنا‏

ويضيفُ أمواتاً إلى أمواتِنا‏

والحبُّ يطفىء نارهُ بعد العشيّات الفقيرهْ‏

يا زهرة الكون الصَّغيرهْ/‏

... ... ...‏

(ذو اللّحية الحمراءِ) دون رؤىً رأى، وأنا رأيتُ‏

وبكى، وإني قَبْلَهُ سرّاً بكيتُ‏

فمضى، ولكنّي أتيتُ‏

لأقول: امرأةٌ تزوّجتِ امرأةْ‏

ذكرٌ تزوّجَ من ذكرْ‏

ولد أطاح بأمِّه‏

وأب يبيعُ بناتهِ ليلاً ويبكيهنَّ فجراً...‏

هكذا قرن تجوهرْ‏

كلٍّ يباشرُ بالغناءِ وقد تعثَّرْ‏

.... ... ...‏

ورأيت (ذا الكوفيةِ الحمراءِ) باركَ جندُهُ قَصْرَ الشّتاءْ‏

فرفعتُ للأرواح كوخاً من شقاءْ‏

... ... ...‏

طيري بخابيةِ المراثي يا شعوبْ‏

إذ كلُّ فخّار سننقُشُ فوقَهُ شِعراً تدوّنُهُ القلوبْ‏

وعلى مشارف فجرنا‏

عهدٌ لخطواتٍ الطفولة حين تَعْثرُ بالحروبْ‏

فيهيءُ الآباءُ هاويةُ بحجم الكون...‏

عهدٌ طيبٌ قدْ يرفَعُ الفقراءُ هيكَلَهُ،‏

وعهدٌ غائبٌ سيلملمُ الأمراء ساحتَهُ،‏

وينسحبون يقتسمون مجداً هاوياً في ظلّ صفصاف الغروبْ‏

عهدٌ يباشر نَصْبَ أعمدةٍ الكيان الآدميِّ،‏

يتوّجُ الرّؤيا بشمس نهاره‏

من أينَ هذا الليلُ يَدْخُلُ كالغبار من الثّقوبْ‏

وعلى صدور النائمين، وفي الأصابع منهُ زوبَعةٌ‏

تشعّ به السّجون، يتيه ذئبُ الرّوح في أسرارِه‏

عهد توالد عهُرهُ في كلِّ ضاحيةٍ‏

وكلُّ حديقة يبسَتْ لَهُ أشجارُها‏

وترحَّمتْ سرّاً على أمطاره‏

إذ طاف (ذو الكوفية الحمراء) في نهر الفصولِ‏

يوزّعُ الأشواك من أظفاره‏

هل يعتلي عرشَ الفضاء ليغزل الشّعراءُ رؤياهم على أوتاره؟‏

... ... ...‏

ها تنحني خطواتُ أجدادي لشيطان الرَّمادْ‏

قبري يضيقُ، وفيه تتَّكىءُ البلاد على البلادْ‏

يستعمرُ الوثن المدنَّسُ تربة الروح الشَّريدْ‏

ويغيبُ في ليل تُمَدَّدُ فيه أعضاء العبادِ‏

كأنَّها التّابوت ينبض بالسَّوادْ‏

مَن كان من حجرِ، ففجرٌ من حَجَرْ‏

مَنْ جاء من عِرق نقيٍّ فهوَ أقنومٌ يثلّثُهُ البشرْ‏

من كان من طين فلن يقوى على عشقِ المطرْ.‏

والأرض ترفَعُ قبّةَ الهذيانِ، تلتحفُ المدائنُ بالجنودْ‏

بالثَّلج... تحتَ الثَّلجِ كان الرّوحُ كَمّاً مُهْملا‏

والوقت طاغوتٌ تجلَّى واعتلى‏

عرشَ الجواري والعبيدْ.‏

... ... ...‏

هذا هوائي في مَهَبّ الفجرِ،‏

أغسِلُ فيه حنجرةَ الشّروق بجرَّةِ الأحلامِ‏

والأنهارُ عاريةٌ من الماءِ‏

الطفولةُ من أصابعها‏

النّساءُ من الولادة، والفضاءُ من الفضاءْ‏

فبأيّ معجزةٍ يباركنا الحكيمُ، وكيف تمنحنا دفاتُره القصائدَ؟‏

هل سيزرع ليلَنا باللَّيل؟‏

هذي فكرةٌ تمشي وراء المعطف الثَّوريِّ،‏

قبعةٌ تخبّىءُ دولةً تزهو بجمجمة فقيرَهْ‏

هي آيةٌ للحكمة الأولى الأخيرهْ‏

هي نفحةٌ للفجر؟ أم عرشٌ لسلطة فكرةٍ‏

جَهَرتْ بها أسنانُ آلات غفيرهْ؟‏

هذا صباحٌ هبَّ من أعضاء موتانا:‏

مشانقُ أم حدائقُ؟ ما الذي تزكو به الأعضاءُ؟‏

يكبرُ ظفْرُ أسئلتي يحكُّ جلودنا الجوفاءَ،‏

أبصر نخلتي خطفت ، وزهرة أمتي‏

سقطتْ على مستنقع الخلفاء...‏

يا أرضي ويا مائي ويا ذريّةَ الفقراءِ‏

لي هذا الشُّرود وراء هاويتي، ولي‏

ميثاقيّ الدَّمويُّ، هذي خطوتي‏

لي، جنَّتي لي، أسكبُ الصَّحراءَ في رئتي،‏

أشمُّ عبيرَ نجدٍ في جماجم صَبْوتي...‏

... ... ...‏

يا رافعاً في الرّيح جمهوريّةً حمراءَ،‏

يا اسراءَ ثلجٍ أحمرٍ فينا، سلامْ‏

الآن تكشف زوجةُ الأحلام عورَتَها، ولا يبقى هنا‏

إلاَّ الكلامُ يجرّ أشلاء الكلامْ...‏

/2/‏

مَنْ جرَّ أشلاءَ الكلام لتحملَ اللّغةُ الدَّفينةُ شكلَ قاتلها؟‏

حروبٌ كرّرتْ ميقاتَها‏

غشيتْ مراعي الخلق تحصدُ في الرَّبيع نباتَها.‏

أدمنتُ ملهاةَ الشَّظايا، والخنادقُ حول أعناق الكروم‏

تدورُ تملؤها الأفاعي‏

يا أمّةً ضاعت وضاعَتْ في الضَّياع‏

تدافعي في فجرِ حربٍ تستطيلُ كجثَّةٍ هتِكَتْ،‏

وشوهد نَتْنُها يهوي، ويهوي كلُّ ما يخُفْي‏

الضَّفادعَ في النُّخاع‏

يا أمّةً فتَحَتْ ذراعاً للهواء الأجنبيِّ،‏

فأجفلَ المُهرُ المحمحمُ في الذِّراعِ‏

خذي جذورَكِ من مدافنِكِ الجديدة،‏

ربَّما نَهَضتْ طفولتنا لتتبَعَ وجَه بارئها الحديديِّ،‏

أخُرجي من أوّل النَّخلات، واتَّخذي من الطَّاغوت غوطته،‏

أقيمي من خيولك سورَ سجنٍ،‏

هكذا: يأتي القناعُ إلى القناعِ‏

وينتمي الفقراءُ للفقر، القصيدةُ للصِّراعِ.‏

وتشيع أغلالٌ، ويستندُ الجياعُ على الجياعِ‏

هذا فضاء للتَّداعي...‏

ذاتَ احتراقٍ قلتُ/ هذه أمّةٌ هرمتْ/ فمَنْ باغٍ لينكِحَها؟‏

ومَنْ بالغيبِ متَّصلٌ لينفضَ شيبَها؟‏

قرن مضى، قرن سيمضي قبل أن تلدَ الصَّحارى ربَّها‏

والأعور الدّجالُ أدلى دلوهُ‏

ورأى كريّات الدّم العربيِّ فاسدةً،‏

فلقحَّها بـ(بيتٍ أبيضٍ) إذْ باضَ بين خضابها ذهباً‏

وقال: تباركَ الرّوحُ المدجَّنُ والمغيَّبُ دونَ أرضِ.‏

قرنٌ سيمضي‏

والحربُ لا تمضي، هي الحربُ التي تمشي وراءَ نسائنا‏

تهوي على أجسادِنا عَلقاً، يمصُّ سلالةَ الميراث بين دمائنا‏

والأمةُ انقسمّتْ: أمعجزةُ الفضاءِ تعيدُ للشَّيخ الصِّبا؟‏

أم- وحدةٌ- هزَلتْ عجيزتُها وضاجَعَها العدوُّ على سريرِ فضائنا‏

قرنٌ مضى، قرن‏

ونحنُ نعلّقُ البعثَ الوليدَ على جليد الوحي، أوْ‏

ننسابُ خلف سؤالنا العبثيِّ: هل (جبريلُ) يعرفُ‏

أين تُنْصَبُ خيمةُ القرآن؟ في أرض الجزيرهْ؟‏

أم في الضّفاف اليابسات من الغناءِ، يضيءُ فيها الوقتُ‏

شمعَتَه الفقيرةْ؟‏

... ... ...‏

أأذيعُ سرّاً إذ أقول لأمَّتي:‏

ضيقي. وهذا الأفْقُ أضيَقُ من شهيقي‏

ضيقي. فلا ورقٌ لنشعلَهُ لتتّحَد الحديقةُ بالحريقِ‏

ضيقي. وما أعلى السَّحاب، إذ التّرابُ‏

يبيعُ كوكبَهُ لصهيونيَّةٍ صُهِرّتْ بصلصال العروبةِ‏

ثمَّ صبّتْ شمسها في صحنِ مَشْرِقنا ومغربِنا الشَّفيقِ‏

ضيقي وضيقي، صعِّدي الجدرانَ أعلى بين أقطارٍ مقطَّرَةٍ،‏

ولا تُصغي إلى فَرَس البروقِ‏

ضيقي علينا، نحن كوخٌ عاشَ فيه الرّوحُ فصلاً عارياً،‏

نزفتْ أصابعُه ثلوجاً، واحتمتْ أزهارُ عينيه‏

بأحلام الرَّحيقِ‏

ضيقي على حلم العبيدِ يزوّجونَ إناثهم للنَّهر،‏

علَّ الشَّمسَ تُخرجُ كنزها من جثّةِ الجسَدِ الغريقِ‏

ضيقي على الأرحام، تحشوها المعادنُ ظلمةً،‏

وتُبيحُها لجلالة الوادي السَّحيقِ‏

هو أخطبوطُ العقم يزحَفُ، املئي فخذيكِ من جيفٍ،‏

وضيقي، ثمَّ ضيقي، ثمَّ ضيعي‏

يا أمّةً كفّنتُ جثَّتها فُلفَّتْ في ضلوعي...‏

... ... ...‏

هذي القصيدةُ أين تدفنُ وجهَها اللّغويَّ؟‏

والأرضُ الصَّغيرةُ أتخمَتْ صحراءَها جُثث اللّغاتْ؟‏

آنستُ فيها جذوةً عصَفَتْ بها ريحُ الجهاتْ‏

أألمُّها وأضيعُ في حربٍ تحرّرُ من مخابئها وحوشَ الكائناتْ؟‏

حربٌ تدورْ‏

حربٌ تئنّ عظامُها تحت الصّدورْ‏

حربٌ تدورْ‏

جثثاً يوزّعها الجنود على النّسورْ‏

حربٌ تدورْ‏

طاحونةً تُلقي إليها الأرضُ عيدَ حصادها، والأرضُ بورْ‏

حربٌ تدورُ ولا تدورُ، فمن يديرُ ومن يدورْ؟‏

والأفقُ مركبةٌ تضيءُ دماغَنا الطِّينيَّ،‏

نَنْذُرُ تَمْرَنا لتمرَّ.‏

نحن نطافُ هذا الكون، حشدٌ من لآلىءَ في جماجمِنا،‏

وليلٌ من خلودٍ تحتَ خيمتِنا،‏

فمنْ مِنَّا يؤوِّلُ: جمهراتِ الفقرِ،‏

أرصفةَ الصقيع، وسلطةَ الحزن الغفورْ؟‏

قرنٌ يثور، ونحن جِلدٌ يستطيلُ عليه ثعبانُ البثورْ‏

قرنٌ يثورُ، ونحن مملكةٌ من الثّيرانِ،‏

تنثرنا المهاوي أو تجمِّعُنا القبورْ‏

هل قالت المدنُ الفقيرَةُ فقرَها؟‏

هلْ قامت الأريافُ تنشىءُ فجرَها؟‏

فقرٌ وفجرٌ، والزّمانُ يقودُ أحصنةَ المكان إلى الخرابْ‏

ما كان فصلاً في مسيرة حلمنا هذا الخرابْ‏

هو فجرُنا الخشبيُّ ينخُرُ شمسَهُ دودٌ‏

وتشرُدُ فيه جائعةُ الذّئابْ‏

هو جيلنا المنسيُّ في النِّسيان، فوق رفوفِ هذا العالمِ‏

المنهارِ، يكتُبه ويمحوه الضَّبابْ‏

جيلٌ بلا عسلٍ، فما هذا الذّبابْ؟...‏

... ... ...‏

فتح الهواءُ ثقوبَ جمجمتي، فسالَ تراثُ تيهٍ،‏

كنتُ أبدأُ من خروج القيح من آذان مجزرةٍ،‏

وأبدأ من سحابٍ لا يلبّي لغزَ عاصفتي،‏

وأبدأ من ضلالاتٍ شربتُ حليبها المسمومَ بين‏

الصُّلب والأرحامِ...‏

يا جيلي المشوَّهَ والمهوَّشَ والمهمَّش والمهشَّم‏

كيف تُبعَثُ أمَّةٌ ما زلتَ ترقبُ كيف تبقُرُ بطنَها أممٌ؟‏

جدارُكَ واطىءٌ ياجيلُ،‏

أعلى منكَ برجُ اليأس والزّيف المعمَّمْ‏

أكفرتُ بالتَّوحيد والتَّثليث والتَّربيع والقسَم المقسَّمْ؟‏

يا جيليَ المشروخَ تلكُ فصيلةُ الأحلامِ قد فُصِلَتْ مفاصلُها،‏

وزُوِّرَ صوتُ كاهنها المعظَّمْ‏

وهوتْ توابيت الكواكب في يديكَ‏

وكلُّ تابوتٍ كتابٌ عن دخولكَ في طواحين الهواءِ.‏

وكيف تُهزَمْ...‏

... ... ...‏

أسلَمْتُ للطُّرقاتِ ذاكرتي، وأسرجتُ المراثي، قلتُ:‏

تيهي في المدينة، والمدينةُ كاسدهْ‏

هذا نهارٌ من مسيلِ الوقتِ أرصدُهُ وأفضحُهُ،‏

مشيتُ على أصابع فكري العاري،‏

الخلائقُ سرُّهُمْ عَلنٌ، وأكبرهُمْ بحجم الشاهدَهْ‏

وقرأتُ فوق جدارِ مقبرة هوى:‏

/الأرض: امرأةٌ عجوزٌ زُوِّجَتْ للذَّرَّةِ العمياءِ،‏

فاحتَفَلَتْ بمقتلها القنابلُ، صاحَبَتْ رحماً‏

تغسِّلُها الدّماءُ الفاسدَهْ/‏

أبصرتُ- كنّاساً- فقلتُ:‏

/قذارةُ الأحلام نحنُ، تعالَ وادخلْ في حدائق دهشتي‏

واكنس بقايا ليلة سكرتْ بها الأجداثُ، واسحبني‏

بعيداً عن ملامح أمَّتي/‏

في آخر- السّوق- المقنَّع بالطَّهارة، كان شيخٌ‏

يحتمي بهزالِهِ/ يا بائعَ الآس العجوز،‏

بأيّ مقبرة ستدفنُ؟/ قالَ:‏

/عند اللّيل أفتح جثّتي‏

فيسيل أطفالي: أشيَّعُ فوق أيديهم، وأُحشَرُ في‏

صفوف الأنبياء، معي رغيفٌ قد يرمِّمني إذا‏

ما الجوعُ أذَّنَ في خرائبِ جنَّتي/‏

... ... ...‏

هي وحشةٌ تنمو، وذاكرةٌ يزهّرُ في زواياها ربيعٌ من شقاءْ‏

فأقول للشّعراء: كيف نذيعُ أسراراً دفنَّاها‏

مع الأموات، نرفَعُ عن جماجمنا غطاءَ الحّبِّ،‏

ننشرها على اسوار ، نلقيها بآبار الدمار؟‏

فسمعتُ ((إليوتْ)) في الزَّمان الهشِّ يدعونا‏

الرجالَ الجوفَ، يسكُبنا بأرضٍ ترضع اللّعناتُ‏

من أثدائها، وتموتُ آلهةٌ على أردافِ معبدها،‏

وتُتَّخَذُ النّساءُ بها سقوفاً للسّجونْ‏

أرض لها بصّارةٌ ينمو بها بصَلُ البصيرةِ يابساً‏

يأتي إليها المؤمنونْ‏

لكنها امرأةٌ تعلّقُ جوقَةَ الحكماءِ من خيط الجنونْ‏

هنّ العجائزُ ينتقين غداً لأمتنا، وكيف تكونُ أمَّتنا،‏

وكيف غدٌ يكونْ...‏

هذا زمانٌ عجزُهُ في معجزاته، أيّ عكّازٍ سيسنُده؟‏

وكيف يحنّ فيه العاشقونْ؟‏

/هذا زمانٌ- مثلما- يتخيَّلونْ/‏

يا أرضنا تيهي وراءَ نبيِّنا الأعمى، فإنَّا تائهونْ‏

/3/‏

سأقول: امرأةٌ تزوَّجت امرأةْ‏

ذكَرٌ تزوَّج من ذكرْ‏

ولد أطاح بأمِّه‏

وأبٌ يبيع بناتِه ليلاً ويبكيهنَّ فجراً...‏

هكذا قرن سيمضي‏

هكذا مرثيتي تمضي...‏

فمن يبكي عليّْ‏

والقرنُ يَهْرُبُ من يديّْ؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244