تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الجفاف

آذار/ 1991‏

كان على الأنهار أن تعودَ نحو أرضنا...‏

كيف رمت ضفافُها حصى النَّهارِ؟ شُرِّدَتْ‏

أسماكُها في رحلة الصقيعْ؟‏

نمشي إلى الماء، جلالةُ الزهور خلفنا‏

تعرى من الرّبيعْ‏

كان على القلبِ- وقد ضاقَ به الفضاءُ- أنْ‏

يستولد الهواءَ من وريدهِ من قبل أن يضيعْ‏

هل كنتُ أجمَعُ السّحابَ في يدي؟‏

هل كان ومضةَ السَّراب جسدي؟‏

أم زبدُ الأحلام في ذاكرتي يلون الزمنْ؟‏

هذا خروجُ الليل من أصابعي‏

شرودُه خلف الغزالات التي‏

ترعى نسيمَ الأرض والوطنْ‏

هذا بكاءُ اليتم تنتشي زهورُه هنا‏

على ضريح شيخيَ السَّاكن في أجنَّة الكَفَنْ‏

جاء إليَّ في الظّلام، قال: أين صبوةُ الأنهار يا بنيّْ؟‏

وضمّني، وكاد أن يقرأَ في عينيَّ آيةَ الرَّدى‏

وكاد أن يمسحَ جبهتي يقينُ نوره‏

لولا انكسارُ الحلم في يديّْ...‏

... ... ...‏

ترفَّقي باليابساتِ من قصائد المدى‏

يا ريحُ... شلَّ الفقرُ بستانَ النَّدى‏

روحٌ تغطي بؤسها‏

بقمحها اليابس، كفٌّ من رحيقٍ تنتهي‏

في حَجَرٍ ينزلُ فى أرضٍ تجفّ شمسُها.‏

كان على الأنهار أن تمشّطَ التُّفَّاحَ في منامنا‏

توقظُ جمرة الحياة تحت موحش الفصول في‏

أي نار تسرجُ الأسرارُ جوقَةَ الخيولْ؟‏

وأيّ رملٍ ذرَّهُ الخريفُ ذاتَ ليلةٍ على الحقولْ؟‏

فأجّلتْ أرحامُنا ميقاتَها‏

وأمّةُ الطّلولِ أرْختْ شَعرَها الأبيضَ خلفَ ظَهْرِها‏

وهبطتْ للعالَمِ السُّفليِّ أمّةُ الطّلولْ...‏

أوقَفها الحرّاسُ: ماذا تحملينَ؟‏

- سيرةً بها اكتويتُ، لفَّني خواؤُها‏

جرى عليَّ ماؤُها الحامضُ، ضاعَتْ من يدي أسماؤها‏

لم يبقَ غيرُ الشَّيب من ميراثها‏

- لأي عهدٍ تذهبينْ؟‏

- لعالمٍ ينسجُ من ضفائري شمسَ الهدى والياسمينْ...‏

... ... ...‏

هذا حلولُ الأرض في تابوتِها‏

تمدّدتْ، صلّى عليها المتعبون، والَّذين هاجروا‏

وعابدوا ظلالها ورافعوا تمثالها‏

الأرضُ: إرثُ الروحِ، ما أثقلَهُ‏

حين هوى الملاكُ بالبشرى على أشباحنا‏

وقال: طوبى للَّذي يخرج أثقال التراب‏

الأرض : كوخٌ مات فيه الحالمونْ‏

كوخُ يزفّ الرّعبَ للأحشاءِ، تُلقي فيه أصنافُ الغرابْ‏

بيوضَها، وتحتمي به الرّياحْ.‏

الأرض: إرثٌ للوجوه الخائفةْ‏

ترفَّقي بنا إذاً يا عاصفهْ‏

في ليلةٍ تهاجرُ الأسماكُ عن أنهارها‏

وتدخلُ الأشياءُ وهمَ نارها‏

وتهتدي ذاكرةٌ بجوهرِ اليأسِ الَّذي يشعّ في أسرارِها.‏

ترفّقي بقمح أغنياتنا‏

بالصَّلوات تنحني في معبدٍ‏

يخبىءُ العشّاقُ في جدرانهِ أسماءهم ويسقطونْ‏

ترفَّقي بنا، بهم، فكلُّنا مستضعَفُونْ‏

وكلنا مهاجرٌ بين العيون والعيونْ‏

نجيءُ من مغاور الظَّلام، نرثي جمعَنا‏

ينهضُ منَّا الوقتُ هاوياً إلى وادي الجنونْ‏

كأنَّنا ماضٍ من الوحشةِ، أو غَدٌ على إيقاعِهِ‏

تستيقظُ الأطلال من جثمانِها‏

لا سحر في ألوانِها‏

تعزفُ فيها الجنُّ حكمةُ العدمْ:‏

/هذي شعوبُ الذكرياتِ زُرِعتْ على مدى خريفها‏

هذي مراثي الشعر تملأ الفضاءَ المستعادْ‏

هذي جنازاتُ الرمادْ‏

يقتلُ فيها أولُ العبادِ آخرَ العبادْ/‏

... ... ...‏

تهاجرُ الأنهارُ والأسماكُ والأطلالُ والشعوبُ والقلوبُ‏

في مرثيّة جديدهْ‏

والأرضُ- إرثُ الرّوح- تُحْيي جثَّةَ القصيدهْ‏

يمشي المغني في بروق صوتِهِ‏

يحمل نعشَ الأمة الشَّهيدهْ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244