تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

آدم... ووقت للردة

شباط/ 1993‏

تموز/ 1996‏

واكتشفنا داخل الصَّمت خيالاً مخملياً‏

كتبَ العاشقُ فيه بضعِ آياتٍ عن التفَّاحِ‏

إذ يقطِفه آدم من حلم امرأةْ‏

لم يكن نقشاً خرافيّاً، ولكنَّ عبيراً ملأ الأنفاسَ،‏

فانسابت ورودٌ تقرع الأجراس للعشّاقِ...‏

لم نبصرْ سوىكفّ تدلَّتْ من فروج النّبعِ‏

ترخي خاتمَ العرسِ‏

وتلقي ذهبَ الجنسِ على رابية الأنثى،‏

ولم نقرأ ولكنا قُرِئنا‏

فاستجاب القلب للخطوةِ‏

يا آدم كوّنا إذاً ثانيةً،‏

الكون منسيٌّ على ضفّةِ حرب تسرق الياقوتَ‏

من أعناق قتلانا...‏

أَمَا تسمعُ جمر اللّيل يدعو قمرَ الهجراتِ‏

أم تلمس أشلاءَ جمعناها‏

وأوقدنا على ظلمتها قنديل ماء طازجٍ‏

آدم كوِّنا وقد نسقطُ حتَّى... لا قرارْ.‏

سطوةُ العقم تمادَتْ‏

وأبادَتْ عرباتُ الثَّلج أزهاراً‏

وما خبّأه الأطفال في ليل الجِرارْ‏

ملكُ الأحجار غطّانا بصبار بياناتٍ نرى جمجمةً فيها‏

ولا نلمس فيها بذرةً تنشيءُ أَعضاءَ النَّهارْ‏

نحن فردوسُ ليالٍ مال نحو الظّلِّ‏

لا ترم علينا- بعدُ- من موعظة الأسرارِ‏

ما يبقي على هذا الهشيمْ‏

وارم من غيم مزاميرك ما يكمل فينا عشبة الأسئلة الخضراء‏

قد نخلو من العشّاق بعد الآن‏

قد ترتطمُ الأرضُ بأبواب الجحيمْ‏

جاعت الأرضُ‏

ذئابُ اللَّحم هذي الأرضُ‏

حوذيٌّ جبانٌ هذه الأرضُ‏

وقدّاسٌ تناولنا به خُبْزَ الغبارْ‏

لُمَّنا يا آدمُ الآن،‏

غداً مجمرةُ الرّوح ستذروها الرّياح الوالغةْ‏

في دمانا...‏

يا أبانا كم جنى والٍ على خرفانِهِ‏

كم جنّ أطفالٌ من الوالي‏

وباعوا زهرةَ العمر، وساروا خَلْفَ‏

أشتات الدّيانات وأزياء الفراغْ‏

خذ يتامى القمح نحو البيدر الأولِ‏

خذ طفلي وعمّدْهُ بنورِ الفطرة الأولى‏

وخذ قلبي وأنعشْهُ بروح الأمم الأولى...‏

خلعتُ الآن جلدَ الزَّمن اليابسِ‏

واستأنستُ بالحاضر إنْ يشعلْ لهيبَ الشَّاعرِ الآتي‏

رميتُ القّبعات الزائفةْ‏

عن رؤوس الكلماتْ‏

وأنا عار ومن نارٍ إلى نارٍ سأهدي لغتي‏

لا غامضُ الأسرار فيها، لا غبارٌ في أوانيها،‏

أسمَّي حكمتي‏

أعطي مزايا اللّه للمنجل في كفّ القصيدهْ‏

أمزجُ العالم بالطّين السَّماوي المصفَّى‏

وأنا أجلس فوق الماءِ، هل أُدْعى شهيدَ الماء‏

أم أُدْعى شهودَهْ؟‏

أنا يا آدم طفلٌ برعميُّ اللَّغوِ‏

لا أطوي يدي إلا على الأزرق يغويني فأسعى‏

في براري اللون مسفوحاً بأشواقي الجديدهْ‏

لمّني قبل اندلاعِ التّيهِ من كوكب أطرافي الشَّريدهْ‏

أنا بالعشق بنيتُ الدَّرجَ الموصلَ للبحر المسجَّى‏

بين كفي ربةِ الأسماء أجريتُ دمي بين يديها‏

لتعود اللهفةُ الأولى إلى برج الحمامْ‏

أنا أضواني اشتعالُ البَرْق في ليلٍ رمَتْهُ‏

امرأةٌ لمَّا ارتمينا في سديم الخَلْق...‏

ما أبقتْ فروض المعبدِ المنخور من قاماتنا العليا‏

سوى خفض الجناحينِ، ومسخٍ من كلامْ‏

ويضيقُ الحقُّ في شرياننا‏

خُذْنا بعيداً عن هواء الانقسامْ‏

واقرأ الحبَّ علينا... والسَّلامْ.‏

***‏

واكتشفنا داخلَ الصَّمت جدارا‏

صلبَ العالمُ فيه روحَهُ الأولَ.‏

يا أنثايَ، مَنْ في لحظة الحَرْبِ‏

سيُنبي عن جموع الحبِّ قلبي؟‏

هل ربيعٌ صار ينبوعاً فنسقي من عروق الرّوح ما جفَّ؟‏

أمن فاتحة الاشياء أن نقذف تحت العجلات الملكية‏

أُمَةً ترضى بما يُرضي رضوخَ الأبجدياتَ الرَّضيةْ؟‏

تتخفّى في حواشي بؤسها عائلةً تكتبها الرّيحُ‏

بحبر العدمِ الطّافح بالدّم وأشلاءِ الضَّحايا‏

نحن من تيهِ وُلدنا وإلى تيهِ دُفعنا‏

تلك يا أنثاي أطوارُ النّهايات‏

احملي الطفلَ إلى أعلى من الأرضِ‏

لعلّ اللّيل يرعاهُ‏

لعل الأب تمشي في خلاياه بقايا رحمةٍ محتشدَهْ‏

والداً أنشأ من طينٍ فقير ولدَهْ...‏

... ... ...‏

كان آدَمْ‏

عاكفاً في قبْةٍ زخرفها البَردُ‏

يؤاخي بين عينيه ويستقرىء أحوالَ المرايا‏

آه يا حوّاء... ضلعي لم تزل تنقصُ‏

فلتكتمل الأشياء من دونيَ‏

وليعو كذئب الثّلجِ عالَمْ‏

ليكن أطفالُ قلبي ورقاً من كتب الغربة تهوي‏

وليفز من فاز بالإثم‏

لتختمْ رحلة التفاح‏

ولينكسر المفتاحِ،‏

لا جنّةَ بعد الآن...‏

يا حوّاءُ... من بدء الخليقَهْ‏

أنا سحرٌ أم حقيقهْ؟‏

لاتقول الريحُ تأويلَ فصولي‏

غير أن القلب ميقاتٌ نقيّ‏

وهو ميراث حملتُ الآية العظمى به وابتدأ السِّحرُ:‏

/تكاثرْ أيها النَّسلُ أباهي بك يومَ الحشرِ/‏

هل أَحشرُ أطفاليَ في كيسٍ على ظهري‏

وأَجري في ثقوب الأرض محنياً، تميدُ الأرضُ تحتي‏

يسقط الأطفالِ، أعدو خلفهم،‏

قابيلُ أم هابيلُ هذا؟‏

لم أعد أعرفُ،‏

إذ غطى الدمُ المقرفُ سيماءَ القتيلْ‏

هل تكاثرتُ لأطوى بجناح الحربِ؟‏

ليس القلبُ جندياً‏

وهذا الموتُ معراجُ الصَّهيلْ‏

جسدي يُخْصب بالماء ذكوراً وإناثاً‏

يَعْمُرون الكون مفتوحاً على الفضَّة والحنطةِ‏

والمحراثُ يبني عالماً أخضرَ‏

والزرقةُ أسماءُ‏

ومن أسماء نَسْلي أنَّه حلمٌ جميلْ‏

هل هي الصُّدفةُ أن يختزل الطاغوتُ هذا الأفقَ العالي‏

إلى خيط نحيلْ؟‏

أم هي الرغبةُ تمشي بحذاء سلطويّْ‏

له من أمعائنا خيطٌ،‏

وفي أعماقنا يهبطُ في الروح الشَّقيّْ؟‏

... قُلبَ السِّحرُ/ بُنيّْ‏

يا سليلَ الماء والطينِ ويا أسطورةَ التَّكوينِ،‏

منْ منكَ سيحميني؟‏

أفي الشَّرق تسميني غروباً؟‏

كبرتْ شجرة آثامي، فمن أي الطهارات سأبدأْ؟‏

وإذا غيبةُ أشواقيَ طالتْ‏

فمتى أظهرُ مخموراً من الدفء؟‏

سلالاتُ اليتامى بين كفيَّ،‏

وفي عينيَّ أبعادٌ من الغبطةِ‏

آه يا بنيّْ‏

لم أكن طوطمكَ المرصودَ يوماً‏

فبمن لاذَ المغنيّ عندما فاجأهُ صوتُ نعيقِ بشريّْ ؟‏

أنا بحرٌ فانهب البحر ولا تحرَثْ به‏

عدْ من ظلام الغزو في هذ المتاهْ‏

واضحٌ هذا المتاهُ العلنيّْ‏

فإلى أيِّ المهاوي سوف يمضي نسلكَ الطَّاغي؟‏

وعن أي إلهْ‏

سوف يروي سيرة الجوهرِ؟‏

هل كينونةُ الزَهر تداعَتْ في صليب الدَّمِ؟‏

هل والدةُ الأنهار باعَتْ نهدها البحريَّ،‏

في عيد الفضاء المطريّْ؟‏

هي ذي أرضُ المراثي انشقَّتِ الأقمارُ فيها‏

وأرى جائحةٍ الموت تهادت نحوَنا،‏

كارثةً كارثةً أعرفُها منذ انفصالي عن وصالِ الربِّ،‏

حتى قبلة تُغْسَلُ بالزيت وبالفحم،‏

وما يأتي أخيراً من رياح الغربِ...‏

... والأفعى هي الأفعى...‏

أكلنا ثمرَ الحكمةِ،‏

والآن ثمارَ الهاويهْ‏

من نخيل الشَّرق، والأفعى هي الأفعى...‏

وانيّ‏

لستُ‏

آدمْ‏

أنا نبعٌ من طواغيتَ وبؤسٌ يتفاقَمْ‏

فضعوني في جدار خشبيّْ‏

واسرقوا المرأةَ، والحنطةَ، والألواحَ، والعرسَ البهيّْ‏

يا بنيّْ‏

قلبَ السِّحرُ عَلَيّْ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244