تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تصدعات روح المغني

حزيران/ 1993‏

يلتوي الرّوحُ مثلَ قضيب مُحمَّى‏

إلى أين أَمضي بما فاض منّي؟‏

ومن يحمل الشّعَر عنّي؟‏

يعلّمني اليأسُ ألا أقول سوى اليأسِ...‏

هذا مهبُّ الكلامِ تسرّبَ منهُ دمٌ كنتُ شريانَهُ.‏

ليتَ عشبَ الزَّمان تجمَّد في قَدَم الطفلِ‏

ليت الطفولة مرآتيَ الأبديَّةُ‏

لا يبلغُ القلبُ شيباً‏

ولا يشهدُ الرّوحُ حرباً‏

ولا يهدمُ الحبُّ أركانَهُ.‏

ليتني أتدفقُ من آخرِ الأفقِ‏

كالقمرِ المتكسرِ تثقبُهُ لوعةُ الكونِ‏

أو يتشردُ خلف الغمامِ‏

يضيِّع عنوانَهُ.‏

قمري في الخلايا يضيءُ عذاب الفصول الولودِ،‏

وما كنت نسغَ الربيع،‏

ولا الصيفُ أَطلقَ في جسدي نهرَهُ الكرزيَّ،‏

وما أخصبَ الحلمُ أغصانَهُ.‏

قمري في الخلايا يدلُّ على صُفرةٍ أتآكل بين مكائدِها،‏

عندما هارباً كنتُ من ولهٍ بانبلاجِ الخريف إلى‏

عبقٍ ضائعٍ من عرائس تمّوز،‏

أقرأُ شعري على ملأ من ملائكةٍ‏

غبَّ من نورها جسدي جلَّ ميقاتُه القزحيُّ‏

وبارك- منْ عرَف الحبَّ- ألوانَهُ.‏

ليته زمنٌ راجعٌ من خوابٍ‏

تشدّ خيوطَ الكهولة للشَّهواتِ‏

وتُلبِسُ هيكليَ المتصدّعَ بنيانَهُ‏

لا أرى اليوم من يعصمُ الخلقَ من رغبةِ النَّفي والاحتضارِ،‏

فقد ضاعفَ الموتُ طوفانَهُ.‏

والتوى الروحُ خلفَ السّجون‏

وزوجتِ الأرضُ من عدمٍ‏

عندما عانقَ الكونُ قاتلَهُ‏

وطوى البحرُ شطآنَهُ‏

صار لليأس حجمٌ يُحَسُّ‏

فمنْ يحملُ اليأسَ عن كتفي؟‏

صار وجهٌ له... يتطاولُ يلبس أقنعةً ما يشاءُ‏

وأدخلتِ الكائناتُ إلى معبد نوويٍّ‏

يباركه خالق الكيمياءِ‏

تؤذّن فيه المعادنُ،‏

يرتعشُ الخَلْقُ من لذَّة الصَّهْرِ،‏

يضغط زرٌّ على القلبِ،‏

تنفجرُ النَّبضةُ البشريّةُ بالحكمة العبثيَّهْ‏

يلعن الطفلُ والدَهُ‏

والمريدُ المغيَّبُ مرشدَهُ‏

حيث للموتِ شكل يُرى‏

صار إيقاعُه يَشترى‏

من طبول جهنَّم تقرعُ في فجرنا المتوارَثِ،‏

توقظ أعضاءنا من هلام التأملِ‏

والاديولوجيا المريضةِ بالانكسارْ.‏

ثم... من يُنْهضُ الوقتَ من لحظةٍ حجّرَ العقمُ عقربَها‏

والغزالةُ فيها استوت سلحفاةً تدثرها خيمةٌ‏

من غبارْ؟.‏

كان لي في المزاميرِ صوتٌ يرقِّصُ خصَر النَّباتِ‏

ويُجري دموعَ الاناث الولوداتِ...‏

من يُنهضُ الوقت من عقمِهِ‏

قبل أن يتزوَجَ عضوَ الدَّمارْ؟‏

لا أغني لأطرب هذا الرَّحيلَ السَّديميَّّ في الصَّحراءِ،‏

ولا لأقوّسَ سَهْمَ البصيرةِ،‏

لا لأغازلَ قبراً تفسَّخَ من عفنٍ...‏

إنَّما لشموخ انهياري أَغنيِّ‏

ليس للسرِّ وقتٌ لنتلو مديحاً لسلطانِنا الذهبيّْ‏

فاهبطي في دمي يا فضيحهْ‏

حصد الفقرُ هامتنا وهي تركع راضيةً مستريحَهْ‏

في مقام الوليّْ.‏

ليس للساقطين مدارٌ،‏

وقد ذهبت حسرةً أنفُسُ الطَّالعين من الحزنِ،‏

كلٌّ يغني نبيّاً‏

ويستنزلون غمامَ الأسيدِ على الشَّجر العربيّْ.‏

والسَّماءْ‏

والذي سيّرَ الأرضَ نحو الخواءْ‏

والذي نام ناطوُره عن مواسمنا‏

لأعدِّدُ أسماءَ من سقطوا عاهراً بعد عاهرْ.‏

/وأنا أستميح القصيدةَ عذراً إذا كشفت فرجها اللُّغويّْ‏

بعد أن أحصنتُه طويلاً فما قدَّستها الحناجرْ/‏

... ... ...‏

لعنتي في الزَّمان إلى حلقه‏

يتقيؤنا شاعراً شاعراً وشهيداً شهيداً‏

وشعباً من الفحم تُنحَتُ منه المنابرْ.‏

لعنتي في تراتيل من يتمدَّدُ خلفَ سياجٍ يُصَهْيِنُ زَهْرَ الصَّباحْ‏

لعنتي في صباح يقود الطفولةْ‏

نحو مدرسةٍ هرمَ الدَّمُ وهو يرمّمُ هيكلها المستباحْ.‏

لعنتي في المخابرْ‏

حين تمسخُ ذاكرةَ الجيلِ‏

تحشو بياضَ الأناجيلِ بالجنَّةِ المستحيلهْ‏

نحن نسلُ التَّمعدُنِ والانبطاحْ‏

نحن نسلُ الميوعةِ والانبهارِ بمرأى الدَّم المتدفّقِ‏

في سرَّة الأمة النتنهْ‏

لعنتي في مرايا رأينا غد الرّوحِ فيها‏

يصاهرُ مستنقعاً من كهولَهْ‏

لعنتي في السّلالة تنسلُّ من سلَّةِ السَّلِّ ساريةً في‏

سعال البطولهْ.‏

لعنتي في البطولة حتى النّخاعِ...‏

لنا آخرَ العمرِ تلويحةٌ عند قبرِ الوداعِ،‏

نشيّع فيها توابيتنا الملكيهْ‏

لعنتي في هواء يصوِّبُ طلقته‏

باتجاه نوافذَ يمتصّها الانتظارُ‏

فيسقطُ في الأرض ظلٌّ يخبىء طفلاً بفكرته المؤمنَهْ‏

لعنتي في الأيادي الَّتي تستبيحُ الجهادْ‏

يستوي عندهُمْ من يبيعُ ومن يشتري‏

بل رأيتُ الأيادي تعانق من باعَ فجر البلادْ‏

في كتاب يحوّلُ سيرتَنا حكمةً للطوافْ‏

حولَ وهم يشكّلنا بمشيئته‏

فنخاف به، ونخاف له، وعليه نخافْ.‏

لعنتي في الشِّعار الذي يضعُ الكونَ‏

في جَيبهِ الجاهليّْ.‏

/وأنا أستميحُ القصيدةَ عذراً إذا كشفتْ فرجها اللغويّْ/‏

... ... ...‏

شيَّخَ اليأسُ... يا طفليَ العسليَّ تقدَّمْ عليَّ،‏

وخذْ شبحي المتكسّرَ مثلَ سنابل‏

داست عليها الخيولْ.‏

احصد المتبقيِّ من القلب يا سومريَّ الفصولْ‏

يابسٌ زهري‏

يابسٌ نَهري‏

يابسٌ كلّ ما قلتُ أو سأقولْ.‏

لك أركعُ يا جسدي المتجدّدَ‏

إذ أتهجّدُ في كنفِ الزَّرعِ‏

حين تمدّ يديك إليه.‏

تستعيدُ النباتاتُ دورَتَها‏

والقبائلُ رقصتها‏

وتفيض السّيولْ.‏

ها أنا هاربٌ من مقاصير جوعي‏

إلى قمحةٍ في يديكْ‏

غَذِّني فأنا ما أزالُ أدلّ الحياةَ عليكْ‏

يا بنيّْ،‏

مَنْ يدلُّ الحياةَ عَليّْ؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244