تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

كائنات الظلام

حزيران/ 1993‏

أدعو الكلام يضيءُ أدمغَةَ الترابْ‏

يزني بها الليلُ المدجَّجُ باليباسْ‏

لتطوف فيها نطفةُ الرؤيا العقيمْ‏

هذي بصيرتكم طوتْها كفُّ مأساةٍ‏

فما عادت تسمّي الشعر مملكةً‏

ولا الموتَ المكرَّرَ في وريدِ الشِّعرِ كرسيَّ الولادةْ‏

أنا وارثُ الإيقاعِ من نسل الجحيمْ‏

أبناؤكمْ يتناسلون من الحجَرْ‏

أدعو الفراغ يحلْ في معناكمْ حتى الأبدْ.‏

أدعو غيومَ الرّوحِ تمْلأُ بالنّحاسْ‏

تسقي بكم شغَفَ الغيابْ‏

غبتمْ ولا عتبٌ عليَّ حضورُ إيقاعي إليكم.‏

لا، ولا عتُبُ على أشلاء هيكليَ المشعَّبِ‏

إنْ صَحَتْ وبكتْ عليكم.‏

ميلوا على جهة الظّلامِ،‏

فوحده مولاكمُ القدوسُ،‏

وانهمروا على مستنقعِ اللّغة القديمْ.‏

أنا قارىءٌ فيكمْ متاهَ القلبِ‏

إذ يُحشى بحلوى الغَيْبِ،‏

غيبوا يا صنوف اللَّيل غيبوا.‏

خَدَرُ الإلهِ يضمّ أعينكُمْ،‏

ويوقظكمْ إلهٌ من نعاسْ.‏

ينأى بكم منفى الضَّبابْ‏

تأتون بعدَ حرائق الشِّعر العظيمْ‏

وتعاتبونَ أصابعَ الشّعراء تملؤها خواتمُ من لهبْ‏

وتعاتبون.. وأنتمُ سرُّ العَتَبْ.‏

... ... ...‏

للشِّعر بستانٌ يسيَّجُ بالعيونِ الكاشفَهْ،‏

ما خلفَ أحجامِ الغيومْ:‏

هذي تمرّ شفيفةً‏

هذي تحاولُ خائفهْ‏

تلك التي شلَحَتْ معاطَفها الغزيرةَ فوق أرضٍ ناشفَهْ‏

تلك التي خانت عروق العاشقينَ،‏

فكاثرتْ فيها السّمومْ‏

والشِّعرُ بستانٌ ستنخرُهُ العيونُ الزَّائفهْ.‏

زيف يغادرُ من ممرَّاتِ القلوب إلى أجنَّتكم‏

يورِّثها كنوزَ خطيئةٍ تُقْصي كلامَ الفجرِ‏

عن شهواتِهِ‏

وتعيدُ ناموسَ العباد لمُبتدا ظلماتِهِ،‏

زيفٌ يقشّركم،‏

تهرّ ضلوعُكمْ ورقاً خريفياً‏

وتنطلقونَ خلف ظلالِ فردوس النُّجومْ.‏

لا تقربُوا محراب شعري إنَ وقفتُ مصلّيا‏

في أمّة متداعيهْ‏

أنتمْ سكارى بالقطوف الدَّانيهْ‏

في جنَّة تُملي وصايا النّار من شرفاتها فوقي‏

وحيدٌ واحدٌ، متوحدٌ، مستوحدٌ،‏

وحدي أوحّدُ برجَ وحدانيةٍ متهاويهْ‏

لا تقربوني...‏

عاشقاً يتحوَّلُ الروحُ المجسَّدُ فيَّ،‏

منهمراً قناديلاً على أطفال أغنيتي،‏

دعوا أطفال أغنيتي يباركهم أبٌ ترقى‏

خطاه فوق أعناق الطحالب‏

خالقاً يغدو هيامي بالخرائبِ‏

ناطقاً بلسان مقبرة الكواكبْ‏

سأحلُّ في كفن الكلامِ‏

أجمعُ الأمواتَ في صُوُري،‏

وأنفخُ في الجهاتِ‏

تهبّ أصنافٌ وألطافٌ، وأنسابٌ وألقابٌ،‏

وينفتح المدى من خطوتي.‏

وأقولُ تلك قيامتي‏

وحدي/ وهذي أمَّتي‏

حطبٌ لنار الهاويَهْ.‏

... ... ...‏

ناء عن الأرباب معبديَ الدَّفينْ‏

جسدي مسافةُ سجدةٍ‏

مُلئتْ بأشباح الألوهةْ‏

قوَّستُ ظهرى وهو يركعْ‏

والآن يصعدُ طفلُ قلبي فوق ظهري‏

فأقولُ: يا ولدي رأيتك من فضاءِ اللَّه أوسعْ‏

لا ترتعشْ لحذاءِ قافلةٍ سفيهةْ‏

وأهربْ بجلدك من كهوفِ الأوصياءْ‏

أنا ما ولدتَك طائعاً‏

بمشيئة الأضداد والشَّهوات كنتَ،‏

فكنْ بها دنفاً‏

تجادلُ كلَّ أسماء السَّماء،‏

وكلَّ ذاكرة الغبارِ،‏

وتفضحُ الأسرارَ في الأحجارِ،‏

تعرفُ كيف تسمعُ صوتكَ المقموعَ، فاسمَعْ‏

أنا كم فُجعتُ بأهلِ ذاكرتي، فلا... لا...‏

لا تدعني يا بنيَّ بوجهك الورديِّ أُفْجَعْ...‏

... ... ...‏

الآن جمهورُ الظَّلام ينامُ في نجم الثُّريا الغائبَهْ‏

ضيَّعتُ فيهم خطوتي زمناً،‏

ففاجأني بأنّي كنت أملأ مهجتي بدم العَدَمْ‏

هو مستريحٌ في سراديب الدّعاءِ،‏

مغيباً عن موتِهِ اليوميِّ،‏

حيثُ الكونُ بالغيبِ انقسمْ .‏

وعباده يستنفرون خيول إسراءٍ وصَلْبٍ،‏

كي تغادرهم شياطينُ الألمْ.‏

هم يقرأون (الغاشيةْ)‏

وكأنّها لغةٌ بلا جسدٍ...‏

أفاعي القتل تغشاهم كأنَّ السَّمَّ‏

يطلق فيهمُ وحشَ الفَرَحْ‏

فيراقصون رصاصةً وينادمون هراوةً تُفْتي بتكفير الفراشةِ‏

إذ تفكر بالعطورْ‏

من ههنا مرُّوا، وكانتْ نبتةُ الأفيون حاديهم‏

لأن يجدوا المباهجَ في تلاشي الرُّوحِ‏

في حلُم قصيٍّ لا يُرى،‏

يمضون أسمالاً من النسيانِ، يفتتحون وعداً مُضمرَاَ‏

ليتَ المسافةَ علمتْهُمْ لهجةَ الإبحارِ في وجع السّؤالْ‏

عن أيِّ شيءٍ... أيّ شيءٍ... أيِّ شيءٍ لا يقالْ‏

مرّوا سهاماً نحو فردوس يُعادُ‏

ولا يعيدُ القلبَ نحو الاشتعالْ.‏

فردوسهم زمنٌ تضاءلَ، أو تطاوَلَ، حَسْبَ شكْل الابتهالْ‏

ليت انكسارَ الوقت علّمهم لغاتِ الموتِ والميلادِ،‏

ليت ظلامَهُمْ ألقى بهم برقاً لأشجار الكلامْ‏

يا ليتهم‏

يا ليتهم‏

يا ليت جمهورَ الظَّلامْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244