تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مراثي عائلة القلب

- (فصل التوأم)-‏

شباط/1992‏

الثَّلجُ غطَّاهُمْ تماماً‏

جسدين من أرجوحة العدم‏

يتمايلان، ويشعلان بنا الهياما‏

لنغيب في صحراء من ندم‏

العاشقان تعانقا، وجها لوجهٍ ثمَّ ناما‏

وتفرَّقا في دولة الحلم‏

فتفَرق الشّعراءُ، واختصروا الكلاما...‏

... ... ...‏

القلب أبيضُ من نثيث الثَّلج، أبيض من حليب الأمهاتْ‏

فبأيّ معجزة تدلّى من فراغ المدخنَهْ‏

فحماً واسفلتاً؟، وزيتا شلّ أجنحة الطّيورْ؟‏

يا عاشقي! في ظلمة الدَّعوات أستلقي،‏

فخذني نحو مهدكَ، واحمني من رعشةٍ لا تنتهي.‏

آليت أن أمشي وراء الصّمت في عبث المدى‏

لكنّ موتاً طارئاً سرق النَّشيد وهزني‏

فسقطتُ من نخل التأمل تمرةً ضجتْ بولولةٍ:‏

(( أُكِلتُ... أُكِلتُ..))‏

هذا القلبُ أبيضُ من نثيث الثَّلج،‏

كيف سينحني فيه الدّخان؟‏

ياعاشقي رويّتُ حنجرتي بماء المسكِ،‏

وانشقّت ضلوعي فانسكبتُ مغنّياً:‏

يا عاشقي‏

يا عاشقي‏

ربُّ المآسي خالقي...‏

... ... ...‏

الثّلج غطَّاهم تماما‏

... ... ...‏

أنا لا أقول لكم وداعاً، سوف تدخل نحلةُ الدَّم مضجعي‏

وتفيض خاصرتي عبيراً فاسبحي يا نحلتي‏

أنا لا أجنّ بكم رثاءً،‏

منذ دهر شلتُ قبر أبي على ظَهري‏

ودرتُ به الممالكْ‏

هذا أبي يا نسل آدم يا تراثاً من مهالِكْ‏

سرقتْهُ مركبةُ البياض،‏

وردّدت أشلاءُ صوتي صرختي‏

فانهار برجٌ من حمامْ‏

قبر يسمِّيني تراباً، أو أسمِّيه خطا‏

في رحلة الطّغيان والإعدام.‏

قبرٌ آخر، قبرٌ بمتَّسع الرِّمال‏

يضمّ أربع أعينٍ، وبصيرتين، وتوأما،‏

أنا لا أقول أخي، ولكنَّ المفاصل ترتخي‏

فتمايلي يا أرض وانشرخي...‏

رأيتُ.‏

/أكلّما سقطتْ من الملكوتِ جمجمةٌ رأيتُ؟/‏

هي الجماجم دحرجوها نحو أمِّ النَّخل‏

في شرق المتاهةْ‏

وهي المتاهةُ: كهفُنا السّريُّ، نولدُ فيه، نسقطُ فيه،‏

لا شفق يضيء ضلوعنا‏

لا أمّة تفدي مغنيها...‏

عميت من البصيرة،‏

لا تعلّمْ داخلي من أبجديّات الوضوح قصيدةً‏

لا شيء أوضحُ من سقوط اثنين:‏

متحدين/ منفصلين، كلٌّ في دم الثَّاني توغَّلَ،‏

أسلما قمر الأخوّة للبزوغ من الرَّحمْ‏

في لحظة قدسيّة...‏

نادتهما عرّافةٌ: ((ستُعلَّقان من الفراغِ))‏

وعُلقا في لحظة دمويّة...‏

إذ كان رأس الكون سرّاً ينقسمْ.‏

الأم قالتْ: لا تغيبا بعد هذا الفصلِ...‏

لكنّ البلاد مريضة‏

والطّقس عكس النّفس، والأبصارُ تبتكر الظَّلاما‏

... ... ...‏

الثّلج غطَّاهم تماما‏

... ... ...‏

العاشقان وأيُّ إفطار يضمُّهما؟‏

رغيفٌ واحد، عنب وتمرٌ،‏

يَقْسمان اللّقمةَ الأولى، ويختصمانِ،‏

لكنّ الهواء مباركٌ...‏

... ... ...‏

صلّى عليك الحزنُ يا جيل الرَّدى‏

ما اهتزَّ في الأخوين عِرْقٌ من ندى‏

... ... ...‏

العاشقان... ولستُ أنسى أيَّ كارثةٍ‏

رمت أفعى الهواءِ المرِّ بينهما،‏

وأيّة سلطةٍ تُملي على القلبين نبضهما،‏

وأيّ فضيلة يدعو لها النَّهر الملوثُ بالصّدأْ.‏

العاشقانْ‏

قرآ فروضَ الوقت تحت القبَّة البيضاء،‏

أو شهدا بأنَّ العرشَ منخورٌ،‏

ويحمله ملائكةٌ حديديّون من عمق التَّعفُّن يولدونْ‏

قالا: ((ستغرق أمّةٌ في لُجّةٍ تتلو بيانَ التّيه))‏

قالا: ((لا تُسمَّى هذه الأمةْ‏

والظّلمةُ العظمى تؤوِّلُ لغزها الظُّلمهْ‏

الأمة انذبَحتْ ونحن الذّابحونْ))‏

العاشقانْ‏

قالا، وغابا في مواعيد الفتونْ‏

هربا من العين الّتي ترمي شعاعَ القُبْح فوق العابرينْ‏

لجآ إلى درج يؤدى نحو أقطاب النّبّوة،‏

واستجارا بالحنينْ‏

وبقيت وحدي، قلت: أقطابُ بالنبوّة تستحيلُ‏

إلى مشانقَ، والصّغارُ إلى يتامى‏

... ... ...‏

الثّلج غطاهم تماما‏

... ... ...‏

عصبي أخطُّ عليه أغنيتي،‏

وأخطفُ كومةً من ثلج صحراء الوطنْ‏

أعطي المدينةَ من هجائي ما يساعدها على‏

أن تدخل المرآةَ عاريةً وناصعةَ البدنْ‏

يا منصف الأصناف أنصفني، فنصفُ القلب منشرخٌ،‏

ونصف الرّوح يغرق في العفنْ‏

يا واعدي بالجنَّة الخضراء‏

سَمِّ الأرضَ جنتنا، فقد تطفو المشانقُ‏

في الطَّريق إليكَ، أو يقف الزّمنْ‏

هل تخرج الكتبُ القديمةُ من مشارق يتبعُ الأخوان‏

زينَتَها؟ هي الكتبُ القديمهْ‏

يعلو الغبارُ عروقَها‏

الأمّةُ العرجاءُ تقتتلُ الطَّوائفُ حول عورتها‏

وتنسى عورة المستقبل البحريِّ فاضحةً‏

هي الكتب القديمهْ‏

تتلو على ملأ القصور المرمريّة سيرة الرُّوح الفقيرِ،‏

من انتمى لجلالة الإنسان...‏

ليس الروح سوطاً في يد السَّجان، لكنَّ الزَّنازين الكتيمهْ‏

تعلو بضجَّتها على غيم المآذن، في نهارٍ‏

يشبه اللّيل المسيَّسَ‏

قال والي الوقت: (( أركلكم بساقي،‏

من يقايض أمّةً بدمائه؟))‏

أميّ/ ومن أسمائها وجع الحنينْ‏

أميّ/ سلاماً من حروب السّجن يحبو نحو دارِكْ‏

أمّي/ سنبقى في نهاركْ‏

فجراً إلهيّا،ً لنولدَ من دماركْ‏

... ... ...‏

... ... ...‏

هذي مراثي قلبيَ الأخويِّ، أَنقُشُ فوق شاهدةٍ سماتِ العائلهْ‏

تنهار شجرتنا الكريمهْ‏

وتضيع ألقابٌ وراء ضياعنا‏

أطفالنا انكسروا كبلّور الحنينْ‏

إمّا رَمَتْه الرّيح.. هل أصغيتُ للصَّحراء تنبض بالجثثْ؟‏

هل هذه الأحجارُ تخْفي قبرَ توأمنا المهاجرْ؟‏

هل قشّرَ التّاريخُ أعضاءَ الزّمانْ؟‏

ورمى جناحُ الطّائر السّجيلِ ما قد حمَّلُوه على جدارِ المعتقلْ؟‏

هل هذه الأحجارُ ناطقةٌ...‏

وحدَّثني صقيعُ الفجرِ أنَّ التَّوأمَ‏

المنفيَّ في سردابِ غيبِ اللَّهِ، تغشاهُ البرودَةْ‏

العاشقانْ‏

هل يبردانْ‏

وهل الزمانْ‏

قذفَ الحنانْ‏

في عمق أغنيتي، لتحترقَ الأغاني،‏

أو يشلَّ هنا اللّسانْ‏

عادت بي الأشياءُ نحو هلامِها‏

من ههنا خرَج الرَّمادُ إلى رئاتِ النًّائمينْ‏

وهنا التقى الجمعان يومَ المذبحةْ‏

قومٌ يسمون الإله- مطيّةً-‏

قومٌ يسمون الإله- ضحيّةً-‏

وتنبّه الثعبان أنّ القلبَ ينبضُ...‏

قفْ عن الدورانِ حول غموض حلْمكَ يا فتى‏

فغداً تودّعُ خطوة الدّنيا وتذهب ميّتاً‏

فلتغتنمْ كنزَ المذلّة قبلَ أن تمضي...‏

يطلُ الذلُّ يوماً بعدَ يومٍ، وهو يخشى أن يراني.‏

في عيوني من جنون النَّسر ما يكفي لأصعَدَ‏

آخر الأشباحِ: لستُ أنا الضَّحيةَ، إنهُ‏

شعبي تراثٌ من أضاحٍ في معابدَ تنشرُ الرّؤيا‏

انقساما‏

الثّلج غطّاهم تماما‏

... ... ..‏

ردَّ الغطاءَ عليهما، ردَّ الغطاءْ‏

العاشقان، وقد دنا عرس اللّقاءْ‏

بأساور السّجن المريض تقدَّما‏

واللّه يغفو فوق رابية السَّماءْ‏

يا مالىء الرّئتين من قدّوس سرّكَ،‏

سُدَّت الرّئتان، واختنق الهواءْ‏

اللّحظة الحمراءُ تنمو كالجحيمِ‏

وتنحني أشباحُها بين الدّماءْ‏

هي خطوة ونكون ظلَّ الحَبْلِ/‏

كالجبلين ينهدان في صمت الرّداءْ‏

هذا رداء الموت خبّأ كوكبين،‏

فكان ليلُ الشّنق مكتوم الضّياءْ‏

في الأرض لم يكن اللّقاء متوَّجاً‏

فليعلن الاعدام فاتحةَ اللّقاءْ...‏

... ... ...‏

رُدَّ الغطاءَ عليهما يا سافح الأمم الفقيرةِ‏

كنتَ لا ترقى إلى أقدامهم‏

والآن أنت مليكُهُمْ‏

تلقي على أجفانهم سمَّ المنامْ‏

وتُعدّ تابوتاً يوحد جثَّتينْ‏

والأرضُ تطوي قمحَها وبحارَها وتسير خلف جنازتينْ‏

يا شيخنا العالي ويا أهل الصَّفاءِ،‏

قفوا وراء الموكب السّريِّ،‏

لا تلدُ المدينةُ غيرَ قاتلها‏

ولا تعفو المدينَهْ‏

غيرُ انجراف الأرض خلف خوائها: غدنا.‏

وغير تفتّتِ الأعضاءِ في قبرٍ: خلايانا‏

جنازتنا هنا والثّلج غطّانا تماما‏

... ... ...‏

يا ثلج يا كفن الطبيعَهْ‏

هذا حبيبي جارحٌ بحلوله في حفرةٍ قبلي‏

وإني كنت منتظراً رجوعَهْ‏

لكنّه وعدٌ سرابيٌّ يضيّعني ويعرف أنَّني بحرٌ‏

أضاعِ به قلوعَهْ‏

الآن واريتُ الحبيب بقبرهِ‏

وجلست فوق القبر منتشياً: /أنا ربُّ الفجيعَهْ/‏

... ... ...‏

رُدَّ الغطاءَ عليهما يا سيِّدي الَّجلاد،‏

أرخِ الصَّمتَ في الآفاق أكثرْ‏

التّوأم العبثيّ يدخل لحظةً عليا ويكبرْ‏

ولدا معا/ ناما معاً/ جرحا معاً/‏

وهنا هنا شُنِقا معاً...‏

الموت أكبرْ‏

الموت أكبرْ‏

صلّى عليك الصّمت ياجسدا تدلّى من ظلام البوح أخضرْ‏

مِلْ نحو وجه أخيك أكثرْ‏

غسل الالهُ يديه منّا، قل لَهُ...‏

والقلبُ محتشدٌ بنبض دم مزَّورْ‏

أحضن يديه وارقصا‏

فهنا إناثُ الغيب إيقاعٌ تفجَّرَ:‏

زغردى أمَّ العريس وردِّدي‏

وادعي صبابا الحيِّ في ليل الغد‏

هذي العروس تقدّمتْ مَجْلوَّةً‏

رُشّي عليها الماء والعطرَ النَّدي‏

زفيّ العريسَ وعانقيه لحظةً‏

من قبل أن يذوى جلالُ المشهد‏

الثّوب أبيض إنَّما هذا المسا‏

كونٌ يُسَجَّى بالفراغ الأسودِ‏

أمَّ العريس وليس غيرُك شاهدا‏

فاذا نسينا ذات يومٍ فاشهدى‏

هو توأمٌ، لكنْ عروسٌ واحدةْ:‏

/المشنقةْ/‏

... ... ...‏

... ... ...‏

هاتوا بساطاً سندسياًيجمَعُ الجسدينِ‏

وليشربْ دمٌ ابريقَ عنبرْ‏

وجهاً لوجهٍ عُلِّقا‏

عينان في عينين:‏

- تذكرُ ذات ليلٍ كنتَ تسرقُ لقمتي في رحم أمّكَ‏

- كان رحْماً دافئاً‏

- ماذا جنينا؟‏

- قلنا لأحجار الشَّتات توحَّدي‏

- فتوحَّدَتْ‏

- لكنْ علينا...‏

... ... ...‏

وجهاً لوجه، يشربُ الجسدان من نور الإلهْ‏

يتناقضان ويجمعان على اكتناه الموتِ...‏

- ماذا تفعل الأمّ العجوزُ؟‏

- بأي آياتٍ سيفتتح الأبُ التَّرتيلَ؟‏

- سوف نموت قبلهما‏

- ولكن، كيف نُقْبَرْ؟‏

... ... ...‏

ردَّ الغطاءَ عليهما‏

واسمح لقرآن الجنازة أن يتوّجَ زفَّةَ المأساةِ‏

ليس لنا الجنازةُ، سوف نُدفنُ في غموض الرَّمل‏

حتّى لا يرى الرّعيان موكبنا البهيَّ...‏

هنا، هنا رحمٌ ستجمعنا معاً‏

ومعاً ولدنا/ ومعا جرحنا/ وهنا نموتُ‏

معاً نموتُ، معاً...‏

... وهذا الثّلج غطّاهُمْ تماما‏

... ... ...‏

أنا لا أسامحُ...‏

من رأى بيتاً تهدّمَ وهو يرقصُ تحت حلمة وهمِهِ‏

أو من تأبَّدَ فوق عرشٍ والخليقةُ فوق نعش...‏

لا أسامح زارعَ الزَّيتون يسرق خيرَ غلَّتِهِ،‏

ويمنحها قوافلَ في الجهات العاهَرهْ‏

أنا لا أسامحْ‏

من ظِلُّهُ علَقٌ يمصّ سلالةَ الأيتام،‏

في قوم من الأحجار يتّخذون آلهةً،‏

ويبتهجون بالأوثان في عفن المسارحْ‏

هرمتْ صفاتُ الأرض‏

ذاكرةُ البلاد تصدَّعتْ‏

والذّئب قوميٌّ، ويوميٌّ،‏

وكلبُ الفكرة العرجاء نابحْ‏

أنا لا أسامحُ،‏

لا أسامحُ،‏

لا أسامحْ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244