تراجيديا عربية - علاء الدين عبد المولى

شــــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 05:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

كلام تحت شرفتنا الأخيرة

أيار- حزيران/1995‏

خفِّفِ الوطأَ، فهذي أمَّةٌ من جثث‏

نفترشُ الآن بقاياها الأخيرهْ‏

كيف أطفأنا بريقَ الماء في حلم الصَّحارى؟‏

كيف أرخينا عباءاتِ النّبوّات عن الأشجار؟‏

هشّمنا المزاميرَ‏

وعلَّقنا المسامير على أرواحنا الهشَّةِ‏

ألقينا المعاذيرَ‏

أقمنا رقصة التّأبين في عيد انهياراتٍ...‏

جنَحْنا نحن والأطفال والأبطال والموَّال‏

للسّلِّ وللسِّلعةِ...‏

لم نُرجِعْ لشيخ الوطن الأعمى عكاكيزَ البصيرَهْ‏

شُلَّت الأيدي، وجفّتْ صحفُ الورد،‏

فمن أيّ عبيرٍ ينسجُ الشّعرُ حريرهْ؟‏

نستعير الآن ذكرانا ونسري في رياح البحر،‏

والبوصلةُ الشَّعبيَّةُ اهتزّت‏

وملاّح المدى أغلق شطآن النَّدى باع الجزيرهْ‏

نشهد الآن أفول الرّوح،‏

هذا أفقٌ غادره الحُبُّ، وغدَّارٌ هو الحبُّ الَّذي‏

يُسْلِم للوعد الخريفيّ مصيرَهْ‏

عربٌ في جبلٍ؟‏

أم جبلٌ من عربٍ غابتْ بهم فوضى حدود ووجود‏

تسكب الظّلمةُ فيهم ظلَّها...‏

ليس ربيعاً أو شتاءً،‏

ضيّع الوقتُ شهورَهْ‏

ليس إرثاً من صفاءٍ يحملُ الرّوح مراياه‏

وليست أمّةً قد أُخرجتْ للنّاسِ،‏

بل أخرجها النَّاسُ‏

وهذا هامشُ الزَّهر تهشَّمْ‏

ومناراتُ الرَّحيل البكر تشكيلُ فراغٍ‏

وضلالاتُ رؤى‏

ليس انتقالاً من أغاني الموت في جنَّاز مريَمْ‏

إنَّه الذل المجسَّمْ‏

صنماً أو لوحةً، أو منزلاً فوق رؤوسِ الخُبزْ يُهْدَمْ‏

هكذا أمّتنا ظَهْرٌ لذئب الرّيح‏

تنهارُ عليها مئذنات الماءِ‏

هذا آخرُ العهد بنا‏

آخرُ عنوان لنا‏

في المخاض الحجريّْ‏

بطنُ أنثى يتورَّمْ‏

ثمّ تلقي سربَ أطفالٍ تماهَوا في عدوّ‏

ذاك عيناه على عيدٍ تلاشى‏

تلك كفَّاها تشدّان الفَراشا‏

ها هنا يمضغ طفلٌ علكةَ الوهم‏

هنا بنتٌ تغني وهي تبني لغد الحزنِ فِراشا‏

يا طفولاتٍ توارَتْ خلفنا‏

آباؤكم ذاكرةٌ محنيَّةُ الظَّهر‏

وشحّاذون في بوّابة الفكر‏

لصوصٌ ونصوصٌ‏

ونبيٌّ باع للرّوم ظهورَهْ...‏

عالَمٌ آخر؟ أمْ آخرُ عالَمْ؟‏

هكذا أسئلتي تنمو، وفي عينيَّ آدمْ‏

يتعرّى من قناع الحلْم‏

يسعى في سراديب من الأحفادِ...‏

لا صُلبُكَ منذورٌ لنورِ الأنبياءْ‏

لا، ولا طينُكَ جمرُ الشّعراءْ‏

منذ ميلادكَ في الجنّةِ حتّى الانهيارِ الفذِّ في أرض خلاءْ‏

والدّمُ الكونيّ ما كفَّ عن الدَّفْقِ وخَنْقِ الكائناتْ‏

... ... ...‏

أنتَ يا شاعرُ تَسْتقرىءُ هذا الفَجْرَ/‏

ما تقرأُ غير الظّلماتْ؟...‏

... لغتي دارَتْ على أحياءِ ميراثي:‏

طلولٌ، وعماماتٌ، جوارٍ وخلافاتٌ،‏

دهاليزُ انحطاطٍ ونهوضٍ،‏

واحتلالاتٌ، وثوراتٌ على خيل غبارٍ‏

وطلولٌ تستعادْ‏

لغتي لم تلتصقْ بالحَشْرِ والميلادِ في أرضٍ‏

نمَتْ في جوفها مملكةُ القتلى وأشلاءُ بلادْ‏

لغتي عرّيتُها من نجمة الرَّقص‏

وفصّلتُ لها من جلدِ أطفاليَ أعلامَ الحدادْ‏

صُورُ الموتى على مخدعنا الخالق تطغى‏

عندما نسترقُ التفّاح من أشجار عُريِ الكائناتْ‏

ليس تفّاحاً ولامعرفةً ما نقطفُ اليومَ،‏

فقدْ جفَّتْ نهودُ الفلسفاتْ‏

وانتهى التّاريخ في سلَّة (أمريكا)‏

عناقيدَ شعوبٍ وقبائلْ‏

مالت الأرضُ، وبرج اللّه مائلْ.‏

... ... ...‏

شاعرٌ يجترّ سورياليّةَ الرُّؤيا‏

ويستنطقُ أشباحاً مضَتْ في جُعْبَةِ النِّسيان والأديانِ.‏

هل تمشي القصيدهْ‏

وحدَها؟ يكتبُها أم تكتبُ الشَّاعرَ؟‏

ماذا لو رمَتْ ثوبَ القوافي‏

بينما تستعمرُ الأمطارُ جمهوريَّةَ الرّيح السَّعيدهْ‏

والرعايا لغةٌ في خيط مملوكٍ تمطَّى ملكاً‏

في حُفرةِ الخُلدْ البعيدهْ...‏

آه يا شعبيَ‏

يا أطمار عيدانٍ غزَتْها النَّارُ‏

في ليل القوافلْ‏

أرضكَ الأولى استوتْ أثداؤُها تيناً ولوزاً وتوابلْ‏

أنضجَتْ أرحامُها صيفَ سنابلْ‏

فلمن بعتَ روابيها؟‏

وأجرَّتَ خوابيها لمنْ لا يتقنُ السُّكْرَ‏

ولا يحفظ للخمرة ودّاً؟‏

عُدْ إلى جَدّتكَ الأولى الَّتي تُخفي‏

نشيدَ الجوز واللَّوز وتختارُ من الأيَّام‏

ما يمتدّ في القلب إلى آخرِ عمرٍ عربيّْ‏

عُدْ إلىجدتكَ الأرضِ وسلِّمْ- أيُّها الشَّعبُ-‏

عليها وعليّْ...‏

واحتملْ هَجْرَ خيام البدوِ‏

فاللَّحظةَ تعلو زهرةُ القهوة في أحداقِ أنثى‏

تملكُ الرّوحَ، تعيدُ الفجرَ للَّيل،‏

تصبُّ القمرَ العالي على مهد الصَّبيّْ‏

أنا في موجة عينيها سأبني سفني‏

أرتادُ شطآناً، وأطوي الأفقَ المكسورَ فيّْ‏

ذاك يا أنثايَ يا أمَّ البراعمْ‏

جسدُ الأمةِ مقطوعاً من الشَّجرةِ،‏

لا أهل يلمّون مساءاتي،‏

ولا عرس لايقاع الخواتمْ‏

لا، ولا طائرُ ماء في دمي يلقي رسالات السَّماءْ‏

أنتهي في فصل شمعٍ ذائبٍ خلفَ البكاءْ‏

لا يراني غيرُ أطفالٍ وأرضٍ تشلح الطّينَ وتنسى الملحَ...‏

هذا الدمُ ماءْ‏

والملوكُ اختلفوا في لعبة الأنسابِ:‏

((إسرائيلُ)) هذي ولدٌ أم بلدٌ؟؟؟‏

والمغربُ الأقصى قريبٌ أم مُريبٌ؟؟؟‏

هل نسميّ طفلنا المولود مسحوقاً أم ((اسحقاً))؟؟؟‏

وهذا ((شرقُنا الأوسطُ)): هل نُلبِسُهُ‏

كوفيّةَ النّفط أم القبعةَ الجنزَ؟؟؟‏

وماذا يبدعُ الشّاعرُ إمَّا هدلتْ فينا حماماتُ ((السلامْ))؟‏

ما الذي ينقُره العصفورُ إذ يبصر صهيونيّةً‏

قد نبتتْ في حقلنا المهجورِ؟‏

ماذا يربحُ التّاجرُ؟‏

والعاشقُ: هل يبقى له وقتٌ ليُحْيي موقفَ الوجدِ‏

ويمشي تحت رايات الهُيامْ؟‏

ما الذي يفعله القاضي بآياتِ ((بني يهوهْ))؟‏

وما النّاسخُ والمنسوخُ؟‏

ما الماسخُ والممسوخُ؟‏

يا شعبي أتى فصل الجذامْ...‏

دمعة اللّيل الّتي يذرفها النّجم على كوكبهِ‏

المغشوش في الحربِ،‏

زغاريدُ نساءِ العشبِ في النَّهرِ،‏

أكاليلُ قبور وعظامْ‏

لقمةُ النّور الّتي تُسرَقُ كي تملأ أمعاءَ النَّشيد الملكيّْ‏

شمعةُ الحريّةِ الزَّرقاءِ في ليل التَّداعي العدميّْ‏

كلّ هذا بيعَ في سوق الجنون العربيّْ..‏

........................‏

........................ ؟؟؟‏

لبستُ سديمَ ذاكرتي‏

لأسألَ عن فتىً بالأمس كان نشيدُهُ العربيُّ باصرتي:‏

((بلادُ العرب أوطاني...))‏

أكلّم عنه أقمارَ القرنفل، كان يجمعُها بكفَّيْهِ‏

ويلقيها بحضن أميرة الأنهار في بردى‏

أذكِّرُ بابتسامته عذارى الأبيض المتوسّط،‏

الصَّحراء تقذفها الخمورُ إلى حدائق بابل العُلْيا‏

فتى سلّمتهُ مصباحيَ السِّحريَّ، مفتاحَ المغارةِ،‏

والكنوزَ، وعرشَ مملكتي‏

فتىً بالرّيح شدَّ خطاه وابتعدا‏

نفاني خلف أسئلتي وصار صدى‏

تطاردهُ الجوارحُ والمذابحُ والمسارحُ،‏

وهو: متروكٌ لوحشةِ بُعْده الثّاني‏

يخطُّ على التّراب غدا‏

ويضحك فيه شيطانُ الزَّمان: غَدٌ؟ وأيُّ غدٍ؟؟؟‏

وأنتَ مخيَّمٌ في الوهم ينمو في العبارةِ،‏

أو تتيهُ به الاشارةُ كلّما سجدا‏

هو المجموعُ تحت جناح شرياني‏

أذاكره بفحوى نارنا الأولى فيلتبسُ الرَّمادُ به‏

هوالمخلوعُ، واللاَّمنتمي، والضَّائع العبثيُّ،‏

وهوَ خزانةٌ من قشّ أحلامٍ وأحزانِ‏

معطَّلةٌ جميعُ حواس خيبتهِ‏

سوى شبحٍ يعومُ على بقاياهُ‏

يغنيّ حينَ يلقاهُ: (( بلادُ العرب أوطاني..))‏

فينكسر الصَّدى في عتمة الوادي:‏

((بلادُ العرب أكفاني، بلاد العرب أكفاني))‏

........................‏

........................‏

لكَ يا ليل المتاهات الفراتيَّة عشَّاقٌ‏

تهاوى نجمُهُم في مذبح الإرثِ‏

وفي ألواحهمْ ينقشُ أبناءُ ((حمورابي)) وصايا الحُزنِ‏

و((التُّرْكُ)) يقصّون رداءَ النَّهر نصفَيْن...‏

ومن عاداتِنا ((القوميّةِ)) الموتُ على رمل الحياةْ‏

ولنا في كتبِ الإيقاع ماء الكلماتْ‏

آه يا نهرَ الفراتْ‏

آه يا نعشَ الفراتْ‏

سمكٌ في النَّهرِ؟‏

أمْ أشباحُنا تبدو خلالَ الماءِ؟‏

يا صيَّادُ عبِّىء سفُنَ الموسم من ميراثنا الذَّابلِ‏

واحملهُ بعيداً خلف بحر الظّلماتْ‏

لم يزل مشهدنُا الرّوحيُّ يطفو‏

بمزاراتٍ وأعوادِ بخورٍ وطنيّْ‏

لم نزلْ نُنْشىءُ من فلّ صباحيٍّ أميراً‏

يأكلُ اليابسَ واليائسَ‏

نعطيه عذارى المدن الثَّكلى ونمشي خلفَهُ‏

نرضع من أقدامِهِ أفيونَ وعدٍ حجريّْ‏

أيّها الصَّيادُ، يا ساحرُ، يا سارقَ كُحْل العينِ...‏

كحَّلنا بمرأى نخلةٍ نجديَّةٍ نؤمنُ فيها‏

أنَّنا من نسلِ جدٍّ عربيّْ...‏

... ... ...‏

أصابعي ليلٌ، وقلبي حريقْ‏

واليأس ظلُّ الأرضِ في رحلتي‏

يحضنُني تيهٌ بأجفانه‏

أمشي وتنأى عن طريقي الطَّريقْ‏

متروكةٌ خيمتي‏

تلمّها الرَّيحُ‏

يرتاحُ فيها أنبياءُ الرُّؤى‏

ويشرقُ الرّوحُ‏

... ... ...‏

سكرَ الشَّاعرُ والشِّعرُ...‏

نهضّنا أنا والأقداحُ نخطو في نخاع الأضحيَهْ‏

هي في أعماقنا تسعى‏

ومن أضلاعنا ترعى زهورَ الأغنيهْ‏

منذ عرس سومريٍّ‏

و دمُ المذبح من أحداقنا ينزفُ‏

والكاهنُ لم يشبَعْ ولم تقنَعْ سماءُ الآلههْ‏

كلَّما جفَّ دمٌ ألبسنا الخوفُ جلوداً من خرافٍ تائههْ‏

وأنا أبصرُ صبُحَ العيد ظلاً يتمشَّى‏

بين خرفانٍ يُساقون إلى المعبد‏

في ركب جنودٍ وصنوجٍ أمويَّهْ‏

بينما جارتُنا ألقتْ على بوَّابة الحيِّ خروفاً‏

نذرتْهُ للولادات العصيَّهْ‏

أيُّنا الذابحُ والمذبوحُ؟ آه...‏

طقّت الأرواحُ مثل الخشبِ اليابسِ‏

في أحشاء ظلمَهْ‏

أيُّنا السَّاكنُ في برجٍ؟ وأيٌّ رافعٌ كفَّيْهِ خيمَهْ؟‏

أرهفِ السِّكينَ يا سيّد واذبح مثلما تُذبَحُ غيمَهْ‏

أنت لا تذبحُ فرداً إنَّما المذبوح أمَّهْ...‏

... ... ...‏

يا أمَّ معبدَ، تاهَتْ عنكِ راحلتي‏

وتلك أسيافُهُمْ تنشكُّ في ظَهْري‏

وحدي أهاجرُ، لا مهدٌ يشيِّعني‏

وليس يحمي فصاءاتي (أبو بكر)‏

ويثربٌ جنَّةٌ بالمعدن امتلأتْ‏

لا الوقتُ يجري، ولا أنهارُها تجري‏

لا خندَقٌ حولها يُغْني، ولا عربٌ‏

يهدهدون بكاءَ اللَّه في شِعري‏

يا حاديَ العيس، هذي أمَّةٌ لبستْ‏

أكفانها وهَوَتْ في وحشة القبرِ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244