مِنَ الدّماءْ...مروراً بالوردة .. - فؤاد كحل

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 11:37 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الرايات

وحدها‏

في سكونِ الأماكنِ منسيّةٌ‏

تتساقطُ عن وقتها الذكرياتُ:‏

ها هنا كانَ سيفٌ يبوحْ‏

وجودٌ بهيٌّ يفوحُ من الخبزِ والحبِّ والشعرِ‏

من كلِّ معركةٍ في البداياتِ‏

من حمحماتِ الرئاتْ‏

وما تبعثُ الخيلُ من نشوةٍ في الفوارسِ‏

كانت ديارٌ تضيءْ‏

لهبٌ يتكوكبُ في حدقاتِ الوجوهِ الفليحةِ‏

لحنُ الزغاريدِ متحداً بالحداءِ الفدائيِّ‏

كانت هنا قُبةُ المجدِ ترهئُ أنداءها‏

فوقَ أجِّ الملاحمِ وهي توشِّجُ زرقَتُها‏

في هجومٍ دفيءْ‏

تفوّحُ من وهجِهِ الأمنياتُ...‏

***‏

وحدها...‏

تتذكرّ مبدعَ تحليقها‏

كلَّ يومٍ يهيّئها قربَ سحرِ الدلالِ التي صفّها‏

كالعرائسِ مزهوةً بالذهبْ‏

ويضيءُ بأنفاسِهِ حولها ويفيءْ‏

خالقاً أبجديةَ ثورتهِ العارمة‏

يهيبُ بأبطالهِ أن يجيئوا إليه‏

وكم قاومَ الجيَشانَ المفاجئَ في لحظةِ الحشرِ!‏

كم طمأنَ القلبَ!‏

مبتهجاً بالذينَ يعودونَ بالنصرِ‏

بعد مساءِ المعاركِ والراحلينَ وراءَ الصعابْ‏

وقد شُعْشِعَ الوجهُ‏

وارتعشتْ في ملامحهِ الأرضُ والعاصفاتُ...‏

***‏

وحدها..‏

بانتظارِ الذي غابَ دونَ احتفاءْ‏

ولمّا يزلْ كلُّ شيءٍ على حالِ تكوينهِ‏

عل جيلَ البداياتِ يولدُ من حُلُم:‏

هاهنا الناسُ كانوا يضيئون حالاتِهمْ‏

وولاداتِهمْ‏

ويقيمونَ أعراسَهُمْ‏

ومآتمَهُمْ‏

وهنا الليلُ كانَ جميلاً‏

وكانَ الصباحُ جميلاً‏

وعند الظهيرةِ كانتْ تطوفُ السواعدُ بالخيرِ‏

كانَ الزمانُ جميلاً جميلاً‏

وكم أشرقتْ بالنساءِ العظيماتِ رغم الردى أمسياتُ...؟‏

***‏

وحدها.. وحدها!!‏

- ربما يرجعُ الغائبونْ!‏

تقولُ مؤانسةً أفقها‏

ثم تكتمُ طوفانها خشيةً من غيابٍ يخونْ‏

وقد عطشتْ روحُها‏

والفناجينُ مقلوبةٌ لاتدارُ على أحدٍ‏

من يعيدُ لتلكَ البراكينِ هيبتَها؟!‏

أينَ فرسانُها‏

فالذين أتوا: غرباءُ عن المبدعينَ العظامْ‏

وقد ضيّعوا بدءَ أحلامها في المتاهةِ والصمتِ‏

منتعشينَ بشاشاتِ حكّامهمْ‏

وظلامِ الكلامْ‏

والطفولةُ شيبّها ادّعاءُ الأبوّةِ‏

لكنّها لم تزلْ تدرأُ اليبْسَ في وطنٍ يتهمّدُ‏

وهي تضيءُ لنا ذكرياتِ الذين تواروا هناكَ‏

وراءَ التلالِ القصيّةِ في الروحِ‏

والأرضُ توقظُ تموزَهَا كي تهلَّ الحياةُ مشعشعةً‏

تزدهي فوقَ أغصانِها الأغنياتُ...‏

***‏

وحدها‏

بينَ وقْعِ خطا الراحلينْ‏

تهيءُ أوقاتها بانتظار يدٍ‏

ولهيبٍ "وقوسِ حنينٍ" وذكرى"‏

وهرجٍ.. و"كرجٍ" ...ومرجٍ سوادٍ ..."وثلجٍ ..‏

وسرجٍ...‏

لمن يتركُ الراحلونَ بقاياهمُ؟‏

من يزيلُ عن الوقتِ -لو مرة- صدأً يتراكمُ؟‏

أينَ سيقذفنا التائهونْ؟‏

هل سنبقى كألعوبةٍ في الزوايا‏

نباعُ ونُشرى سبايا؟‏

أيعلمُ أحفادُ جيلِ الصعابْ‏

أين ضاعتْ حدودُ معالمهم في الزمنْ؟‏

كيف لم يتركِ الشهداءُ سياطاً‏

تعلّمُ أبناءَهمْ حبَّ هذا الوطنْ‏

فتضيءَ الحياةُ...؟!‏

***‏

وحدها‏

في رمادِ الطموحاتِ‏

تحلمُ مجنونةً بولادةِ جمعٍ جليلْ‏

يعانقُها كلَّ يومٍ صباحاً‏

وينشرها في الفضاءِ الأثيلْ‏

وقد فارَ -حين ترفرفُ- من فرحٍ قلبُهُ‏

- ربما يرجعُ الميتونْ‏

واحداً واحداً‏

فالمعاركُ مثلَ الشهادةِ باختْ!‏

فهلَ من بشيرٍ يخبّرُ عن غائبينْ‏

يقومونَ من موتهمْ شجراً‏

أو يعودونَ من محلهمْ قمراً‏

أو يهيلونَ من غيبهمْ مطراً‏

ويضيئونَ ليلَ البطولةِ والفرحَ المتوحِّد بالحبِّ‏

هل عاد منفي‏

وخبّر عن غامضينْ‏

أو رأى تحتَ هذي السجاجيدِ طلحيّةً‏

كان أودعها الذاهبون إلى موتهمْ‏

في مجازر أيامهمْ‏

فاستحالتْ عصافيرُ أرواحهم‏

أنجماً في الفضاءِ الحزينْ...‏

وهل من ربيعِ دمٍ‏

أو ضياءِ فمٍ‏

حيث تنفجرُ الزلزلاتُ...؟‏

***‏

وحدها‏

في المنازلِ لا تستكينُ لموتٍ بطيءٍ‏

يفاجئها كلَّ يومٍ من اللاهثينَ وراءَ سرابِ الحكوماتِ‏

تحلمُ أكثرَ مما تخبئهُ الذكرياتُ بأفْقٍ‏

يهلُّ عليه يمامُ الهلالْ‏

فهيا خذي شهقةً ضدَّ هذا الجنونِ المحاصرِ‏

وانتظري:‏

ربما شقشقَ البابُ أهلُ!‏

ربما فاحَ صبحُ حوارٍ فأدهشَ قولٌ وأزهرَ فعْلُ!‏

ربما حطَّ قطرُ الندى فاكتسى بالأزاهيرِ سهلٌ وتلُّ!‏

ربّما فرّ طيرٌ فأشرقَ غصنٌ ورفرفَ ظلُّ!‏

ربما نفوشتْ كالعصافيرِ أفئدةٌ‏

فانتشى حولَ قبَرةِ الحبِّ ليلُ!‏

ربما ضاء فجرُ النوافذِ والبندقيّاتِ‏

وامتلأتْ كلُّ هذي الخوابي بماءٍ يُجَلُّ!‏

ربما أصبحتْ أمُّنا الأرضُ‏

تمنحُّ حالاتِها دونَ خوفٍ‏

فتملأَ كلَّ الحواصلِ بالخيرِ ريّانةً لا تملُّ!‏

ربما قطَّرتْ ماءَ سكّرها في الدنانِ العناقيدُ‏

وازدانَ في الكونِ عدلُ!‏

ربما انزاحَ عن عتباتِ المنازلِ قهرٌ‏

وعبقرَ هيلُ!‏

ربمافرّختْ منكِ بعضُ الأساطيرِ‏

وانطلقتْ زغرداتُ...!‏

إذن أشعلي برفيفكِ‏

حلم الندى‏

واستعدي لفجرِ الندى‏

فقد تُبْعَثُ المعجزاتُ...!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244