مرايا الياسمين - صالح هوَّاري

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 11:38 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سيرة ذاتيه لشاعر متقاعد

أنا لستُ أُبالغُ إنْ قلتُ لكم:‏

حينَ تقاعدْتُ‏

تصاعدْتُ‏

تباعدْتُ‏

لأقتربَ كثيراً منّي‏

ومعَ الشَّمسِ تواعدْتُ‏

لأحدِّثها أكثرَ عنّي‏

اشتدَّتْ في المشي‏

خُطايَ إلى اللاّشيءِ‏

لأُمسكَ بالشّيءِ الهاربِ منّي‏

سجّلْتُ اسمي في مدرسةِ البحرِ‏

لأُثبتَ للموجِ بأني‏

صيَّادُ الدهشةِ في‏

خلجانِ الحزنِ يغني‏

ولأني من وطنٍ لا يحني قامتهُ‏

لن أتنازلَ عن حبَّةِ شعرٍ‏

سُرقتْ من طاحونةِ ظنّي‏

* * *‏

علَّقْتُ قميصَ الستيّن على‏

نخلةِ بيتي‏

ولذا زادَ الخوفُ حلاوةَ روحي‏

فرجعتُ إلى حانوتِ الجهلِ‏

أخذْتُ أُشاغبُ كي تتحرَّشَ بي‏

ملكاتُ الوقتِ‏

وحين أضأْتُ لهنَّ‏

زنابقَ أَشعاري‏

كالجنياتِ تمايلْنَ أمامي‏

حينَ ظفرْتُ بهنَّ‏

بنيْتُ مما لكهنَّ‏

على قمةِ صوتي‏

وإلى مدْنِ الوردِ‏

حجزْتُ لهنَّ قطاراً‏

قد لا يأتي‏

* * *‏

مَعَ أنّي عاديٌّ وبسيطٌ جدَّاً‏

قالتْ لي امرأةٌ‏

في عينْيها سحرٌ فتَّاكْ :‏

إنكَ صعبٌ.. صعبٌ جدَّاً‏

ولذا أَحبَبْتُكَ جدَّاً‏

لأبرهنَ أني أملكُ مفتاحَ هواكْ‏

مع أني عصبيٌّ جداً.. ومزاجي‏

قال ليَ البحرُ وقد حاولَ إحراجي:‏

إنكَ أصفى من عينِ الشمسِ‏

على مرآتي‏

ولذا اخترتُكَ كي‏

تُشعلَ بهدوئِكَ أمواجي‏

* * *‏

أمَّا في البيتِ‏

ولا أخفيكُمْ سرَّاً‏

فسمائي تنبعُ من سقفٍ‏

موصولٍ بسماءٍ لا تعرفُ أرضا‏

وعلى طاولتي‏

أوراقٌ تشربُ ماءَ الفوضى‏

حين تُرتّبها امرأتي‏

أغضبُ... أَغضبُ...‏

حينَ تبعثُرها أكثرَ من ذي قبل أرضى‏

أخرجُ أحياناً لأُضيعَ أكثرَ وقتي‏

في المشي وراءَ الليلِ‏

وحين أعودُ إلى البيتِ‏

أدقُّ البابَ تثورُ عليَّ امرأتي‏

تغلبُني بالصوتِ... فأغلبُها بالصَّمتِ‏

في اليوم التَّالي أسحبُ ظلّي‏

وأُمرِّغُ بالدهشةِ عينيْ‏

أمشي... وأحاورُ نفسي‏

حين أجوعُ على الطرقاتِ‏

تدقُّ دمي تفَّاحةُ وهْمٍ‏

تضحَكُ في الدَّربِ عليْ‏

حين يجنُّ جنوني‏

ويشاكسُني عنقودُ الشِّعرِ‏

أهدِّدُهُ بالقصفِ إذا‏

لم ينزلْ بين يدَيْ‏

أمَّا الشعرُ فقدْ علّمني التدخينَ‏

وأقصدُ صرتُ أُنفِّخُ تنفيخاً‏

لأُباهي أنَيّ أصنعُ سُحُباً‏

تُلفتُ أنظارَ الأشجارْ‏

ولأّني صاحبُ مملكةٍ‏

من ستةِ أقمارْ‏

فأنا أعملُ ليلَ نهارْ‏

وكثيراً ما كنتُ أُصابُ بضربةِ خبزٍ‏

فأُسلِّمُ أمري لجنونِ الأسعارْ‏

أحتجُّ.. أسبُّ على حالي‏

وأنا الخائفُ منّي‏

أمدَحُ أحياناً بعضَ النّاسِ‏

على مرآى الجارْ‏

ولكي أُثبتَ أنَّ قطاري‏

لا يُشبهُ أيَّ قطارْ‏

أصفُرُ مقهوراً‏

وأموتُ فلا يرثيني‏

إلا طلقةُ شعرٍ‏

تتلوَّى في بيتِ النَّارْ‏

* * *‏

أمَّا عن شيطانِ الشّعرِ‏

وكيفَ يجيءُ إليَّ وأدخلُ في طاعتهِ:‏

فطقوسي أغربُ من كلِّ طقوسْ:‏

وأنا آكلُ أهجُسُ‏

وأنا أمشي أهجُسُ‏

وأنا أهجُسُ أهجُسُ‏

من آخرِ قنبلةٍ تحتَ حجارةِ روحي‏

يسمَعُ شيطانُ الشعرِ دبيبَ جنوني‏

وبلا استئذانٍ يدخلُ‏

أنهضُ مثلَ المهووسْ‏

يرتجفُ الليلُ بأعصابي‏

يرتعدُ الفانوسْ‏

فأرشُّ عليهِ رذاذَ دمي‏

فينوسُ قليلاً ثم يضيءْ‏

ويضيءُ قليلاً ثم ينوسْ‏

يجلسُ قربي.. ويُداعبني‏

وبأجملِ جمرةِ شعرٍ يضربُني‏

أتشظَّى فوق التختِ‏

يُذوِّبُ في فنجانِ دمي حبَّةَ هيْلٍ من ضحكتِهِ‏

حين أهمُّ لأشربَهُ‏

تتدلّى شفتاهُ فتشربُني‏

يغمسُ ريشتَهُ في محبرتي‏

وبأجملِ خطٍّ يكتبني‏

يُعطيني مفتاحَ البحرِ المتدارَكْ‏

نتصَّببُ شعراً إذْ نتعارَكْ‏

تحت عصا الليلِ المكسورهْ‏

وبصنعِ الموقدِ دوماً نتشاركْ‏

هو يعطيني الرّيحَ وأعطيهِ الجمرهْ‏

واللّهُ الطالعُ من كلِّ ضفافِ المعمورَهْ‏

يفرحُ إذْ يَلدُ المعنى‏

وتُضيءُ الصّورَهْ‏

آب1997‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244