حالاتٌ للتأمّل وأخرى للصّراخ - محمد بلقاسم خمار

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 11:40 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مقدمة

شاعر ...بين التمرُّد والاحتراق

عبد القادر الحصني

شريطٌ عذبٌ من الذكريات الغالية عليّ، تداعى إلى خاطري، وتسلسلت صوره، حين طلب إليَّ الشاعر العربي المناضل محمد بلقاسم خمّار أن أقدّم لمجموعته الشعرية هذه...

شريط أعادني إلى طفولتي وصباي، حين عرفت شعره أول مرّة..

أعادني إلى النصف الأول من الستينيات- أنا طالب في المرحلة الابتدائية، آنذاك -حين صافحت عيناي حروف اسمه على صفحات مجلة الثقافة السورية في أشعار تعبق بحب الجمال، وتلتهب بنار انتصار ثورة الجزائر.

بعد بضع سنين كان تعرُّفٌ ثانٍ على صفحات مقرّر اللغة العربية للشهادة الثانوية عام 1970م، حيث درسناه في إطار شعر التحرّر الوطني والنضال ضد المستعمر الفرنسي.. وما بقي من تلك الدراسة إحساسي بأن جانب حبِّ الجمال في شعر محمد بلقاسم خمّار، قد غاب ظلُّه عن تلك الدراسة، ولو حضر لأضفى على وهج الثورة ظلالاً إنسانيةً نديّةً، تشي بما وراء نار الثورة من نور الإيمان بالله وبالحياة... فنفس الشاعر التي اضطرمت بنار النضال هي هي التي ائتلقت بأنسام الحبّ وأنداء الجمال.

بين ذينك التعرّفين تسلسل شريط الذكريات.

هل أستطيع استعراض هذا الشريط؟

لا أظنني فاعلاً ذلك، ففوق طوق الورق احتمالُ عقدٍ من الزمان حمل أبهى أحلام الأمة العربية وأقسى انكساراتها...

هل أقول أنني كنت في الصف الأول الابتدائي أصيخ السمع مليّاً متوهِّماً أنه يمكنني أن أسمع أصداء أزير الرصاص في الجزائر، فقد كانت المسافة بين سورية والجزائر في وجداني الطفلي آنذاك جدّ قريبة، ذلك بسبب من أن ثورة الجزائر كانت تملأ أجواء البيت والمدرسة والشارع..

ألم نكن نردّد نشيد ثورة الجزائر كل صباح مع النشيد الوطني تحت علم أول وحدة عربية في العصر الحديث؟

هل أقول ذلك؟ إذا قلت ذلك سيسخر مني جيل من أطفال الدعايات، ولن يعرف أطفال العراق إلى أي مدى يمكن أن يفتحوا عيونهم دهشةً، أما أطفال الجزائر، فسلام لك من أطفال المجازر!

عام 1996م، بعد خمسة وعشرين عاماً على التعرُّف الثاني -أنا في أمانة تحرير جريدة الأسبوع الأدبي في اتحاد الكتاب العرب بدمشق- وجدتني وجهاً لوجه أمام شخص الشاعر... هذا هو إذاً محمد بلقاسم خمّار، بعد عمرٍ من التعرّف على الورق.. داهم موج عالٍ مناطق هاجعةً في شواطئ نائية، وتحدّر من ذؤابات أوراس خيول مطهّمة؛ عليها جدود مؤمنون، وقدم دمشقَ الأميرُ عبد القادر الجزائري حاملاًالفتوحات المكيّة) إلى حلقات الجامع الأموي الكبير، والتمع خاتم ذهبي بين تبرعات طلاب صفنا للثورة الجزائرية؛ وحين استفسر المعلم، أجابه أحد زملائنا: إنه خاتم زواج أمي، هدية إلى جميلة بوحيرد..... وتردّدت في نفسي أصداء أبيات حفظتها في طفولتي، منها:

عبرنا على السبع الشّداد نشقُّها

 
 

ولم تثننا يوماً لأن نعبر العشرا

وكلّم موسى الله في الطور خفيَةً

 
 

وفي الأطلس الجبار كلّمنا جهرا(1)

تكررت لقاءاتي مع الشاعر محمد بلقاسم خمّار، مخلّلة بكلام قليل، لا يعدو شؤون النشر ودوامة العمل الصحفي، وكان يملؤني أمران: صورته الشاخصة وصورته المعتّقة في الوجدان، ولكلتيهما احترام عميق في نفسي.

وجهٌ سمح كبحيرة هادئة متعبة، تشيع على صفحته أشعة ابتسامات ودودة، تنداح دوائرها حول فمٍ، يتكتَّم على أحلام البراكين، وتضيئه عينان ما زالتا تنضحان بعذوبة الطفولة.. هل رأيت العناء الإنساني محمولاً على قسمات من الرضا والحنوّ كما في ايقونات القديسين؟

هل هناك محمد بلقاسم خمّار آخر؟ قلت لنفسي.. فأنا أمام شاب في عزِّ الحيوية، يفيض قوةً ونشاطاً، بل ويوحي بأن في برديه مخزون طاقة كبيراً مؤجَّلاً لفعاليات قادمة.

أجبت بالنفي: إنه محمد بلقاسم خمّار الذي عرفت، فإذا أربك شبابُ شخصه نظرتي قليلاً، فإن صورة شعره الماثلة في وجداني تؤكد أنه هو..

فمرتسمات شعره القديم في نفسي هي مرتسمات شخصيته.. وقد تراوغني السنون، ويشكل عليّ ما استودع الجسد من عمر، إلا أن للشعر تعبيره الصادق الذي يفصح ويبين.

لأكتب مقدّمة لهذه المجموعة، كان تعرُّف جديد على الشاعر محمد بقاسم خمّار:

تعرُّف من خلال مجموعاته الشعرية السابقة، فقرأت أعماله: أوراق 1966)، ربيعي الجريح 1967)، ظلال وأصداء 1969)، الحرف الضوء 1979)، مواويل للحب والحزن 1994)، وإذا كانت فسحة التقديم لا تتيح لي أن أستعرض هذه الأعمال الشعرية جميعها هنا، فلا بأس في أن أسجل في إيجاز شديد معالم هذه التجربة الشعرية مضامين وأساليب، كما تبدت لي بعد قراءتها.

المضامين: تكتنز تجربة شاعرنا بأربعة مضامين تشكِّل معظمَ تجربته هي: وجدان حبّ الجمال -الغربة والهمّ الاجتماعي- النضال الوطني- الرؤية القومية.

وجدان حب الجمال: يشغل وجدان الجمال حيّزاً كبيراً من الوجدان الشعري في تجربة محمد بلقاسم خمّار، بل هو الوجدان المؤسس لشعريته في إنتاجه الشعري الأول.. ينطلق هذا الوجدان من معاينة صور الجمال في الوجود على العموم، وفي المرأة على الخصوص، ثم يبحث عن مستقرٍ له في الاستغراق بالعشق، إلا أن هذه الرحلة ما بين المنطلق والمستقر تجبهها أسوار عالية، فتكفّ عن أن تبلغ مداها، من هذه الأسوار الجابهة:

أ- تربية دينية صاغت نفس الشاعر منذ الطفولة على العفّة والحياء، وربطت بأواصر وجدانية متينة بين الإحساس بالجمال والإيمان بخالق هذا الجمال، فسرعان ما يزيح الوجدان موضوعَه من المحدود المتعيِّن إلى المطلق اللا متعيِّن.

ب- غربة ومعترك سياسة يجعلان شطراً كبيراً من نفس الشاعر مرهوناً بمصير الوطن.

جـ- أسرة صالحة تظلها سيدة كريمةجميلة) بظلٍّ وارفٍ من لطفها وثقافتها، تتماهى فيها حلاوة الحب بقداسة الواجب، وتتلامح صورتها بين أبيات الشاعر في قصائد كثيرة.

وجدان الغربة: لا يقتصر وجدان الغربة لدى شاعرنا على الغربة المكانية، إذ قضى ردحاً طويلاً من عمره خارج الجزائر، بل يتعدّى ذلك إلى غربة القيم والمفاهيم والمبادئ التي انزاحت عن صرافة نقائها في ينابيعها، وداخلتها المآرب السياسية والمطامع الشخصية.. ومثلما يجد المتنبي في الهمم المتهافتة أطلالاً، تستحقّ الوقوف والبكاء عليها: "أحقُّ عافٍ بدمعك الهممُ"، نجد محمد بلقاسم خمّار يذرف الدمع على غربة المبادئ والعقائد في زمن المنافع والمطامع.

النضال الوطني والرؤية القومية: يشكل هذا المضمون معظم تجربة الشاعر: اغتذى عليه يافعاً، وانصهر في أتونه شاباً، وغنّى لانتصاراته كهلاً، وها هو ذا يحمل رايته شيخاً... هذه الراية التي ما أن علت ورفرفت حتى هبَّت العواصف من حولها، تريد حرف مسارها وتشويه هويتها والحطّ من كبريائها، فراح شاعرنا يذود عن نقائها وأصالتها بما في شريانه من نبض حار، وبما في أعصابه من حسٍّ مرهف، وبما في روحه من سموّ العروبة والإسلام.

قصائد تلو قصائد تطالعنا في دواوين الشاعر، وكلّها مكرّسة لثورة نوفمبر ومسيرتها، للآمال الزاهية المنشورة في آفاقها، وللتحدّيات العاتية التي تعصف بها... قصائد تحمل في ظاهرها طابع المناسبة ورسم الذكرى، ولكنها في عمقها تواجه المستجدّات على الساحة السياسية الجزائرية، فهي تتحد من حيث العاطفة الوطنية التي تصدر عنها، ولكنها تتعدّد من حيث المعالجة الفكرية للواقع السياسي الجزائري المتغيّر..

وهي قصائد خطابية النبرة أحياناً، مجلجلة الصرخات، مدوّية الأصداء دائماً، ولكنها في الوقت نفسه تطرح فكراً، وتتبنى موقفاً، وتنطوي على جدل تاريخي.

أما المأثرة الأكبر في هذه التجربة الشعرية الوطنية فهي أنها تضع النضال الوطني الجزائري في إطار الرؤية القومية العربية، وتماهي الهمّ الوطني بالهمّ القومي، فعلى صفحات قصائده الوطنية نقرأ أحداث لبنان الدامية في محنته، ولعنة النفط، ومأساة الخليج، والصراع العربي الصهيوني، وعروبة الجزائر، ولعبة السلام، من منظور يؤمن بالوحدة العربية، ويقرأ مصير الأمة من خلال هذا المنظور.

الرؤية الإبداعية والسمات الأسلوبية:

تنتمي أشعار محمد بلقاسم خمّار، من حيث الشكل، إلى نمطين من أنماط الشعر، هما نمط نظام البيت ونمط نظام التفعيلة، وفي كلا النمطين تنمُّ تجربته الشعرية على رؤية إبداعية تقدِّم المضمون على الشكل، وتقدّم الفكرة على الصورة، وتعبِّر تعبيراً مباشراً في الغالب، بينما تميل إلى الرمز في النادر، مع المحافظة على وحدة القصيدة وبنائهاالدرامي)، سواءً أكانت هذهالدراما) من أحداث نفسية أم أحداث اجتماعية أم تاريخية...

ويستطيع الدّارس للتّقانات الأسلوبية في شعر محمد بلقاسم خمّار أن يلحظ السمات التالية:

1- البناء المستقر للجملة الشعرية لغةً وبياناً وأداءً تعبيرياً.

2- التلوين في نظام التقفية.

3- التسامح مع الوزن، والميل إلى جملة شعرية توهم بالنثرية أحياناً.

4- المقطع الشعري محكم البناء، ومُندغَم في وحدة القصيدة.

5- اللغة اشتقاقاً وتراكيب تميل أحياناً إلى خصوصية مستقاة من اللهجة العامية الجزائرية.

6- الموسيقا الداخلية نامية، وتبرز كمصداقية نفسية مسهمة في أداء المعنى.

7- تعِوِّل النصوص في شعريتها على مجمل الفحوى الذي تشيعه في فكر المتلقي ونفسه، ولا تعتني بتفاصيل التعبير وجدّة الصياغة.

8- غزارة الإسقاط التاريخي برموزه المختلفة من أحداث وأشخاص.

9- وحدة [المضمون/ الشكل] في النصوص وحدةٌ منسجمة، وتعبر عن الصدق الفني للتجربة الشعرية .

 

حالات للتأمل.. وأخرى للصراخ):

لا تخرج هذه المجموعة الشعرية شكلاً ومضموناً على مجمل التجربة الشعرية للشاعر، فهي تحمل الهموم التي طالما حملتها مجموعاته الشعرية السابقة، وتصدر عن الرؤية الإبداعية التي انتظمت تلك المجموعات أيضاً. إلا أن لهذه المجموعة خصوصاً في إطار هذا العموم.

فما الخصوص الذي تحمله هذه المجموعة؟

ولماذا تنضاف هذه المجموعة إلى رصيد مجموعاته الشعرية؟

تنفرد هذه المجموعة عما سبقها في تجربة شاعرنا بما يلي:

* حدّة التماوج بين الثنائيات المتناقضة: الموت، والحياة)، اليأس، والأمل)، الصحو، الحلم)، الهزيمة، النصر)، الحزن، الفرح)،....إلخ فكلّ ثنائية من هذه الثنائيات يملي حدّها الأول الواقع، ويملي حدّها الثاني ذات الشاعر التي تأبى هذا الواقع.. ولما كانت هذه الثنائيات راسخة في النصوص، فهي تشير إلى شرخ عميق في نفس الشاعر التي تعيش صراع الواقع/ الذات.. ومثل هذا الصراع يتحرّك في إطار الفاجع.

 

* التماهي بين الذات والواقع في لحظات الانهيار:

لم يعد الواقع بالنسبة إلى الشاعر موضوعاً يكتب فيه، بل طغى الشرخ حتى دمج ذات الشاعر والواقع المنهار في منهار واحد، فراحا يهويان معاً، وهذا لا يمكن لي أن أراه إلا في إطار الفاجع أيضاً.. لنقرأ قصيدةزمن الغربة والغروب)، متقرّين هذاالانهيار الدامج).

* الغربة التي عاشها الشاعر واعياً في مجموعاته الشعرية السابقة تتسرب إلى طبقات أعمق من طبقات نفسه، وها هي تصير أحلام يقظة مكتوبة في برزخ بين الغياب والحضور، كآلية من آليات النفس الدفاعية في مواجهة حدّة الثنائيات المؤسِّسة للانهيار الدامج.

لنقرأ المقطع الثالث من قصيدةالغربة في الزمن الغجري)، كأنموذج لهذه الأحلام.

* في هذه المجموعة الشعرية يبدو وعي الشاعر لذاته عميقاً جداً، وهو وعي يمكن لنظرة ما أن ترى فيه منقذاً ومعيناً على رأب شرخ الثنائيات، بينما يمكن لنظرة أخرى أن ترى طفلاً يحدّق في الهاوية.. كما في المقطع الثاني من قصيدةإرهاصات الفرار إلى الحرية)، وفي ختام قصيدةالعقدة).

 

* الإيمان بالله نور يشقّ ظلمات ما يتراكم في قصائد هذه المجموعة من ليل دامس، وعليه المعوّل في استلال فتيل الفاجع.

أما على صعيد فنيّة التعبير فقد امتازت هذه المجموعة عما سبقها من مجموعات شعرية بثلاث ميزات:

1- التعبير المكثّف المتخلّي عن استطالات الإشباع اللغوي.

2- مفتاحية المطلع، إذ في معظم قصائد المجموعة يشكل المطلع بذرة تنبثق منها شجرة النص.

3- غنى الحوار الداخلي.

في ختام هذا التقديم أكبر في تجربة الشاعر العربي الجزائر محمد بلقاسم خمّار عمقها التراجيدي المناهض لضرورات الواقع، وأثمن خطّها الصاعد البالغ ذروته في مجموعتهحالات للتأمل.. وأخرى للصراخ)، معترفاً بتعاطف واكب قراءة هذه التجربة، وهو يرنو إلى مآلها المؤلم المشرِّف.

 

دمشق صيف 1998

عبد القادر الحصني

(1) من قصيدة طويلة لشاعر جزائري، لعله ابن تومرت.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244