موت البجعــة - د.هيفاء بيطار

مـجـمــوعــة قـصـصـيـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أحبكم راقدين بسلام

فوق هذه الصخرة يلوذ بالفرار من العالم، (يبدأ بنسيان كل همومه تدريجياً) ، وهو يراقب حركة الموج الأزلية في غزلها لصخور الشاطئ، منظر الزبد يدهشه، يحب أن يسميه رغوة الحياة.‏

تنهد بارتياح وهو يشعر بصفاء ذهنه بعد ساعتين من تأمله للبحر، لكنه في آخر زفرة من تنهيدته الطويلة لفحته حقيقة جعلت قلبه يتقلص كأنه غمر فجأة بماء بارد، واعترف بانكسار أليم أن أغلب الذين يحبهم صاروا في الضفة الأخرى من العالم، خطفهم الموت... أمه، وأبوه، وزجته وأغلب أصدقائه..‏

كان قاع الأسى يجذبه ليرتمي فيه، لولا تنبهه لحركة غير عادية، وصوت أشبه بالأنين، تلفت حوله، فلم يتبين شيئاً، قام عن صخرته الأثيرة وأمعن النظر حوله، فلمح على بعد أمتار إلى يمينه جسماً يطفو ويغور في الماء، أنخلع قلبه، إنه إنسان يغرق، وبآلية بحتة رمى بنفسه في الماء بكامل ملابسه وسبح مسرعاً باتجاه الغريق، وهو يشعر بأنه يود التهام المسافة ويحس في أعماقه بقدرته على ابتلاع البحر لينقذ هذا الغريق... لم تنقض ثوان حتى كان إلى جانب الغريق، اصطدم به، ثم انتشله رافعاً إياه من تحت إبطيه ليتبين وجهه، كان وجهاً وسيماً لطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره كما قدّر وقد امتلأ بالزبد وازرقت شفتاه، وغامت عيناه فلم يبد سوى بياضهما.‏

أخذ قلبه يخفق بشدة، وهو يقود الغريق مسرعاً باتجاه صخور الشاطئ، ويحاول رغم انهماكه ولهاثه أن يسترق النظر إلى وجه الطفل ليعرف إن كان لا يزال حياً، لكن زرقة الشفتين الشديدة وانقلاب عينيه كانا يثيران في نفسه أشد الرعب، حمله إلى صخرة تأملاته، ومدده على بطنه متذكراً المبادئ في إسعاف الغريق، أخذ يضغط بيديه معدة الطفل بقوة، ويضغط على صدره، فيما الجسد النحيل يبدو مستسلماً وغير مستجيب إطلاقاً ليدي المسعف، قرب وجهه من وجه الطفل ولمسه وتأمله: يا لشحوبه، تساءل جزعاً: أهو حي؟ وضع أذنه على صدر الغريق وحاول أن يسمع خفقان قلبه، وقد تحفزت كل حواسه وتركزت في أذنيه، لكن صوت الموج كان يطغى، انتفض واقفاً وهو يحس بذعر ويتلفت حوله باحثاً عن منقذ وجد نفسه يقرفص ويمسك يد الطفل ويحاول جس نبضه، كان الصغير شديد النحول وبدا معصمه كغصن مريض مقتلع ومرمى، صرخ بصوتٍ عالٍ: الحمد لله، الحمد لله، وقد أحس بالنبض الناحل في معصم الطفل.‏

عاود الضغط المتناوب على رئتيه، وأخذ يصفعه برقة على خديه، ويضغط على معدته، لشد ما كان مرتبكاً ومتعثراً بحركاته العشوائية، والطفل لا يبدي أي استجابة، قرر أن يحمله ويركض به إلى أقرب مستشفى.‏

ألقى جسد الصغير على ظهره، ممسكاً إياه من معصميه بقوة، وأخذ يركض بقوة لم يعهدها طوال حياته، لكنه تنبه وسط لهاثه ومخاوفه أن سائلاً دافئاً انسكب بغزارة من فم الطفل على رقبته، دمعت عيناه وهو يحس بقيء الصغير متبوعاً بلهاث وشهقات، أراد أن يستدير ليتأمل وجهه، لكن قدميه استمرتا في حمّى عدوهما، وبعد لأي وصل إلى الطريق العام، ووقف وسط الشارع مغسولاً بالعرق يصرخ بأعلى صوته: غريق، غريق... اضطرت شاحنة محملة بالصخور إلى التوقف ولم يحس أن منظره يحمل الطفل مثيراً للرعب إلا حين التقت عيناه بعيني سائق الشاحنة الذي أوقف شاحنته وسأله مبهوراً: خير يا أخ، مابه ابنك؟‏

قال: أرجوك انقلنا إلى أقرب مستشفى.‏

صعد إلى جوار السائق، وجلس الغريق بحضنه، أمكنه أن يتأمل وجهه الآن، لقد تلون وجهه قليلاً رغم أن زرقة شفتيه لا تزال شديدة، ولم يعد جفناه متشنجين، كان يبدو كمن يغط في النوم. تركزت أنظاره على صدر الصغير. كان يتنفس ببطء، وأخذت دموع العرفان تنسكب من عينيه وهو يقول الحمد لله، الحمد لله...‏

تنبه إلى أن سائق الشاحنة يسأله بصوتٍ خشن ومرتفع: ما به صغيرك؟‏

قال: لقد غرق.‏

-وكيف ينزل البحر وهو لا يجيد السباحة؟‏

-لا أدري.‏

-لا تدري! عجباً، كيف يغافلك ويتجرأ على النزول إلى البحر...‏

- أرجوك، هلا أسرعت قليلاً.‏

توقفت الشاحنة عند الباب الخارجي للمستشفى، ونقل الصغير إلى الإسعاف، طلبت ممرضة لطيفة منه أن ينتظر في الخارج وأشارت إلى مقاعد معدنية في ردهة الانتظار، جلس مهدود القوى وقد أخذ التعب يتفصدّ من قدميه وعضلات يديه بنبضات قوية متلاحقة من الألم أحس أن شرايينه في طريقها للتمزق من نبضاتها المتوترة.‏

بدت له نصف ساعة الانتظار هذه دهراً، كان يتلهف لمعرفة كيف يسعفون الصغير؟‏

هل سينقذونه؟ هل هم على درجة عالية من الكفاءة والعلم لإنقاذه، وآخر ما تساءله: من يكون هذا الصغير؟!‏

فتح الباب أخيراً، ونادته الممرضة أن يدخل، وأومأت إليه أن يلحقها إلى مكتب طبيب الإسعاف الذي ابتسم في وجهه مطمئناً وقال: انقذنا صغيرك، وهو الآن يرقد في سريره تحت خيمة من الأكسجين.... لمح ثياب الصغير متكومة أرضاً بما فيها سرواله الداخلي غاص قلبه وهو يتخيله عارياً ووحيداً، سأله الطبيب عن اسمه، واسم ابنه.‏

أجاب: إنه ليس ابني، أنا مجرد منقذ.‏

بدت الدهشة على وجه الطبيب وتساءل: إذاً أنت لا تعرف الطفل؟‏

-إطلاقاً، لقد تنبهت إلى أنه يتخبط في الماء، وانتشلته.‏

-حسناً، في هذه الحالة، ستوقع على أوراق خاصة، ريثما يتم العثور على هوية الطفل، ومعرفة ذويه.‏

أراد أن يرى الصغير ليطمئن عليه، قال له الطبيب: ستراه بالتأكيد، وقاده عبر رواق طويل إلى غرفة مبردة، حيث وجد الصغير نائماً في سرير أبيض، وقد وضعوا فوق وجهه قناعاً شفافاً ليستنشق الأوكسجين... اقترب منه وأمسك يده يقبّل ظاهرها وباطنها، وهمس وهو يقاوم دموعه: الحمد لله على سلامتك...‏

ربتت يد الطبيب على ظهره وقال: يا لنبلك يا أخ كريم.‏

قال: إنه الواجب يا دكتور، الحمد لله أنني كنت أجيد السباحة، الحمد لله أنكم أنقذتموه.‏

وقع أوراقاً، وكتب عنوانه ومهنته كمدير لأكبر شركة برادات منذ عشرين عاماً.‏

ما كاد يصل بيته حتى تهاوى على الأريكة، وبدا له ما مرّ معه أشبه بكابوس، خلع ثيابه المبتلة وهو يشعر أنه يبذل جهداً لا يقل عن الجهد الذي بذله في الركض حاملاً الصغير، كان جسده رطباً يمض باستمرار بآلام عضلية، وحين اتجه إلى الحمام ليغتسل خانته قواه أحس أنه يتهاوى، داهمه نعاس قوي وفيما هو متجه إلى فراشه، تلاحقت ضربات قوية على الباب، تنهد منزعجاً من عساه يقصده الآن، فتح الباب ليطالعه رجل أنيق وغريب يبتسم له بمودة قائلاً:‏

-حضرتك الأستاذ كريم سواح أليس كذلك؟‏

-أجل.‏

-أنا والد الطفل الغريق الذي انقذته.‏

أفسح له مجالاً للدخول قائلاً: أهلاً تفضل، اعذرني وأشار إلى منامته، سأبدل ثيابي حالاً...‏

-لا أرجوك، ابق كما أنت، لقد أتيت أشكرك وأرد لك الدين.‏

قاطعه: العفو، لا شكر على واجب، ضحك متابعاً: أحمد ربك كوني أجيد السباحة، لكن ما الذي قاد صغيرك إلى البحر وهو لا يجيد السباحة.‏

قال: إنه مولع بالصيد، رغم أنه لا يجيد السباحة، المهم يا أستاذ كريم، أنا مدين لك بحياة ابني.‏

-العفو يا سيد...‏

-السيد سلوان حكيم...‏

-آه، أنت السيد سلوان، الفلكي والمنجم الشهير...‏

ضحك السيد سلوان قائلاً: أجل أنا أشهر فلكيي العالم.‏

ضحك كريم متوتراً وتساءل: أليس غريباً أن يغرق ابن أشهر منجمي العالم...‏

قال سلوان: معك حق، تساؤلك منطقي وذكي. لكني في الواقع مدين لك يا سيد كريم، مدين لك بحياة، وأنا من عادتي أن أرد الدين على مبدأ العين بالعين، والسن والسن، وحياة بحياة.‏

كان كريم ينصت مبهوراً لكلام السيد سلوان، وبطرفة عين تذكر صفحات الجرائد والمجلات التي يكتب فيها سلوان تنبؤاته الشهيرة، وتساءل: أتراه عجز عن تنبؤ أن ابنه سيغرق ذات يوم، وسوف يتم انقاذه.‏

تابع السيد سلوان واثقاً من نفسه: إذاً يا سيد كريم، كما قلت لك أنا مدين لك بحياة، ولك أن تختار حياة مَنْ مِن الناس الأحباء إلى قلبك تريدها أن تعود؟‏

حملق كريم بوجه السيد سلوان الرصين مبهوتاً وسأل بكل الدهشة والذعر في قلبه: ماذا؟ ماذا تقول؟‏

قال سلوان بنفس الصوت الواثق: لك كل الحق في أن تدهش، وأنت بحضرة اشهر منجمي العالم، لكني أعني تماماً ما أقول، لأقل لك ببساطة أنني بإمكانياتي غير العادية والسرية، أتمكن من إعادة حياة إلى عالمك، فهلا اخترت زوجتك، أمك، أباك.‏

قاطعه كريم مبهور الأنفاس: أرجوك يا سيد سلوان قدّر إرهاقي وتعبي أنا لا أحتمل هذا الكلام، أرجوك لا تتلاعب بأعصابي.‏

قاطعه السيد سلوان وهو يحس بإهانة: أنا لا أتلاعب بأعصابك يا سيد كريم، ولولا تقديري العميق لنبلك وأخلاقك، ولولا أنني أعرف بالتفصيل كيف انقذت ابني، لما عرضت عليك، مالم أعرضه على بشري من قبل، لكني أعذرك، فعقل الإنسان محدود، أقصد قدرته على استيعاب الأمور الخارقة محدودة...‏

في الواقع لا أستطيع أن أشرح لك كم أملك وزملائي أشهر منجمي وفلكيي العالم من قدرات. باختصار أقول لك، فكر جدياً أية حياة تريدها أن تعود إليك، سترجع بالحالة ذاتها التي غادرت بها الحياة، وكي تصدق أنني جاد وقادر على تنفيذ كلامي سوف أقدم لك دليلاً بسيطاً، قام السيد سلوان وأخرج من جيبه منديلاً، وهرس ذبابة كانت واقفة على زجاج النافذة وأحضرها إلى السيد كريم واضعاً الحشرة الميتة أمامه، ثم أغمض عينيه وتمتم بكلمات فإذا جسد الحشرة المسحوق يلتئم ويتماوج بحركات لينة وتعاود الطيران...‏

اختنقت الكلمات في حلق كريم وهو يقول: عادت للحياة!!‏

ابتسم السيد سلوان وقال: هذه مجرد تجربة بسيطة سأتركك الآن، وسأمر بك بعد أيام لتختار حياة غالية تريدها أن تعود...‏

تركه السيد سلوان، وهو يعاني من تفكك داخلي لم يعهده في حياته، كان يشعر أنه مرمي خارج ذاته، لكن جسد الذبابة المسحوق في خياله، وكيف أعادها للحياة، كان من القوة أن أجبره على تخيل أن أحد موتاه قد يعود إلى الحياة... ترى من سيختار؟ ودّ لو يهرب من هذا السؤال، لكنه عجز، فهو يتكمشه كالأخطبوط، تذكر أن والده توفي منذ خمسة عشر عاماً، وأمه منذ سبع سنوات، وزجته منذ ثلاثة أعوام. كل هؤلاء الثلاثة يجمعه بهم حب كبير، والده ظل يعمل سنوات طويلة عملاً إضافياً بعد الظهر ليتمكن من تأمين مصاريف دراسته الجامعية، وكي لا يحرمه من متعة المصروف وهو يعاشر أولاد الميسورين، تذكر ابتسامته وهو يرجع مساءً إلى البيت مهدوداً من التعب، مدارياً تعبه بابتسامة يعتقد أنها قادرة على الإقناع، غاص قلبه بحب عارم تجاه أبيه، وقرر أن يختاره ليعود إلى الحياة، عساه يعوضه عما قاساه لأجله... لكنه تذكر أن والده غادر الحياة في الستين من عمره، وهو الآن في الثانية والخمسين، ترى هل سيكون بين الأب وابنه ثماني سنوات فقط؟! وتردد صدى صوت السيد سلوان يقول له: سيعود الميت بالحالة التي غادر بها الحياة، تذكر أن والده عانى طويلاً من أعراض التهاب البنكرياس، ويدخل في نوبات من الألم تجعل كل من في البيت حتى الجيران مستيقظين صابرين على الأنين المرتفع لرجل يذله الألم.‏

ترى هل سيتمكن لو عاد والده إلى الحياة أن يعتني به، وأن يتحمل نوبات آلامه، وهو الذي يشعر أن قوة الشباب تغادره بسرعة؟ ماذا لو عاش والده عشرين عاماً أو أكثر وهو يئن ألماً من نوب التهاب بنكرياسه، وقد يضطر للخضوع لجراحة، أو لدخول الإسعاف، وقد يضطر ليجلب له ممرضاً أو ممرضة، وجد نفسه يتملص من فكرة عودة والده للحياة ولسان حاله يقول: آسف يا أبي، فلتبق مرتاحاً في رقادك الأبدي، وحاول أن يجد عذراً يرضي ضميره، بأن خمسة عشر عاماً من الموت تجعل من الصعوبة إعادته إلى قيد الحياة...‏

فكر بأمه، حبه الكبير كما يسميها، تهلل وجهه فرحاً لفكرة عودتها إلى الحياة ، ستعود لطيفة حنوناً في الخامسة والستين كما غادرت، تذكر كيف ماتت دون إنذار، دون أن تعطيهم فرصة لوداعها، وفاة غامضة لم يستطع الأطباء تحديد سببها بدقة، كفراشة رشيقة طارت روحها، أجل يا أمي سأختارك لتعودي، تبين عمق مشاعره، لكم هو مشتاق إليها، وتذكر طقوسها الحلوة من تبخير البيت كل يوم بالبخور، والدعاء للجميع مبتدئة بأولادها وأحفادها، منتقلة إلى الجيران والأصحاب، ثم شاملة الناس أجمعين بما فيهم السجناء والمرضى والمقعدين، كان يضحك وهو يقول لها: ألا تتعبين من ترداد هذا الكلام كل يوم وأنت تطوفين بدخان بخورك ، كان يحس مع تعاقب الأيام والسنوات أن البخار يشع من أمه وليس من محرقتها، لكنها كانت تجيبه بيقين أن العالم يقوم على صلوات المؤمنين وأنها عندما تصلي تصير صلاة، وأن العالم كان لينهار لولا صلوات المؤمنين القديسين.‏

دمعت عيناه تأثراً، وهو يقول اشتقت لرائحة بخورك، لكن وجهه تقلّص فزعاً وهو يتذكر فهيراً بجسدها البض.العاري ترقد في سريره وتدخن سجائرها بتلذذ بعد انتهائهما من طقوس وصال حار، فهير المطلقة الشهية التي تزوره منذ سنوات والتي لم تلمح يوماً لزواج، ولم تطمع أبداً بهدايا ومال، مجرد علاقة تشعرها بكيانها كأنثى في مجتمع كاد ينسيها أنوثتها، وتساءل كيف سأتمكن من لقاء فهير إذا عادت أمي إلى قيد الحياة، أمي المتدينة التي لا يمكن أن تنظر إلى علاقتي بفهير إلا كزنى، وتذكر كم كان يضيق بملاحظتها حول وجوب تربية أولاده تربية دينية ووجوب التزام طقوس الصوم والصلاة، لدرجة كان يعترض بعصبية أحياناً قائلاً: أولادي وأنا حر بهم، أربيهم كما أشاء...‏

طافت بذهنه عبارة الحي أبقى من الميت، أتراه يعني أن فهير أهم من أمه؟ لبسه شعور بالخزي وتخيل وجه أمه وكأنه طعن إلى الأبد فيما لو كانت تقرأ أفكاره في تلك اللحظة؟ لكنه استمر بتفكير الخيانة وهو يقول: ما معنى أن تعود أمك التي عاشت خمساً وستين إلى الحياة؟ لتقيدك وعاد جسد فهير يلّح عليه لدرجة الوجع، فليعترف أنه لم يسعد مع امرأة كما أسعدته فهير، وحدها لم تتملكه، تركته حراً، لذلك وجد نفسه يتعلق بها حتى صار يتذكر عيد ميلادها قبل تاريخه بشهر، ويتذكرها في أسفاره أكثر مما يتذكر أحفاده وأولاده...‏

وجد نفسه ينسّل من تفكيره بأمه كسارق يخشى أن يضبط، تذكر زوجته وأم أولاده غرق بالحنان وهو يستعيد صورهما معاً من يوم جمعهما الحب على مقاعد الجامعة، كيف تواعدا أن يتلازما إلى الأبد، اعترف صادقاً إن أجمل سنوات حياته كانت سنة الخطوبة، يجب أن يسميها سنة الابتسام، عاش منتشياً بأعذب ابتسامة لأرق إنسانة ملكت حواسه، لكن كيف غابت الإبتسامة بعد الزواج، كيف تبخرّ الحب الجميل بعد الزواج ليختنق بواجبات والتزامات وتذكر شجاراتهما العنيفة والموضوع الأبدي علاقته بأهله، كم كان يغيظها أن يساعد أهله مادياً، تحديداً أخته الكسيحة اثر حادث سيارة... ودوماً تحتج بأن أولادها أحق بأمواله .تذكر خجلاً أن شجارهما وصل مراراً إلى الضرب، وتساءل عجباً كيف تسير الحياة بالبشر؟ هل خطر له عندما كان عاشقاً يحمل وروداً وينتظر حبيبته في الدقائق والثواني، أن يصيرا عدوين بعد سنوات من الزواج؟ لا ينكر أنه بكاها بحرقة يوم توفيت شابة بسبب حادث سيارة... تساءل:‏

أليس من الإنصاف أن أطلب من الفلكي إعادتها إلى قيد الحياة لتسعد بأولادها وأحفادها، ستعيش سنوات من الراحة والهدوء، وسيمكنه أن يعترف لها أن فهيراً دخلت حياته، لا يمكنها أن تلومه وهي القادمة من عالم الغيب، يمكنها أن تعيش عند أولادها أو أن تستأجر لها بيتاً، لكن، ماذا لو أرادت أن تعود المياه إلى مجاريها بينهما؟ تذكر وجهها وجسدها، فبدت له طيفاً، وأحسها أقرب للأشباح، وعجز عن تخيل نفسه وقد عاشرها أكثر من ربع قرن، وجمعته معها ذكريات اعتقد أنها من المتانة ما تجعله قادراً على تقبلها في أي زمن كان، لكم هي خائبة الذاكرة، إنها لم تترك من الزوجة والرفيقة سوى دخان، دخان سرعان ما يتبدد كلما حاول أن يجسده. انتفض من مكانه ورطوبة البحر الزنخة عالقة بجلده. أتراه خائن؟ كيف لا يريد أن يعود إلى الحياة أحب الناس إلى قلبه، لمح صورته بزجاج النافذة، بدا مخذولاً وتائهاً ومذعوراً في آن قال مخاطباً شبح السيد سلوان: اعذرني يبدو أنني لا أريد أن يعود إلى الحياة أحب الناس إلى قلبي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244